أفكَار

الحراك الاحتجاجي في الغرب.. سقوط الديمقراطية أم إصلاحها أم إنقاذها؟

لم تكن الممارسة السياسية للدول الغربية مختلفة عما هي عليه اليوم من جهة اعتماد سياسة المعايير المزدوجة، وتعطيل دور المؤسسات الدولية إذا كان المستهدف منها حلفاء الغرب خاصة منهم إسرائيل.. (عربي21)
لم يعد أحد اليوم يجادل في الارتباط الوثيق بين طوفان الأقصى وتداعياته وبين مستقبل الديمقراطية كنموذج سواء في التجارب الغربية أو في الدول التي تسعى نخبها الإصلاحية إلى أن تنخرط في مسلسل للانتقال إليه.

من زاوية، ثمة من يرى أن التداعيات المتسارعة التي أنتجها طوفان الأقصى، وضعت النموذج الديمقراطي في المحك، وكشفت الأشكال التي يتم بها تعطيل فاعليته، وأثبتت أن القيم الإنسانية، تتجزأ، عندما يتم التعامل معها بازدواجية قاتلة، ويتم توظيفها للهيمنة على الشعوب الأخرى، وتحقيق فائض قيمة تجنيها الدول المهيمنة من الاستغلال البشع لمقدرات الشعوب الفقيرة.

ومن زاوية ثانية، ثمة من ينظر إلى ارتباك السياسات الدولية وعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين على  وقف العدوان الصهيوني، مؤشرا على تراجع تحكم الغرب في العالم، وبروز قوى أخرى دولية وإقليمية، أضحت معها فاعلية الإيديولوجية الديمقراطية جد محدودة، فالدول الثالثية، ومنها العالم العربي، التي كانت مضطرة لإدماج مؤشرات الديمقراطية في نسقها السياسي بنحو ما ولو بشكل انتقائي أو متدرج، أضحت ترى  نفسها متحررة من الضغط الغربي الذي كان يستعمل ورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان لإخضاعها، ومن ثمة، حلت السلطوية مكان الديمقراطية، وأصبح هناك ميل شديد  للنظام الرئاسي باعتباره يضمن النجاعة والفعالية عكس التدابير البيروقراطية التي تفرضها التراتبية المؤسسية الديمقراطية.

ومن زاوية ثالثة، اضطرب النظر في الغرب إلى الحراك الاحتجاجي الذي بدأ في الجامعات، ويوشك أن ينتقل إلى فعاليات المجتمع المختلفة، بين وجهة نظر محافظة لا تسمح بأن تتحول الحرية إلى نقض الأسس التي قامت عليها الإيديولوجية الديمقراطية الغربية، حين جعلت من "معاداة السامية" خطأ أحمر، وبين وجهة نظر ثورية، ترى أن الحرية تضمن حق التضامن مع الشعوب التي تتعرض لإبادة جماعية، وحق الاحتجاج على موقف الدولة الداعم للسياسات الصهيونية الضالعة في جرائم الحرب ضد الإنسانية.

هذه الوضعيات الثلاث، التي اثارت كل واحدة منها جدالا مفتوحا بين النخب ونقلته بشكل واسع وسائل الإعلام، يختصر في الجوهر إشكالية عميقة، تتعلق بمستقبل الديمقراطية، وهل جاءت لحظة أفولها، أم أن ما يجري يشكل إحدى التعبيرات التي تطالب بإصلاح نموذجها؟ أم أنها في الجوهر تعكس تناقض الفهم والتمثل للقيم الديمقراطية، بين السلطة والمجتمع، بما يعني وجود حاضنة اجتماعية للقيم الديمقراطية، ترفع شعار إنقاذ الديمقراطية وقيمها من الذين ينتهكونها ويعرضون النموذج القيمي للخطر، بل يهددون الأسس التي قامت عليها الدول الغربية؟

