أفكَار

قراءة في مفهوم الإنسان ومفاهيم الاستخلاف والتحرر من العبودية

أبو يعرب المرزوقي: الرئاسة الطبيعية بمقتضى الاستخلاف هي منزلة وجودية للإنسان
لما عرّف ابن خلدون الإنسان بالقول: "رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له" (المقدمة الباب الثاني الفصل 24)، ترجم بلسان فلسفي وقرآني في آن الأنثروبولوجيا القرآنية، تعريفا لا يمكن تصوره لو بقي فكره حبيس الفلسفة اليونانية مثل المتقدمين عليه من فلاسفة الإسلام.

وليس في هذا العرض أدنى تحديد لإيمان أو كفران بما جاء في القرآن، بل هو استخراج للبنية العميقة التي تبين تناسق رؤاه، بصرف النظر عن الإيمان بها أو عدمه.

فليس هدفي الكلام في ما أعتقد بل في ما يمكن من فهم استراتيجية القرآنية التبليغية لرسالته ومنهج تحقيقها في التاريخ الفعلي، انطلاقا من رؤية لمفهوم الإنسان بكل مافيه من تناقضات في الظاهر، وأولها تعريف الإنسان كما جاء في كلام ابن خلدون:

ـ فـ"بطبعه"، مفهوم فلسفي.
ـ و"بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له"، مفهوم قرآني. واعتبار المفهوم الثاني هو الذي اقتضى المفهوم الأول، يعني الوعي بقلب العلاقة بين الفلسفي والديني في تعريف الإنسان. وهو إذن تأسيس لأنثروبولوجيا دينية وليست فلسفية. لكن الجمع بين البعدين يعني، مع تغيير التراتب، يعني قلب الرؤية الفلسفية التي كانت سائدة في عصره، وخاصة بعد أن تبناها علم الكلام الذي أعتبره قد حقق هذا التبني عند الرازي، (الذي انشغل به منذ سن الثمانية عشرة لما لخص المحصل).

ـ ومفهوم الرئاسة عند ابن خلدون، يختلف عن مفهوم السيادة اختلافا جذريا علته هذا التراتب؛ لأن الاستخلاف هو الذي يجعل الإنسان رئيسا كونيا بالتعارف بين البشر، تعارفا ينفي أن يكون بعضهم سيدا وبعضهم عبدا له؛ لأن الجميع تحرروا من عبادة العباد بعبادة رب العباد.

ـ فالسيادة عنده هي علاقة عبد وسيد بالمعنى القانوني في كل الحضارات القديمة وحتى الحديثة، إلى اليوم الذي تم فيه الإعلان عن إنهائه شكلا وتعميمه فعليا لما صار هو المعيار الوحيد لتصنيف البشر. ولكن كأمر واقع، هو القانون الطبيعي لعلاقات القوة المبنية على دين العجل: أي الرؤية التي يكون فيها السلطان بيد ربا الأموال (أصحاب البنوك) بحلف مع ربا الأقوال، الذين هم أجراء عندهم (أصحاب الأعلام).

ـ لم يكن بوسع الإسلام إلغاءه شكليا، لكنه جعل إلغاءه الطوعي أكبر كفارة، فكانت الغاية تحويل تحرير العبيد إلى عبادة، بحيث صار شرطها تحرير البشر من أخلاق دين العجل، الذي يستعبد  الجميع بالعملة والكلمة. ومن ثم فثورة الإسلام هي أخلاق التحرر من عبادة العباد بعبادة رب العباد دون سواه.
مفهوم الرئاسة عند ابن خلدون يختلف عن مفهوم السيادة اختلافا جذريا، علته هذا التراتب؛ لأن الاستخلاف هو الذي يجعل الإنسان رئيسا كونيا بالتعارف بين البشر، تعارفا ينفي أن يكون بعضهم سيدا وبعضهم عبدا له؛ لأن الجميع تحرروا من عبادة العباد بعبادة رب العباد.

وذلك هو عين شعار الفتح والغاية غير التحرر من كل عبودية، التي هي عبادة حلف الوصاية المادية والوساطة الروحية في نظام دين العجل، لتعويضها بعبادة الله وحده. لذلك؛ فالقرآن لا يهتم بإثبات وجود الله، بل بإثبات وحدانيته وتحرير البشر من الشرك لاستحالة الإلحاد.

ـ أما الرئاسة الطبيعية بمقتضى الاستخلاف، فهي منزلة وجودية للإنسان، من حيث هو إنسان تحرر من عبادة العباد، فلا يعبد غير ربه الذي استعمره في الأرض واستخلفه فيها.

وتلك علاقته بالطبيعة مصدر قيامه بمنطق النظر والعقد علاجا لعلاقته بالضرورة الشرطية أو الخلق، واستخلفه فيها في علاقة بالتاريخ مصدر نظامه بمنطق العمل والشرع؛ علاجا لعلاقته بالحرية الشرطية أو الأمر.

