أفكَار

الإعمار والتعليم بعد زلزال المغرب.. الحقائق السوسيولوجية والاعتبار التنموي والدستوري

الضغط الذي يشكله تطبيق المقتضى الدستوري بضمان المساواة في استحقاق التعليم، والحاجة إلى استئناف الحياة الطبيعية في هذه المنطقة، يتطلب التفكير بجدية لتأمين العرض التربوي، بعيدا عن فكرة الترحيل. (الأناضول)
لم يكد يوم الثامن من أيلول (سبتمبر) الجاري ينتهي في المغرب، حتى تم الإعلان عن زلزال قوي بلغت درجته 7.2 مئوية بمقياس ريختر بمنطقة الحوز وسط البلاد، وصلت تداعياته إلى جميع مدن البلاد.. دفع غالبية سكان المغرب إلى الخروج من منازلهم وقضاء ليلة كاملة في الساحات العامة..

لم يكن زلزال منطقة الحوز هو الكارثة الأولى التي يواجهها المغرب، فقد سبقته في ذلك كوارث متعددة سواء كان الأمر زلزالا أو فيضانات أو أوبئة.. وإن كان زلزال الحوز هو الأقوى في تاريخ المغرب خلال قرن من الزمان.. وفي كل تلك التجارب واجه المغرب الرسمي والشعبي تلك المحطات بما تقتضيه من الحلول الممكنة..

ولئن أبدى المغرب الشعبي والرسمي حكمة بالغة في التعاطي مع كارثة الزلزال الحالية من حيث حجم التضامن الإنساني غير المسبوق، أو لجهة تسخير الدولة لكل الوسائل المتاحة بما في ذلك الجوانب الصحية والإعلامية والاقتصادية من أجل مواجهة الكارثة، فإن تجاوز الصدمة الأولى للحادث يستوجب الوقوف أمام تحديات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تحدي إعادة الإعمار بكل ما يحمله هذا التحدي من معنى.

وإذا كان الانشغال بالتفاصيل المباشرة لمواجهة الحاجات الإنسانية العاجلة والتعاطي مع المستجدات الإنسانية اليومية الناجمة عن الزلزال، هو التعبير المباشر عن كفاءة الشعوب والدول في حماية حياة الناس، وهذا مجال كان للمغرب جهد كبير فيه، فإن المقاربات الفكرية الثاوية خلف هذه الصورة التي عكستها وسائل الإعلام بكل أنواعها، هي مدخل الحكم على تطور الدول وقدراتها في حماية منظوريها.

ومع بروز مؤشرات السيطرة على الوضع بعد الزلزال العنيف الذي ضرب منطقة الحوز وشيشاوة وتارودانت بالمغرب، بدأت تثار أسئلة كثيرة عن الأفكار الحكومية التي تختزنها لبلورة كيفيات تنزيل التعليمات الملكية حول الإعمار، وبدأ السؤال يطرح بشكل قوي عن شكل استئناف الدراسة والصيغ المعتمدة لتمكين الطلاب في المناطق المتضررة من فرص مساوية لأقرانهم في المدن والمناطق الأخرى، وما إذا كانت ستكون فعالة أو ستتكون مؤطرة بفكرة الإدماج بأي ثمن من غير نظر لاعتبار الجودة أو اعتبار ارتفاع الهدر المدرسي.

في إعادة الإعمار.. السوسيولوجيا الحاكمة

في موضوع الإعمار، اشتغلت السلطة بالمغرب على الإسراع بالإعلان عن برنامج استعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا من زلزال الحوز، تتضمن نسخته الأولى خطة الإيواء المؤقت، والتي تتضمن صيغا ملائمة في عين المكان، وفي بنيات مقاومة للبرد وللاضطرابات الجوية، أو في فضاءات استقبال مهيأة، وتتوفر على كل المرافق الضرورية. كما تتضمن خطته الأساسية، اتخاذ مبادرات فورية لإعادة الإعمار، تتم بعد عمليات قبلية للخبرة وأشغال التهيئة وتثبيت الأراضي.

في الواقع ثمة أربع ملاحظات أساسية في التجربة المغربية في مواجهة تحدي الإعمار، الأولى، وهي توفير أعلى مستوى من مستويات السلامة (الشروط الهندسية والتقنية وفق دفاتر تحملات مدروسة)، واحترام الهوية العمرانية والتاريخية للمنطقة (الطابع الهوياتي العمراني)، وأن تكون عملية الإعمار ناتجا عن عملية إنصاب وتواصل مع الساكنة (مراعاة المعطى السوسيولوجي)، والرابعة أن يكون الإعمار جزءا من مشروع فك العزلة وتنمية المنطقة وتوفير البنية التحتية الأساسية بها.