أطروحة سقوط النموذج الديمقراطي؟

تستند هذه الأطروحة إلى حجج مستمدة من واقع المعاينة لسلوك الدول الغربية، وكيف يشتغل صناع القرار السياسي للتحايل على المؤسسات والقوانين الدولية، وأيضا على القيم الإنسانية، من أجل تبرير الواقع من جهة(واقع السياسة الصهيونية العدوانية والهمجية)، وتبرير الانسجام بين السياسات الدولية وبين قواعد النموذج الديمقراطي ومترتباته. كما تستند إلى واقع الممارسة السياسية في الدول الثالثية، وتحول العلاقة بين المركز والأطراف، وكيف أضحت القوى الغربية، بفعل تغير موقعها وثقلها في موازين القوى، غير قادرة مطلقا على ممارسة الضغط باستعمال ورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكيف عادت أطروحة دعم السلطوية إلى أجندة صناع القرار السياسي الغربي، بما يمثل قطيعة مع مرحلة ما بعد الحادي عشر من شتنبر، المرحلة التي طرح فيها مفهوم "دعم التحولات السياسية في العالم العربي".

في الواقع، لم تكن الممارسة السياسية للدول الغربية مختلفة عما هي عليه اليوم من جهة اعتماد سياسة المعايير المزدوجة، وتعطيل دور المؤسسات الدولية إذا كان المستهدف منها حلفاء الغرب خاصة منهم إسرائيل، ولم يكن صناع القرار السياسي الغربي، يقدمون نفس الاحترام للقوانين الدولية، عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعوب غير الغربية. بل يمكن أن نسجل ضمن السياسات الغربية السابقة، حضور فيتو معاداة السامية، ومعاداة قيم الجمهوية، كما هو الأمر في الحالة الفرنسية، كخطوط حمر تعطى أولوية تأسيسية سابقة على الديمقراطية وقيمها. ويمكن أن ندرج ضمن السياق ذاته استعمال ورقة الإرهاب أو التطرف أو حتى الأمن لتعطيل كثير من المقتضيات الديمقراطية والحقوقية.

المتغير الجديد الذي سجل محطة فارقة في الموضوع، هو حصول درجة كبيرة من التوتر داخل بنيان النموذج الديمقراطي، بسبب حصول تناقض جوهري في الممارسة، بين الخطوط الحمر، ذلك أن أقصى ما يحاربه النموذج الديمقراطي على الأقل من حيث التأسيس القيمي، هو جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، وجرائم التهجير القسري، وجرائم التجويع، وجرائم الاتجار في البشر، وجرائم استهداف المدنيين، وهي الجرائم التي حضرت مجتمعة في ممارسة العدوان الإسرائيلي، في الوقت الذي اعتبر تقديم الدعم لإسرائيل، ونبذ معاداتها قواعد فوق ديمقراطية.

في السابق، كان المجتمع الغربي يتسامح كثيرا مع وجود هذه القواعد الفوق ديمقراطية، ولا يتشدد في إخضاعها هي الأخرى لقواعد النسق الديمقراطي، لأنها لم تكن تمثل سوى مشكلة جزئية، لكن اليوم، وبفعل الممارسة الصهيونية، بلغ التوتر أعلى مستوى بين هذين الخطين الأحمرين، بحيث أضحى الالتزام بمعاداة السامية، يستلزم تبرير الجرائم الإسرائيلية، ومن ثمة نسف أسس النموذج الحقوقي والديمقراطي.

ولذلك تظهر للملاحظ ثلاث حجج يقرأ من خلالها سيناريو سقوط النموذج الديمقراطي، الأولى أنه يعيش أزمة أسس، بسبب عدم القدرة على الحسم داخله بين القواعد الديمقراطية والقواعد فوق ديمقراطية.

والثانية، أن التناقض بين الممارسة (سياسة صناع القرار السياسي الغربي) وبين مقتضيات النموذج الديمقراطي وقواعده بلغت مستوى عاليا من الحساسية، خاصة مع حصول قدر كبير من الاطراد والامتداد في الزمن، ففي السابق، كان يقع التناقض والخرق في موقف أو قضية، تم تأتي أحداث أخرى يتم فيها  إنتاج سياسية توحي بوجود الانسجام، فيخف التوتر، لكن مع طوفان الأقصى، اطرد السلوك السياسي لصناع القرار السياسي الغربي لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، وتعمق التناقض أكثر مع المقارنة مع سياسات الغرب اتجاه روسيا وحربها على أوكرانيا،  وبلغت الجرائم الإسرائيلية مستوى غير مسبوق من الوحشية والهمجية و"العلو" على العالم وعدم الاكتراث بقواه ولا بالقوانين  والمؤسسات التي تضبط توازناته.

