كتب

الأوراق الخاصة لجمال عبد الناصر تضيء جانبا من تاريخ مصر

الأوراق الخاصة لجمال عبد الناصر تكشف جوانب من تاريخ مصر الحديث (عربي21)
الأوراق الخاصة لجمال عبد الناصر تكشف جوانب من تاريخ مصر الحديث (عربي21)

الكتاب: جمال عبد الناصر: الأوراق الخاصة، ط2، المجلد الخامس (1961 ـ 1967)
المؤلف: د. هدى جمال عبد الناصر
الناشر: المكتبة الأكاديمية ـ القاهرة 2018.

"في يد القارىء أوراق لم تُكتب للنشر"، هكذا، بدأت د. هدى عبد الناصر المجلد الخامس من الأوراق الخاصة لوالدها، جمال عبد الناصر، "فجاءت معبِّرة عن أفكاره، ومعتقداته، سياساته" وهي تتميز عن المذكرات، التي "تُكتب بإرادة صاحبها، يحذف منها ما يريد، ويُجمِّل منها ما يشاء"، واعترفت المعدَّة بأنها أعادت اكتشاف والدها، بهذه الأوراق، منذ المجلد الأول.

غطى هذا الجزء الفترة ما بين انفصال الوحدة المصرية ـ السورية، وعدوان 1967 الإسرائيلي، أي ما بين نكسة، ونكبة، وهي فترة مهمة وفارقة في تاريخ مصر الحديث، داخليًا، وخارجيًا.

نهاية الوحدة السورية ـ المصرية

دفع انفصال سوريا عن مصر(28/9/1961) عبد الناصر إلى إعادة النظر، والتقدير الشامل؛ فبدأ إجراء تحولات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، بعيدة الأثر. الأمر الذي وثقه هذا الكتاب، بدقة. كما أن الفترة السابقة على العدوان الإسرائيلي(1967)، تُفسر كثيرًا ما حدث؛ لذا، لم يأت عدوان 1967 مصادفة، والذي أُتبع بقمة عربية في الخرطوم، بعد نحو شهرين. ما جعل الكتاب يحفل بمحاولات العمل العربي المشترك، بنجاحاته، وإخفاقاته.

تأخذ مقدمة المجلد الخامس على "الحزب الشيوعي السوري" رفضه "الامتثال إلى قرار إلغاء الأحزاب" (ص33). بدل أن تأخذ المعدَّة على والدها حرصه الشديد على تغييب الديمقراطية، وإلحاق سوريا بمصر، في هذا المضمار؛ ما كان السبب الرئيس في إخفاق الوحدة.

بعد إسقاط نظام الانفصال في سوريا (8/3/1963)، وقبله بشهر أُسقط النظام الثوري في العراق، هنا ألح عبد الناصر على قيام وحدة ثلاثية فورية، تشمل مصر، وسوريا، والعراق.

عن فشل هذا المشروع، قالت المعدَّة: "... فحزب البعث تاريخه محيِّر! ما مدى علاقته بالأمريكان، أو بالغرب، عمومًا؟! ما الذي جعل حزب البعث السوري ينقض (ميثاق 17 نيسان / أبريل"، بعد 4 أيام من توقيعه" (ص34 ـ 35).

"ولم تقتصر سياسة عبد الناصر التحررية على الدول العربية، بل لقد ساند كل حركة تنشد الاستقلال، والحرية" (ص35).

بعد ذلك، عمدت المُعدَّة إلى إيراد أوراق والدها الخاصة بتقييم تجربة الوحدة المصرية ـ السورية، وآثار الانفصال، وحصرتها في: إهمال العمل السياسي، والتنظيمي، واحتدام الصراع الداخلي، مع ضرورة تغيير إطار التنظيم السياسي، فضلًا عن التخطيط السياسي الدولي الخارجية (ص 41 ـ 50)، ودعمت هذا كله بما أسمته "الوثاق" (ص 51 ـ 124). متغاضيه عن الفساد، الذي تفشى وبائيًا، في القُطريْن، وحماه غياب الديمقراطية، ووهن الجبهة الداخلية، فأورثت الأمة العربية هزيمة 1967، التي لم نزل نعاني من تداعياتها الكارثية. أما ما رصده عبد الناصر، فهو مجرد أسباب إدارية بحتة، وإن حملت عناوين سياسية.