المعلومات التي تسربت من لدن عدد من الناشطين في المناطق المتضررة، تفيد برفضهم لأي خطة تدخل حكومية، تتضمن فكرة الترحيل ولو كان في حدود مؤقتة، كما ترفض بشكل قاطع فكرة القرى النموذجية..
التعليمات الملكية في الواقع، لم تدخل في التفاصيل المرتبطة بالاستقرار بالمكان ذاته أم تحويله  ستتم في مكان آمن يتم ترحيل السكان إليه، ولم تحدد طبيعة القرى التي سيتم تشييدها، وهل ستكون نموذجية، أم  يستعاد الوضع السابق، ولم تدخل في تفاصيل الجهات التي ستتكلف بالبناء، وهل ستقوم الدولة بنفسها بالبناء وفق تصاميمها الخاصة أم سيوكل الأمر للخواص وفق مشاريع استثمارية عقارية تقدمها الدولة طلبات عروضها، أم سترسم التصاميم وتوكل أمر البناء إلى الأهالي، وستقوم المصالح المختصة فقط بالمراقبة ومدى مطابقة البنايات للتصاميم؟

المعلومات التي تسربت من لدن عدد من الناشطين في المناطق المتضررة، تفيد برفضهم لأي خطة تدخل حكومية، تتضمن فكرة الترحيل ولو كان في حدود مؤقتة، كما ترفض بشكل قاطع فكرة القرى النموذجية..

هذه المعطيات، تكشف عن تحديات مفارقة، فبقدر ما يبرز ضغط الإسراع في الإعمار، واستئناف العملية التعليمية، بقدر ما تطرح الأفكار العملية بهذا الخصوص إشكالات كبيرة، ترجع في الجوهر إلى فهم الطبيعة السوسيولوجية للمنطقة، وحتى التداعيات النفسية، والتي ترسخ فكرة الارتباط بالأرض، واستعادة الوضع السابق، ورفض كل فكرة في الإعمار أو التعليم تتضمن الترحيل، ولو في الحدود المؤقتة.

تبدي الملاحظة السوسيولوجية المرتبطة بشكل تلقي المناطق المتضررة للمساعدات عدة خلاصات لا بد من أخذها بعين الاعتبار، فأهالي هذه المنطقة متعودون على ثقافة الاكتفاء والقناعة، وتربطهم ببقية القرى علائق التضامن القوية، وفوق هذا وذاك، فإن القيم الدينية مترسخة في نفوسهم بشكل كبير، وارتباطهم بالأرض، وبتراث المنطقة، لا يقبل الشك أو المساومة، وحساسيتهم من المس بالكرامة جد عالية، ودرجة استقلاليتهم عن السلطة وعن أي جهة أخرى كبيرة.

هذه الملاحظات السوسيولوجية التي يمكن تجميعها بسهولة من خلال تتبع عدد كبير من مشاهد الفيديو التي التقطها الناشطون الزائرون للمنطقة، تستدعي أن تكيف صيغ تنزيل التوجيهات الرسمية، بالشكل الذي يراعي هذه الاعتبارات، ويجعل المعطى السوسيولوجي أرضية لكل تفكير مسبق سواء تعلق الأمر بفكرة الإعمار، أو فكرة التعليم.

ولذلك، سيكون من الضروري، عند التفكير في الإعمار، أن يتم إقناع ساكنة المنطقة في الأسابيع القليلة القادمة، بالمدى الزمني الذي ستأخذه عملية تثبيت الأرض، فهذه الخطوة ستجد كل الدعم إن كانت العملية ستأخذ أفقا زمنيا معقولا ومقدورا على تحمله، وكانت البدائل المؤقتة متوفرة. فالتداعيات النفسية من أضرار الزلزال العنيف، ستكون مشجعة بشكل كبير على أن تمر هذه الفترة الزمنية في جو بعيد عن التوتر.

المشكلة تطرح بشكل جدي، حول شكل الإعمار وطريقته، وكيفية تنزيل التعليمات الملكية، والمدى الزمني الذي سيأخذه، والبدائل المؤقتة التي سيتم توفيرها.

المعطيات السوسيولوجية السابقة، تقول بأن أفضل طريقة لمباشرة فعل الإعمار، وهو أن تشتغل السلطة على فكرة استعادة الوضع السابق، بالحفاظ على نفس الهوية العمرانية للمنطقة، وأن تنأى بنفسها عن فكرة مباشرة البناء، وأن تترك ذلك للساكنة، على أن يتم الالتزام بدفتر تحملات هندسية تزيل بشكل حرفي التعليمات الملكية.