إن النموذج الديمقراطي، كما تبين ذلك الحراكات الطلابية في أكثر من دولة غربية، محتضن اجتماعيا، وأن الديناميات التي تجري في المجتمعات الغربية، تعكس في الجوهر الصراع لإنقاذ النموذج الديمقراطي، صراع المجتمع الذي تربى وتنشأ على القيم الديمقراطية من أجل الحفاظ على النموذج الديمقراطي ضد النخب السياسية التي تمارس شتى أنواع التوظيف والتأويل والانتقاء والازدواجية لتبرير الانفلات من النموذج الديمقراط
وأما الحجة الثالثة، فتخص واقع الطلب على الديمقراطية في العالم العربي، وكيف أضحى التحلل من الضغط الغربي، يستحل قمع الحريات السياسية الإصلاحية، وإنهاء المعنى للسياسة، مادام الغرب قد انعطف بشكل كامل إلى أطروحة دعم النظم الاستبدادية، وما دامت هذه الأنظمة نفسها تملك أوراق تناور بها معه للتحلل من أي التزام بالديمقراطية وقواعدها ومؤشراتها، وفي مقدمة تلكم الأوراق ورقة الأمن.

أطروحة إصلاح الديمقراطية

ربما كانت هذه الأطروحة الأقل حضورا مقارنة مع سابقتها، وذلك لسببين اثنين، الأول، لأنها تعني السياقات الغربية الداخلية، ولا تعني غيرها ممن هو مستهدف بالاختلال والتوتر الحاصل في النسق الديمقراطي. والثاني، أن فرص الإصلاح الذي يمس النموذج، تبقى محدودة بحكم أن أداة الإصلاح هي السلطة، وهي تعود إلى نتائج الانتخابات، أو تعود بشكل أو بآخر إلى السياسيين الذين يصيرون مع كل استحقاق انتخابي صناع قرار سياسي.

في الواقع، ثمة طرفان يحملان هذه الأطروحة، الذين تنشأوا على فكرة الديمقراطية في برامجهم التربوية والثقافية ونماذجهم التعليمية، ولذلك لا يرون بديلا عن إصلاح الديمقراطية، بحيث يظل سقف تفكيرهم مركزا على اختلالات الممارسة، لا أسس النموذج وقواعده. والثاني، الذين يعيشون في البيئات الاستبدادية، ويحلمون بغد ديمقراطي، ثم يجدون أمامهم تمدد السلطوية، وتوتر النسق الديمقراطي داخل أرضه.

يجتمع هذا الطرف وذاك على فكرة صلاحية النموذج الديمقراطي وعدم استنفاذه لأغراضه، وأن المشكلة توجد في الممارسة، أي في السياسات التي ينتجها صناع القرار السياسي الغربي، أو للدقة، في الحكومات الغربية، وفي نوع المصالح الدولية التي ينيطون بها سياسة الدولة القومية، وفي مقدمتها العقيدة الأمنية.

ولذلك لا يرى هؤلاء أي أفق لإصلاح الديمقراطية خارج آلية العقاب الانتخابي، أي معاقبة الديمقراطيين في البيئة الأمريكية عند الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، بحجة الإساءة لقيمهم ولقيم الديمقراطية، ويرى الحالمون بها في البيئات الاستبدادية، أن عدم وجود ضغط خارجي لتعزيز الديمقراطية في الداخل، يلقي بمسؤولية ثقيلة على النخب الإصلاحية الديمقراطية من أجل خلق معادلة النضال الديمقراطي بالرهان على ديناميات الداخل، وذلك ريثما تنضج  ديناميات أخرى للخارج تساعد في تحقيق الالتقاء بين جهد الداخل وجهد الخارج في الضغط على النظم الاستبدادية من أجل التمكين للديمقراطية أو تحسين بعض مؤشراتها.