مصر والقضايا العربية

في مجال "القضايا العربية"، كان الفصل الثاني، بدءاً من "دور مصر في ثورة الجزائر (1954 ـ 1976)"، وهو دور لا يمكن إنكاره، وكان ضمن دوافع فرنسا للمشاركة في "العدوان الثلاثي" على مصر، وقطاع غزة (1956)، ومن الجزائر، انتقلت الأوراق إلى "ثانيًا: قضية اليمن"؛ وقد استعرضت الأوراق هذه القضية، من خلال عناويين: مفاجأة اندلاع الثورة اليمنية (1962)؛ وتحركت القوات المصرية إلى اليمن؛ فعبارات إنهاء الصراع اليمني، بدءاً من المبادرتيْن، الأولى والثانية، وقضية اليمن في الأمم المتحدة، ومعركة عبد الناصر مع المملكة المتحدة، حول عدن، وجنوب الجزيرة العربية، وزيارة عبد الناصر، ومؤتمرات القمة، والاتصالات بين عبد الناصر، وفيصل، قبل توقيعهما "اتفاقية جدة" (24/ 8/ 1965)، وإقدام الملك فيصل على إنشاء "الحلف الإسلامي" لمواجهة التيار القومي العربي، ومن ثم إفشال "اتفاقية جدة"، وإحباط وساطة الكويت، في هذا الصدد، ما أفضى إلى تصاعد المواحهة بين الجمهورية العربية المتحدة، وواشنطن، قبل أن يُختتم هذا الجزء بخاتمة الصراع في اليمن.

انتقلت "الأوراق الخاصة" إلى الجهود الوحدوية العربية، بدءاً من مشروعات الوحدة الثلاثية، بين مصر، وسوريا، والعراق (ربيع 1963)، بعد الثورتين في كل من العراق (8/ 2/ 1963)، وسوريا (8/ 3/ 1963)، وتوقيع اتفاقية الوحدة، وأصداءها في إسرائيل، قبل نقضها من قبل "البعث"،  في سوريا، والعراق، وعند إسقاط حكم "البعث" في العراق، بعد نحو 9 أشهر من ثورة  8/ 2، كيف استحدث عبد السلام  عارف قيادة سياسية موحدة مع عبد الناصر.

 

حزب البعث تاريخه محيِّر! ما مدى علاقته بالأمريكان، أو بالغرب، عمومًا؟! ما الذي جعل حزب البعث السوري ينقض (ميثاق 17 نيسان / أبريل"، بعد 4 أيام من توقيعه


في تقويمه لمحادثات الوحدة هذه، رأى عبد الناصر "إن الغلطة الكبيرة أننا كنا نتكلم على وحدة، وننسى الإقليمية..." (كما) إنه لا يمكن بحكم إئتلافي في الوحدة ـ كل بلد يمثله حزب ـ أن يصنع وحدة حقيقية؛ ذلك ما سينتج عنه الصراع السياسي، وتتأثر الوحدة، بالتالي". 

وفي اجتماع 7 نيسان (أبريل) 1963، في الوحدة الثلاثية، قال عبد الناصر: "قبل وحدة القيادات، توجد نقطة ضرورية، هي وحدة الهدف. وإذا كان هناك خلاف مذهبي، كيف تلتقي هذه القوى السياسية... ورأيي أنه لا توجد خلافات مذهبية، بل توجد عُقد نفسية، وخلافات شخصية، يجب أن تكون هناك لغة واحدة، في الاجتماعات وخارجها". 

وفي اليوم التالي، قال عبد الناصر: "إن الدول، المقترحة أمس، فيها جميع أنواع الفراغ... إننا نريد أن نتلافى أخطاء 1958... إن ما فهمته، أمس، أننا سنكون دولتين في داخل الاتحاد؛ البعث يحكم سوريا، والعراق، والاتحاد الاشتراكي بحكم مصر!... (هذا) كلام عن تحالف، بين دول منفصلة: وانتهى عبد الناصر إلى وصف محادثات الوحدة الثلاثية بـ "حوار الطرشان". ولاحظ عبد الناصر الصراع المحتدم، في الوزارة بين البعثيين، والناصريين في سوريا، "والحقيقة أن العناصر الوحدوية في الجيش أكثرية، ولكن عناصر ضعيفة. بدون مناورة، العناصر التي مع البعث، أقلية جدًا ولكن منظَّمين! (764 ـ 768).

