مقالات مختارة

لماذا تؤيد روسيا وصول ترامب إلى البيت الأبيض؟

1300x600
انحازت الصحف الروسية وكذلك التلفزيون الروسي الرسمي لدونالد ترامب بعد المناظرة التي جرت بينه وبين هيلاري كلينتون في الأسبوع الماضي؛ إذ رددت مقولاته التي هاجم فيها غريمته وهو الأمر الذي يفضح رغبة روسيا وربما سعيها بما تمتلكه من قوة استخباراتية ومعلوماتية إلى فوز ترامب على منافسته وإذا صحت هذه الفرضية ــ وهي فرضية رجحها أوباما في تصريحاته ــ فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تريد روسيا وصول ترامب إلى البيت الأبيض؟

تناول الكتاب والسياسيون الروس مواقف كل من المرشحيْن من القضايا الدولية الشائكة ومدى قرب أو بعد هذه المواقف من المصالح الروسية، وانطلاقا من هذا الاعتبار جاء تفضيل المرشح الجمهوري دونالد ترامب؛ فالمحلل السياسي ألكسي ماكاركين نائب رئيس المركز الروسي للتكنولوجيات السياسية، يرى أن وصول ترامب إلى الحكم سيكون الأفضل لروسيا ومصالحها؛ لأن وصوله يمكن موسكو من"صناعة سياسة خارجية جيدة وسهلة وإذا تعذر ذلك، فإن سياسات ترامب سوف تجعل أمريكا أكثر ضعفا"، ويستند "ما كاركين" إلى ما كان أعلنه ترامب من نوايا بصدد بحث رفع العقوبات عن روسيا والاعتراف بانتماء شبه جزيرة القرم المقتطعة من أوكرانيا إلى روسيا، وهي أمور من المحرمات لدى الإدارة الأمريكية الحالية، التي ستكون هيلاري كلينتون في حالة فوزها استمرارا لها؛ فقد رفض الرئيس باراك أوباما وكل أعضاء الكونجرس تقريبا هذه الفكرة بشدة، ومن ناحية أخرى فإن نظرة ترامب إلى حلف الناتو نظرة مختلفة تماما فهو لا يرى أن تحمي الولايات المتحدة وهي القوة الضاربة في حلف الناتو ــ الدول الأعضاء في الحلف مجانا ودون مقابل، وفي هذا الصدد رد ترامب على سؤال يقول ماذا تفعل لو اعتدت روسيا على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي كدول جمهوريات البلطيق، التي باتت قلقة من النشاط العسكري الروسي؟ فكان رده بأنه لن يقدم المساعدة العسكرية لهذه الجمهوريات إذا اعتدت عليها روسيا ــ إلا إذا "سددت التزاماتها نحونا"، ففكرة الصفقة تسيطر على تفكير ترامب وتضيق من أفقه السياسي، فلا عون لحلفاء الولايات المتحدة إلا بمقابل، وهذا ما كرره في المناظرة الأخيرة بقوله: "لا يدفعون لنا ما يكفي. نحن ندافع عن ألمانيا، كوريا الجنوبية...وهم لا يدفعون لنا ما يكفي مقابل الخدمات المذهلة التي نعطيهم إياها. نحن نخسر المال، وهذا هو السبب الذي يجعل دولتنا خاسرة". وربما كان موقف ترامب هذا من الحلف واحدا من أقوى الدوافع التي حفزت روسيا لتأييد ترامب، وإن صرح الكرملين مرارا بأنه على مسافة واحدة من المرشحيْن.

وفي المناظرة الأخيرة أكد ترامب أيضا التفوق النووي الروسي، ولكنه اعتبر السلاح النووي سلاحا ضارا يجب الاستغناء عنه، بيد أنه لن يقوم بتقليص ترسانته أو التخلص منها أولا، بينما ترى هيلاري كلينتون كسائر الديمقراطيين أن تطوير وتحديث الترسانة النووية الأمريكية ونشرها في دروع ومنظومات، وتوسيع رقعة وجودها في دول أخرى لتلامس حدود روسيا مباشرة أمر في غاية الأهمية.

وفي مقابلات عديدة سابقة، قال ترامب إنه لن يحارب الأسد إذا فاز؛ بما يعني أن أمريكا لن تتدخل في الشأن السوري وتحارب الأسد، وعلل ذلك بأن لدى الولايات المتحدة مشاكل أكبر من الأسد على حد تعبيره، ولقد ردد دونالد ترامب ما رددته وتردده روسيا من أن المشكلة ليست الأسد بل تنظيم الدولة (داعش)؛ إذ قال في إحدى المقابلات: "لا أقول الأسد رجل جيد، لأنه ليس كذلك، ولكن مشكلتنا الكبيرة ليست الأسد، بل تنظيم الدولة الإسلامية، داعش" كما يلتقي ترامب مع روسيا في مناهضته للثورة السورية واللاجئين الذي وعد بإعادتهم دون أن يوضح الطريقة التي سيعيدهم من خلالها إلى بلادهم.

أما هيلاري كلينتون فقد كانت ترى لما كانت وزيرة للخارجية ضرورة تسليح المعارضة السورية، كما ترى في محاولة تدشين روسيا للاتحاد الأوراسي إحياء للاتحاد السوفيتي البائد، بما يعني تبنيها لأفكار بريجينسكي التي بثها في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى الذي اعتبر المعركة الحقيقية لأمريكا، هي في منع نشوء أي قوة منافسة للولايات المتحدة في هذه المنطقة، بينما يتبنى ترامب سياسة انعزالية مختلفة.

دونالد ترامب الذي أعلن إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين كقائد قوي، طلب من روسيا أن تساعده في نشر البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون، خاصة بعد اتهام الولايات المتحدة لها بالقرصنة. ومع أن في روسيا من يتمنى فوز دونالد ترامب ويعتبره أكثر من ضربة حظ، إلا أن كثيرين يخشون من هذا الفوز ومنهم بافل ديميدوف الأستاذ في الجامعة الروسية، الذي قال في تصريحات صحفية "إن شعبويا طائشا وسريع الغضب يغير رأيه ثلاث مرات في اليوم على رأس قوة نووية عظمى، قد يشكل خطرا على العالم، وروسيا على وجه الخصوص".

وأيا كانت تمنيات الكرملين، فلن يكون في مقدور ترامب ولا غيره تغيير سياسات الولايات المتحدة لأنها دولة مؤسسات لا دولة أفراد، ولذلك فإن فوز دونالد ترامب لو حدث لن يغير كثيرا لأن السياسة الأمريكية تصنعها المؤسسات ولا يصنعها الفرد.

الشرق القطرية