أطروحة إنقاذ الديمقراطية

قد تبدو هذه الأطروحة قريبة من سابقتها ولكنها في الجوهر مختلفة عنها بفوارق أساسية، فالأولى، ترى أن المشكلة في السياسات والمسلكيات لا في النموذج، وأفق الإصلاح هو الاستحقاق الانتخابي الذي يمكن عنده استعمال ورقة العقاب السياسي، لكن في أطروحة إنقاذ الديمقراطية، فالأمر مختلف تماما، فهذه الأطروحة تؤكد من جهة وجود خلل في النسق، يتعلق بوجود قواعد فوق ديمقراطية تحد من قدرة الديمقراطية أن تعمم قيمها كونيا، بحيث  تنهض معاداة السامية لتكون قاعدة تبرر استثناء الممارسة الصهيونية من واجب  الانسجام للنموذج الديمقراطي ومقتضياته (القيم الديمقراطية). ومن جهة ثانية، تعتبر  أن صناع القرار السياسي ليسوا وحدهم مؤتمنين على النموذج الديمقراطي وقيمه، وإنما المجتمع بشرائحه الحياة، لاسيما منها العالمة، تتشرف بالانتظام في هذا النسق الديمقراطي، وترى أن فريضة وقتها أن تناضل من أجل إنقاذه من التوظيفات غير الديمقراطية التي يلجأ إليها صناع القرار السياسي.

وتبعا لذلك، فإن النموذج الديمقراطي، كما تبين ذلك الحراكات الطلابية في أكثر من دولة غربية، محتضن اجتماعيا، وأن الديناميات التي تجري في المجتمعات الغربية، تعكس في الجوهر الصراع لإنقاذ النموذج الديمقراطي، صراع المجتمع الذي تربى وتنشأ على القيم الديمقراطية من أجل الحفاظ على النموذج الديمقراطي ضد النخب السياسية التي تمارس شتى أنواع التوظيف والتأويل والانتقاء والازدواجية لتبرير الانفلات من النموذج الديمقراطي وتقديم تصور معين للمصلحة القومية أو للمصلحة الأمنية أو للتحالفات الوجودية والاستراتيجية وذلك على حساب اللالتزام بقيم الديمقراطية.

هذا التحليل في الجوهر، يحيل على قضية مقارنة ومفارقة في الآن ذاته، فهذا الصراع الذي يجري بين المجتمع والسلطة في تمثل النموذج الديمقراطي، يحيلنا تقريبا على الصراع نفسه بين المجتمع والسلطة في المجتمعات العربية في قضية توطين الديمقراطية أو تحسين مؤشراتها، الفارق البسيط بينهما أن الحالة الأمريكية أو الغربية عموما، لا يقع الجدال فيها على قيم الديمقراطية المتعلقة بممارسة الحكم وتداوله (نزاهة الانتخابات، تداول النخب، منح السلطة للفائز الانتخابات...)، ولكن يتعلق بقواعد أخرى، تتعلق بالاحتجاج على السياسة الخارجية عندما تصبح أداة دعم حلفاء استثنائيون يستحلون الجرائم ضد الإنسانية لإبادة شعب بأكمله، ويطلب من حكومات الدول الغربية أن تقدم لهم الغطاء والشرعية.

خاتمة:

قد يطالب البعض مثقفي العالم العربي بحسن قراءة الموقف، وتبني صياغة واحدة إزاء هذه المواقف الثلاثة، وهو مطلب له شرعية، إذ يترتب عنه ضرورة سيناريو يتعلق بنوع العلاقة التي ننسجها مع الغرب، هل مع حكوماته؟ أم مع نخبه السياسية؟ أم مع نخبه المجتمعية؟ ويترتب عنه شيء آخر يتعلق بموقفنا من النموذج الديمقراطي، وهل هو أفق نظرنا؟ أم أن الحاجة تدعو إلى تجديد النظر في نموذج آخر؟

لكن في المحصلة، وحتى ولو اختلفت أنظار المثقفين بإزاء هذه الأطروحات، فإن وجودها مجتمعة في تداولنا الثقافي مهمة، رغم ما بينها من الاختلاف، فسواء كان القول بنهاية الديمقراطية، أم بإمكان إصلاحها عبر الاستحقاق الانتخابي، أو بإنقاذها من خلال الرهان على الحاضنة الاجتماعية، فإن الثابت في اصطحاب هذه الأطروحات الثلاث، هو محاكمة السلوك السياسي الذي أنتجته صناع القرار السياسي، ووصل إلى حد تعطيل النموذج الذي قامت عليه التجربة برمتها، بحيث خلق صراعا مفتوحا بين السلطة والمجتمع، انتهت فيه السلطة إلى تبني المقاربة الأمنية في تدبير هذا الصراع، تماما كما تفعل الأنظمة السلطوية في الدول الثالثية.