الفكرة ببساطتها، أن تتولى الدولة فكرة ضبط المعايير التقنية، وتقديم الدعم والتعويض للساكنة، وأن تترك الساكنة لنفسها، تباشر إعادة البناء وفقا للمعايير المسطرة، على أن تكون عملية البناء مشمولة بمراقبة شاملة من طرف السلطات تتناول جوانب السلامة، وأيضا التناسب بين كلفة البناء وبين التعويض المسلم للإعمار.

فكرة الإنصات للساكنة التي تضمنها توجيهات الملك محمد السادس، تنطلق في الجوهر من اعتبار لهذه الملاحظات السوسيولوجية ومن خيرة تاريخية طويلة بهذه المنطقة، والشروط البيداغوجية لحمها على الانخراط في أي مشروع يروم إعمار المنطقة وتأهيلها وإدماجها في التنمية.

وفي المقابل، ثمة خطورة كبيرة في انتهاز البعض للظرفية، واعتبار هذه المناطق فرصة استثمارية مغرية للمنعشين العقاريين، ومحاولة تبني أفكار إعمارية من وحي هذا الشجع، فهذه الأفكار، من شأنها أن تخلق بؤرة توتر كبيرة، ستقضي على المكتسب التي تم تحصيله من جراء فعل التضامن والإسناد وجهود السلطة الجبارة في الإنقاذ وتأمين الوضع الصحي، وستخلق نفسية ثائرة في المنطقة، تعزز فكرة استغلال مآسي المنطقة، وجمع الأموال باسمها، لمنحهم للوبيات المصالح.

لحد الآن، ثمة عدم وضوح في الرؤية الحكومية، تفسرها اختلاف الأرقام حول نسبة التعويضات، وهل التعويضات عن الضرر هي التعويضات عن السكن، وهل التعويضات التي ستمنح عن السكن، ستعفي الحكومة من مسؤوليتها في البناء، أن ما تم تقديمه هو فقط مقترحات أولية ريثما تتضح صورة الإمكان المالي الذي يتم تجميعه ضمن الصندوق الخاص الذي استحداث لاستقبال الدعم المحلي والدولي لمواجهة آثار زلازل الحوز؟

التعليم.. بين هاجس استئناف الدراسة ومتطلبات تحقيق المساواة في العرض التربوي

في موضوع التعليم لم تقدم الجهات الحكومية الرسمية أي تفاصيل تتعلق بخطة التدخل، فقد كان التركيز على تأمين الفئة المتضررة من حقها في التعليم، وبذل الجهود من أجل إتاحة أحسن الظروف لاستئناف الدراسة، بعد الجهود الجبارة التي بذلتها أجهزة الدولة ومصالحها من أجل فتح الطرق، والسيطرة على الوضع الصحي، وإزالة المخاطر في المنطقة، لكن دون بيان الكيفيات التي سيتم بها تحقيق هذه الأهداف.

بعض المسؤولين عن القطاع التربوي في المناطق المتضررة أطقوا مبادرات جزئية، تضمن بعضها فكرة ترحيل التلاميذ من الفئات المتضررة إلى المدن، وتضمن بعضها الآخر إلحاق التلميذات بأقسام الداخليات في بعض المناطق القريبة التي يستمر فيها السير الدراسي، ويتحدث مسؤولين آخرين عن إنشاء أقسام في الخيام وتجهيزها بالمعدات التربوية، بينما رحب القطاع الخاص، باستقبال عدد من التلاميذ من هذه المناطق وذلك في إطار الإمكانات المتاحة، لكن، ثمة نقاش كبير يثار حول فعالية هذه الأفكار والصيغ ومدى مناسبتها للمحيط.

في الواقع، لا تطرح قضية التعليم المشكلة بالحدة التي تطرحها قضية الإعمار، فالضغط الذي يشكله تطبيق المقتضى الدستوري بضمان المساواة في استحقاق التعليم، والحاجة إلى استئناف الحياة الطبيعية في هذه المنطقة، وخلق أجواء القطيعة مع التداعيات النفسية، يتطلب التفكير بجدية لتأمين العرض التربوي، بعيدا عن فكرة الترحيل.