وإذن، فهذا التعريف ينقلنا من تقديم دور العقل والمعرفة تحديدا للرؤية الفلسفية اليونانية، إلى تقديم دور الإرادة والقيمة في رؤية للوجود، يمكن وصفها بالفلسفة القرآنية.

والرؤية الأولى حالت دون علوم الملة وفهم الرؤية الثانية فانحرفت عنها. وتلك هي علة سعي الفلاسفة بداية والمتكلمين المتأثرين بهم غاية ـ الرازي يمثل الرمز في تاريخ  ابن خلدون لبلوغ هذا التاثر الغاية، حتى صار التمييز بينهما شبه مستحيل ـ إلى رد المنقول إلى المعقول بهذا المعنى عند التعارض.

لذلك؛ فعلماء الملة كلهم فلاسفة ومتكلمون لم يفهموا ما فهمه مفكرو المدرسة النقدية من استحالة المطابقة في النظر والتمام في العمل. وهذه المدرسة يمثلها الغزالي جزئيا في موقفه من الميتافيزيقا ولبها نظرية السببية، وابن تيمية كليا في النظر والعقد (ما بعد المنطق)، وابن خلدون كليا في العمل والشرع (ما بعد التاريخ).

وهذه المدرسة النقدية مهمة في تاريخ الفكر الإنساني عامة، وليس بوصفها ممثلة للرؤية القرآنية فحسب؛ لأنها غيرت نظرية النظر ـ الإيستمولوجيا ـ ونظرية العمل ـ الأكسيولوجيا ـ، وهي رؤية شديدة الاختلاف عن الرؤية اليونانية ماضيا، وعن الرؤية ما بعد الحديثة حاضرا.

إنها رؤية مختلفة تماما عن الرؤية التي انبنت عليها الفلسفة القديمة والوسيطة. وهذه الرؤية توصلت إليها لاحقا الفلسفة الغربية في فجر حداثتها، بعد الشروع في النهضة ومحاولة الحسم مع الموقف من هذه الرؤية الإسلامية، والسعي إلى التحرر من هيمنتها، ولكن بتبني أهم ما جاء في المدرسة النقدية العربية.

في أول الأمر، بدت لهم رؤية غريبة رغم أنها لم تكن شديدة الوضوح في علوم الملة وخطابها الفلسفي والكلامي، اللذين يذكران في التاريخ الرسمي لاستثناء دور الحقبة الإسلامية، بزعهما لم تكن إلا نقلا للرؤية اليونانية، وعدم الاعتراف بالبعد النقدي الذي كان أهم ما أثر في النهوض الأوروبي.

وقد أدركوا أن السر كله كان في نصها وفي سلوك المسلمين، حيث كان الدين الإسلامي نصا والمسلمين سلوكا يبدوان للمتكلمين الغربيين في بداية النهضة الأوروبية، وكأنهما يمثلان دينا طبيعيا وليس دينا منزلا بمعيار المسيحية:

ـ في الفكر الإصلاحي بداية من الشروع في التخلص من تأثير الفلسفة القديمة.
ـ ثم في بداية الفلسفة الحديثة (بدأت بديكارت إلى بداية ثورة كانط).
ـ وما بعد الحديثة (بدأت بهيغل إلى ثورة نيتشة).
ـ وما بعد الحداثة (بدأت بنيتشة وهي ما تزال جارية إلى الآن).
ـ لكن الجديد الآن، هو أن العودة إلى أزمة الغرب التي نتجت عن الصدمة الأولى برؤية الإسلام، عادت من جديد بسبب النكوص إلى ما قبل المدرسة النقدية في الحداثة الغربية الأولى، خلال الصراع الطويل مع الحضارة الإسلامية.

وتلك هي خاصية الظرفية التاريخية الكونية الحالية، التي يوجد أمامها الفكر الإنساني كله، حتى وإن بدا الأمر وكأنه موقف إيديولوجي يوصف بالإسلاموفوبيا.

لكنه في الحقيقة "أنطوفوبيا" تعبر عن خوف وجودي عميق، رمزه الأبرز هو سلطان اللامعنى والحيرة القيمية، اللذان لن يسدهما غير رؤية الإسلام كونيا، جمعا بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها منزلة وجودية للإنسان، من حيث هو ذو وجودين دنيوي وأخروي لا يمكن الفصل بينهما:  لحضور الثاني في الأول حضور المثال الأعلى الذي لا يغيب من وجدان أي إنسان مهما طغى. وحضور الأول في الثاني حضور الممثول الأدنى الذي لا يغيب من فعل أي إنسان مهما تعبد.

