كتب

موريتانيا وقضية الصحراء من الحرب إلى الحياد.. محطات تاريخية

قضية الصحراء لن تُحل إلا بالتحلي بالحكمة والحنكة والواقعية من جهة أطراف النزاع والدول المجاورة المعنية بالموضوع (مركز الجزيرة للدراسات)
الكتاب: "موريتانيا وقضية الصحراء من الحرب إلى الحياد: قراءة في الحصيلة والآفاق"
المؤلف: الداهية ولد محمد فال المختار
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات + الدار العربية للعلوم ناشرون
عدد الصفحات: 270


مرت الأسبوع الماضي الذكرى 34 لقيام اتحاد المغرب العربي، الذي يضم كلا من الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وليبيا ليس فقط في صمت مطبق، وإنما في حرب إعلامية ودبلوماسية بين أكبر بلدين في المنطقة، وأعني بهما المغرب والجزائر..

ولقد بات من المعلوم للقاصي والداني أن جوهر الخلاف بين المغرب والجزائر ينحصر في الموقف من مصير الصحراء، التي تتمسك الرباط بتبعيتها للمغرب وتقترح حكما ذاتيا لها تحت السيادة المغربية، بينما تصر جبهة البوليساريو مدعومة من الجزائر بالحق في تقرير المصير.. وهو إصرار تعترضه الكثير من العقبات الإجرائية على رأسها الخلاف بين الأطراف المعنية في من يحق له المشاركة في الاستفتاء..

وإذا كان السجال الإعلامي والسياسي والديبلوماسي بين الرباط والجزائر قد كشف الكثير من تاريخ هذا الصراع وأهدافه، فإن ابتعاد موريتانيا أو قل غيابها عن المشاركة المباشرة في الحوارات الجارية بشأن مصير الصحراء قد دفع إلى التساؤل عن سر هذا الغياب، في الوقت الذي يذكر التاريخ أن نشأة جبهة البوليساريو كانت بالأساس في موريتانيا قبل أن تحتضنها ليبيا معمر القذافي ثم جزائر هواري بومدين..

الباحث المؤرِّخ والقانوني الموريتاني الدكتور الداهية ولد محمد فال المختار، اختار أن يسلط الضوء على هذا الملف المعقد، بأدوات عالم الاجتماع والتاريخ لا بمفاهيم السياسي وتوجهاته المصلحية، في كتاب حمل عنوان: "موريتانيا وقضية الصحراء من الحرب إلى الحياد: قراءة في الحصيلة والآفاق"، وهو كتاب صادر عن مركز الجزيرة للدراسات سنة 2015.

يعالج الكتاب تحوُّل التعاطي الموريتاني مع قضية الصحراء، الذي بدأ مُتشددًا لا يقبل المساومة على الصحراء؛ ثم معتدلًا بقبول تقاسمها مع المغرب، وأخيرًا حياديًّا يعتريه الغموض مُتسترًا خلف القرارات الدولية والتشبث بالشرعية الدولية.

هل وجود موريتانيا في ملف الصحراء هو الذي خلق مشكلة الصحراء؟

يحاول الباحث عبر فصول الكتاب مقاربة هذه الإشكالية في أبعادها الإقليمية والدولية وإبراز السياقات السياسية والجيوسياسية للتعاطي الموريتاني مع قضية الصحراء (النشأة والتطور) متسائلًا: هل وجود موريتانيا في ملف الصحراء هو الذي خلق مشكلة الصحراء؟ وهل للاستراتيجية التي انتهجها النظام الموريتاني دور في تفاقم المشكلة؟ وهل للعوامل الإقليمية والدولية دور في استمرارها؟ وما الاستراتيجيات والتكتيكات التي اعتمدتها موريتانيا في التعاطي مع القضية؟ ولماذا غيَّرت موريتانيا مطالبها من الوحدة الشاملة إلى القبول بالتقسيم مع المغرب ثم الاكتفاء بدور المحايد؟ وما حقيقة الموقف الموريتاني من قضية الصحراء: هل هو حيادي فعلًا أم أن السلطة الموريتانية تمارس لعبة التقيَّة في العلن وتميل لأحد الأطراف في الخفاء؟ ما موقف النخب والأحزاب السياسية الموريتانية من قضية الصحراء؟ ما موقف موريتانيا من المقترح المغربي الأخير بشأن الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية؟ هل بإمكان موريتانيا أن تساعد في حلِّ مشكل الصحراء؟ ما تأثير الربيع العربي على قضية الصحراء؟

للإجابة عن هذا الحقل الاستفهامي استعان الباحث بأدوات منهجية نسقية ووظيفية واستنباطية، كما لجأ إلى مقترب متعدد التخصصات؛ حيث وفَّق بين مجموعة من الفروع المعرفية: قانونية وسياسية واقتصادية وعلاقات دولية وتاريخية وجغرافية للوقوف على سائر أبعاد موضوع الدراسة. وقسَّم الكتاب إلى محورين أساسيين، وجاء المحور الأول بعنوان "موريتانيا كطرف مطالِب بالصحراء: الأسس والمرتكزات"، وخلص الباحث إلى أن الموقف الموريتاني من الصحراء اتسم في البداية بنوع من التشدد والراديكالية؛ حيث اعتبرت موريتانيا "الصحراء وموريتانيا" كلًّا لا يتجزأ، وهو موقف له ما يبرره في تلك الفترة، كما يرى الكاتب؛ إذ كانت موريتانيا نفسها موضوع مُطالَبة من المغرب، الشيء الذي أدى إلى اتساع الهوة بين البلدين، نتيجة رؤيتهما فيما يخص تدبير قضية الصحراء؛ إلا أن تغييرًا جديدًا في النهج والممارسة سيطبع التعامل بين الرباط ونواكشوط؛ وذلك بعد انضمام موريتانيا إلى الأمم المتحدة عام 1961 ثم مشاركتها في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963؛ حيث تمكَّن الراحلان: الملك الحسن الثاني والرئيس المختار ولد داداه، بعد انعقاد قمة المؤتمر الإسلامي الأول في الرباط عام 1969، من التفاهم حول التدبير المشترك لملف الصحراء وتحريرها من الاستعمار الإسباني.

تعاني الجزائر من عقدة بسط النفوذ والتنافس مع المغرب والتمايز مع طرحها، وهو اختلاف كان الأمل أن يختفي بعد الربيع العربي؛ لأن الأيديولوجيا الأساسية للربيع العربي هي الحرية والعدالة والمصلحة المشتركة للشعوب، وبالتالي ستغلب مصلحة سكان الصحراء التي لن تكون إلا جزءًا من كل وهي مصلحة المنطقة المغاربية كلها، لكن للأسف الشديد سارت رياح الربيع العربي بما لا تشتهيه سفن الشعوب العربية، وشهدت انتكاسات مؤلمة، بعض من تفاصيلها نطالعها في الحرب الإعلامية الدائرة بين الرباط والجزائر..
وتناول الباحث في المحور الثاني، وهو بعنوان "موريتانيا كطرف محايد لكن معني بالصحراء"، تحوُّل التعاطي الموريتاني مع قضية الصحراء، الذي بدأ مُتشددًا لا يقبل المساومة على الصحراء؛ بل يعتبرها موريتانية ثم معتدلًا وذلك بقبول تقاسم الصحراء مع المغرب، وأخيرًا حياديًّا يعتريه الغموض والالتباس والضبابية مُتسترًا خلف القرارات الدولية والتشبث بالشرعية الدولية. وهنا يستنتج الباحث أن التعاطي الموريتاني مع قضية الصحراء لم يتجاوز فترة الرئيس الراحل المختار ولد داداه؛ حيث اتسم بالجدية والصراحة والصرامة ووضوح الرؤية وتماسك الاستراتيجية بينما اتسم تعاطي الرؤساء الذين جاؤوا من بعد المختار ولد داداه بالارتجالية والتقصير أحيانًا واللامبالاة أحيانًا أخرى.

ويخلص الدكتور الداهية ولد محمد فال المختار إلى أن ملف الصحراء خلق هوَّة سحيقة بين الأقطار المغاربية بلغت حدَّ القطيعة وغلق الحدود والحرب الطاحنة بشكل مباشر وغير مباشر وبالوكالة، وأصبحت القضية ترواح مكانها بعد وقف إطلاق النار بين جبهة البوليساريو وموريتانيا في أغسطس/آب 1979، وبين الجبهة والمملكة المغربية عام 1988، مشيرًا إلى فشل جهود المنظمات الإقليمية والدولية في إيجاد تسوية لهذا النزاع الطويل الشائك والمعقد بدءًا بمخطط التسوية الذي اقترحه الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز ديكويلار مرورًا بجيمس بيكر وفان والسوم وانتهاء بكريستوفر روس.

ويرى الباحث أن قضية الصحراء لن تُحل إلا بالتحلي بالحكمة والحنكة والواقعية من جهة أطراف النزاع والدول المجاورة المعنية بالموضوع، معتبرًا أن المراهنة على حل القضية عن طريق الوحدة المغاربية لن يكون رهانًا خاسرًا؛ لأنه يحقق لكل الأطراف ما تطمح إليه؛ فالمملكة المغربية أقصى طموحها هو أن تبقى الصحراء الغربية يرفرف عليها العلم المغربي؛ لأنها تعاني من هاجس التجزئة ومستعدة لقبول خيارات خارج الانفصال، وإذا وُحِّد المغرب العربي فسيحلُّ علمُه محل أعلام التجزئة وهو ما ستطمئن له نفوس جبهة البوليساريو التي تعاني من عقدة الاحتلال والاستعمار وهو ما لم يكن مطروحًا في حال الوحدة المغاربية.

بينما تعاني الجزائر من عقدة بسط النفوذ والتنافس مع المغرب والتمايز مع طرحها، وهو اختلاف كان الأمل أن يختفي بعد الربيع العربي؛ لأن الأيديولوجيا الأساسية للربيع العربي هي الحرية والعدالة والمصلحة المشتركة للشعوب، وبالتالي ستغلب مصلحة سكان الصحراء التي  لن تكون إلا جزءًا من كل وهي مصلحة المنطقة المغاربية كلها، لكن للأسف الشديد سارت رياح الربيع العربي بما لا تشتهيه سفن الشعوب العربية، وشهدت انتكاسات مؤلمة، بعض من تفاصيلها نطالعها في الحرب الإعلامية الدائرة بين الرباط والجزائر..

أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أنه الأول من نوعه من حيث موضوعه المتعلق بموريتانيا تحديدا وملف الصحراء، وإنما أيضا في طبيعته الأكاديمية وما تضمنه من معلومات ومعطيات تاريخية عن جزء مهم من تاريخ المنطقة المغاربية وشعوبها التي عانت من ويلات الاحتلال قبل أن يتركها لخلافات حدودية بينية مازالت تدفع ثمنها إلى يوم الناس هذا.