كشفت التشخيصات التي قام بها المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي عن النتائج الكارثية التي خلفها وراءه التعليم عن بعد لاسيما في المناطق القروية، وكشف عن ضحالة التعليم في هذه الفئات، وتراجع اكتساب الكفايات بها، في الوقت الذي كانت الوزارة تتحدث في تقاريرها عن نجاح عملية التعليم عن بعد
البعض يعتقد أن فكرة الترحيل عملية وفعالة، ولا تخلق أي مشكلة بالنسبة للفئات العمرية الشابة (مستويات التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي)، فبإمكان هذه الفئة العمرية أن تباشر تعلمها في مراكش أو تارودانت أو أكادير أ المدن الصغيرة القريبة التي لم تتضرر  مؤسساتها المدرسية وذلك من دون أن  يكون لذلك أي آثار سلبية لكن، ينبغي التمييز هنا بين الأوضاع العادية التي لم تكن الكوارث جزءا منها، والتي أثبتت فيها الإحصاءات ارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالنسبة للفئات المعوزة التي اضطرت للالتحاق بالمؤسسات التعليمة البعيدة عن مناطقها بسبب عدم توفر العرض التربوي بها، وبين الوضع الاستثنائي، الذي تمتزج فيه فكرة الارتباط بالأرض بمعطى تدهور الحال المعيشي.

ولذلك، ثمة خطورة من أن تسيطر على الوصي على القطاع فكرة إدماج المتعلمين بأي ثمن وبأي طريقة كانت، لأن النتائج ستكون بدون شك كارثية، ونموذج التعليم عن بعد كشف من خلال تقارير رسمية، أن المتضرر الأكبر منها كان هي المناطق القروية.

فقد كشفت التشخيصات التي قام بها المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي عن النتائج الكارثية التي خلفها وراءه التعليم عن بعد لاسيما في المناطق القروية،  وكشف عن ضحالة التعليم في هذه الفئات، وتراجع اكتساب الكفايات بها، في الوقت الذي كانت الوزارة تتحدث في تقاريرها عن نجاح عملية التعليم عن بعد،  ويعود السبب في ذلك، حسب تشخيص المجلس الأعلى إلى الانشغال بفكرة انتظام الدراسة بنمط التعليم عن بعد دون طرح سؤال الكيفية والإمكان (هل تتوفر هذه المناطق على البنية الاتصالية التي تساعد على نجاح التعلم عن بعد؟)

وثمة فكرة أخرى تطرح تتعلق بتقليص المحتوى التربوي والاكتفاء بالكفايات الأساسية، وهي فكرة عملية تقلص من حجم الإمكانات المطلوبة، لكنها تعمق فكرة اللامساواة في استحقاق التعليم، وبشكل خاص في المستويات الإشهادية، التي حتى ولو تم اللجوء لفكرة الامتحانات المكيفة، إلا أن الآثار على المدى المتوسط والبعيد ستكون مكلفة بالنسبة لهذه الفئة.

وهكذا، وسواء تعلق الأمر بفكرة الترحيل، أو فكرة تقليص المحتوى التربوي، فإن مشكلة المساواة ستطرح بشكل جدي، وستعرض نسبة كبيرة من السكنة لظاهرة العرض المدرسي، خاصة وأن الظروف تشجع عليها، فعدم وجود السكن وتأخر توفره، سيعطي المبرر الكافي للاستسلام لإيقاف التعليم بالنسبة لأبناء المنطقة، كما أن الضغط النفسي، وتكاليف الترحيل ومضاه=عفاته، ستجعل من الإقبال عليه محدودا، وستجعل نتائج المندمجين في هذه العملية قريبة من النتائج التي تحصلت ومن التعليم عن بعد.

ولذلك، لا ينبغي أن تذهب الاقتراحات بعيدا عن مراعاة الملاحظات السوسيولوجية السابقة وفكرة الإنصات للساكنة والتواصل معها، بل يتطلب الأمر فكرة تثبيت المتعلمين في أماكنهم، والاشتغال على فكرة التعليم داخل الخيام أو داخل البيوت الآمنة أو داخل بنيات مركبة مخصصة للتعليم، وأن تجهز الأطر التربوية للقيام بدورها المهني والتضامني، لتقديم ما ينبغي من الدعم لهذه الفئة حتى تتجاوز هذه الفترة الحرجة. أما حجة عدم توفر الإمكانات والمختبرات، فهي حالة عامة، تطال حتى المدن الكبيرة مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش، والارتكاز عليها لتسويغ فكرة الترحيل، لن يساهم إلا في تعميق الهدر المدرسي في المناطق المتضررة، وإحداث الارتباك في السير الدراسي في مناطق أخرى.