وبهما يعير الإنسان اجتهاده وجهاده بمعيار انشداد الوجود الدنيوي إلى المنشود الأخروي، فلا يدعي الإحاطة في النظر والعقد ولا التمام في العمل والشرع، وهما بعدا ثورة المدرسة النقدية العربية المحررتين من الميتافيزيقا، التي انبنت على رد الوجود إلى الإدراك الإنساني في العلم وفي العمل.

وهذه الرؤية تحررت من وهم الإنسان أنه يسلك في علاقته بالعالم باعتباره ذاتا عارفة ومقومة لوجود خارجي طبيعي وتاريخي بقدرة عقلية "موضوعية"، تقول بنظرية في المعرفة وفي القيمة أساسها وهم المطابقة بين الموجود والإدراك في المعرفة، وبين المنشود والإرادة في القيمة.

إن رؤية الإنسان الجديدة التي يتميز بها القرآن، والتي حالت الفلسفة اليونانية دون فهمها، تجعله ذا إرادة حرة تسعى لتحقيق منزلة وجودية تجدها في كيانه نفسه، هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم "الحرية الشرطية" أو الإرادة التي تنزع إلى تحقيق شروط القدرة، أي إن الحرية الشرطية توجد في ظرفية ليست هي التي صنعتها، لكنها قادرة للتعامل معها تحليلا وتأويلا.

فتكون المعرفة والقيمة أداتين تصلان بين الإرادة والقدرة تعبيرا عن ذوق وجودي بعبارة جمالية وجلالية، هي التي تنتج رؤية للوجود مختلفة تماما عما كان سائدا في الفلسفة اليونانية والدين المسيحي، الذي تبنى كلامه نفس الرؤية وأصبح المسيطر على الفكر في الشرق الأوسط قلب المعمورة، عندما نزل القرآن الكريم الذي كان سياسيا ثورة على الامبراطوريتين -الفارسية والبيزنطية-اللتين كانتا مسيطرتين على قلب العالم، ومثلا بداية الفتح الإسلامي لتأسيس الدولة الكونية التي تتأسس على مبدأين:

ـ الأخوة الإنسانية: النساء 1 للتحرر من صراع الأعراق والثقافات والأديان، وهو ما جعلها تركز على الرحم الكوني والربوبية (من نفس واحدة).

ـ المساواة بين البشر: الحجارات 13 للتحرر من المفاضلة بغير التقوى والسعي إلى التعارف معرفة ومعروفا (شعوبا وقبائل).

ولا يمكن أن تؤولها ما لم تعتبرها ضرورة شرطية ناتجة عن حرية مطلقة جعلتها تكون كما هي بأن خلقتها وأمرتها. فيكون شرط الحرية الشرطية الإنسانية التعامل معها بما تضعه وراءها من شروط ضرورتها، وهو معنى المعرفة من حيث هي ثمرة اجتهاد وليست علما مطلقا، والقيمة من حيث هي ثمرة جهاد وليست عملا تاما. فيكون منطلق تحقيق شروط القدرة التي تشترطها الإرادة هو عين عملية التعمير والاستخلاف.

إن رؤية الإنسان الجديدة التي يتميز بها القرآن، والتي حالت الفلسفة اليونانية دون فهمها، تجعله ذا إرادة حرة تسعى لتحقيق منزلة وجودية تجدها في كيانه نفسه، هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم "الحرية الشرطية"، أو الإرادة التي تنزع إلى تحقيق شروط القدرة؛ أي إن الحرية الشرطية توجد في ظرفية ليست هي التي صنعتها، لكنها قادرة للتعامل معها تحليلا وتأويلا.
فالبحث في ما وراء هذه الوضعية من طلب شروط، كونها على ما هي عليه أساس الشروع في المعرفة والتقييم لشروط قيام الإنسان وبقائه. وكل تاريخ الفكر الإنساني الديني والفلسفي مداره رؤى الإنسان لذاته ومنزلته في الوجود، الذي يؤول على أنه قابل للتفسير إما بما في الإنسان من مادي أو بما فيه مما يعتبر لاماديا.

فتكون هذه المقابلة هي الثابت في هذين الفكرين، رغم أن الإسلام في تصويره الرمزي لكيان الإنسان ولكيان العالم، يرفض هذه المقابلة لكونه يتكلم على الخلق بـ "كن" الخالفة، والأمر بـ "كن" الآمرة؛ مقومين للوجود، ولا يتكلم عن مقابلة بين مادي ولامادي، بل إن كلام إبليس عن المفاضلة بين المواد هي سر عصيانه ولعنته.

وسأخصص هذه المحاولة بكل ما بقي من فصولها إلى علاقة ما يسمى بالروح والبدن؛ بوصفهما لغز كيان الإنسان الذي أريد تقديم محاولة لتأويل رؤية القرآن له تحديدا لمنزلة الإنسان الوجودية، أو الأنثروبولوجيا القرآنية.

اقرأ أيضا: الإنسان بمنظور القرآن أو "الأنا" لغز الوجود وقاعدة تأويله