اقتصر الحديث عن "السياسة الإفريقية"، في الفصل الثالث عن الصراع في الكونغو، والعلاقات الأفريقية (923 ـ 950). واكتفى الفصل الرابع "عدم الانحياز" بالحديث عن الهند، وباكستان، ثم السياسة الإسلامية.

 

العلاقات المصرية ـ الأمريكية

بذا، وصلنا إلى الفصل الخامس "السياسة العالمية"، في العلاقات المصرية ـ الأمريكية (1961 ـ 1967)، نرى "الأوراق" تقفز من العام 1956 (العدوان الثلاثي)، إلى العام 1961، بدءاً من العلاقة مع الرئيس الأمريكي، جون كينيدي، قافزة عن سنوات 1958 ـ 1960، ذلك، أن الخارجية الأمريكية نشرت في وثائقها، بعد مرور ثلاثين سنة، تقريرًا للسفير الأمريكي في مصر، إلى وزارة خارجيته، يشرح فيه كيف أن محمد حسنين هيكل، الصحفي الأقرب إلى عبد الناصر، قد التقاه، في كانون الثاني (يناير) 1958، وأبلغه رسالة من الرئيس المصري، تؤكد بأن الوحدة المصرية ـ السورية ليست موجهة ضد أمريكا، بل ضد الشيوعيين! وحين التقى عيد الناصر السفير الموما إليه، في حفلة دبلوماسية، سأله عما إذا كان هيكل زاره بالرسالة الشفوية لعبد الناصر، وأن السفير الأمريكي أكد له ذلك. إلى جانب تقرير آخر، من السفير الأمريكي في دمشق، إلى وزارة خارجيته، أكد فيه إلى أن الرئيس السوري، شكري القوتلي، قد التقاه، وأكد له بأن تلك الوحدة موجهة ضد الشيوعيين، وليست ضد أمريكا!

معروف بأن العلاقة المصرية ـ الأمريكية قد ترتبت، وتحسنت، بمجرد أن بدأ عبد الناصر حملته ضد الشيوعيين، في خطاب ألقاه في بورسعيد (23/ 12/ 1958)، وأغدقت الولايات المتحدة، منذئذ، وحتى إسقاط نظام عبد الكريم قاسم الوطني، في العراق شتى المساعدات، التي بلغت نحو مليار دولار، وهو مبلغ كبير بمعايير ذاك الزمان. وبعدها، قطعت أمريكا القمح عن مصر، فاستنجد عبد الناصر بالسوفييت، الذين طلبوا إلى سفينة كانت تحمل القمح للاتحاد السوفييتي، بالانعطاف نحو ميناء الإسكندرية المصري، وإنزال حمولتها هناك.

 

معروف بأن العلاقة المصرية ـ الأمريكية قد ترتبت، وتحسنت، بمجرد أن بدأ عبد الناصر حملته ضد الشيوعيين،


عندها عمد عبد الناصر إلى إخراج الشيوعيين من المعتقلات، والسجون، وأُوكل إليهم إدارة معظم دور الصحف المصرية، خاصة "دار أخبار اليوم" التي كانت أمريكا قد أنشأتها في مصر، العام 1944، فأطاح عبد الناصر بالتوأمين، علي، ومصطفى أمين، من رأس هذه الدار، قبل أن يُلقى القبض على مصطفى أمين، ويحاكمه بتهمة التجسس لحساب الولايات المتحدة الأمريكية، ويدينه بهذه التهمة.

وبعد، فإن كان من يكتب مذكراته، يُنقِّيها من سلبياتها، بعكس أوراقه الخاصة، فإن من يجمع هذه الأوراق، يمكنه أن ينقيها من السلبيات. إلا إذا كان عبد الناصر، قد برأ نفسه تمامًا من أي سلبية دون أن ينفي هذا كله. معاداة عبد الناصر الواضحة للاستعمار، خاصة الفرنسي، والبريطاني، وإحساس عبد الناصر المرهف تجاه الطبقات، والفئات الكادحة المصرية. وأغلب الظن أن شاعر العرب، محمد مهدي الجواهري، قد صدق في تأبين عبد الناصر:
 
لا يعصم المجد الرجل    كان عظيم المجد والأخطاء

*كاتب فلسطيني

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم