قضايا وآراء

الذين آمنوا بالسلاح وكفروا بالإنسان

1300x600
"إن الإنسان بإقناعه يعطيك روحه وماله ولكن بإكراهه والتغلب عليه لا يعطيك إلا النفاق".

لطالما كرر هذه الكلمة داعية اللا عنف السوري جودت سعيد، لكن ما يظهر حتى الآن أن هذه الكلمة لم تصب أرضاً طيبةً تحتضن بذورها فتنبت شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء.

لا يزال الصوت الغالب فينا هو صوت القوة والسلاح، ولا يزال أكثر الناس من مختلف الطوائف والمذاهب يؤمنون أن ما لم يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة، وأنه لا مانع من أن يحل الدمار والخراب الشامل في سبيل أن تنتصب في المشهد الأخير فوق كل هذا الركام راية عصبية تحيي وهماً تاريخياً اندثر أصحابه تحت التراب ولم تعد قضيتهم تعني الأحياء في شيء..

يتساءل أولو الألباب وهم يرون مشاهد القتل والدماء والدمار المرعبة في وطننا العربي أي حماقة تلك التي تدفع دولاً محوريةً إلى النفخ الطائفي وإشعال الحرائق الذي لن يجلب على المنطقة إلا الدمار الشامل، ولن يكون مشعلو هذه الحرائق بمنأىً عن النيران التي يوقدونها بل ستلتهمهم في حرب جنونية لن تتوقف عند الحدود المرسومة لها.

هؤلاء الذين ينفقون مليارات لإيقاظ فتنة طائفية كانت نائمةً في بطون الكتب، ولإحياء أوهام امبراطورية ولدعم الانقلاب على إرادة الشعوب ويحملون في رقابهم أوزار مئات آلاف النفوس التي أزهقت لم يصنعوا شيئاً سوى تغذية بذور الكراهية وتعزيز الحواجز بينهم وبين الشعوب، ولن يمكنهم بعد الآن التعايش مع هذه الشعوب إلا في أجواء الخوف: "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين"، ذلك أنهم رهنوا بقاء سلطانهم إلى ما يمتلكونه من قوة وسلاح فسيظلون في رعب دائم من أن تدور عليهم الدوائر وتتغير موازين القوى و تميل الكفة لصالح هذه الشعوب ويؤتون من حيث لم يحتسبوا، ولن يسعهم بعد الآن توطيد سلطانهم واستقرارهم إلا بإبقاء هاجس الخوف مستيقظاً في نفوسهم وبإبقاء نزيف أموالهم مستمراً لتأمين مصالحهم ومحاربة الأخطار التي لن تنتهي لأنهم أقاموا مع الشعوب علاقة كراهية واستعداء، ولو أنها كانت علاقة حب وثقة لأمنوا جانب هذه الشعوب وما خافوا دولة الأيام.

لا أتحدث هنا بمنطق الأخلاق وحده، بل بمنطق المصلحة السياسية أيضاً، ماذا لو وجهت دول مثل إيران والسعودية تلك المليارات التي أنفقوها في تغذية الجماعات المتطرفة ودعم الانقلابات ومساندة الأنظمة المعزولة عن شعوبها وإحياء معارك التاريخ الغابرة التي حصدت مزيداً من النفوس وأهدرت الثروات وبددت الطاقات، ماذا عليهم بدل هذا لو أنهم دعموا إقامة دول مدنية تؤمن بحقوق الإنسان وكرامته وتستثمر في كسب قلوب الناس وعقولهم، وتمد جسور الثقة والحوار معهم، وتنشغل عن الحرب والتآمر بالتنمية الاقتصادية والعدالة والحرية، كم كانت منطقتنا ستربح عدلاً ورخاءً وسلاماً، وكم من الملايين كانوا سيدخلون بدافع الحب الذاتي في دين هذه الدول أفواجاً دون إكراه وحرب وسلاح!!    

 لكن صوت العقل لا يزال غائباً في بلادنا، فنظن أن الاستثمار لا يكون إلا في الدم والسلاح وحكم الشعوب بالإكراه، إننا لا نزال نقتل الأحياء من أجل إعادة إحياء الأموات، و لا نزال نشعل الحروب من أجل أوهام امبراطورية وخلافة وولاية فقيه، ولا نزال نقتل الإنسان قرباناً إلى أصنام سميناها نحن وآباؤنا ما أنزل الله بها من سلطان..

أتطلع إلي اليمن المفكك الحزين فيجول في خاطري ماذا لو استفادت إيران من ضعف الدولة المركزية في هذا البلد لكن بشكل أكثر إنسانيةً فدعمت الشعب اليمني ببناء المستشفيات والمدارس وأنشأت مراكز للحوار الثقافي فغزت القلوب بالحب واستعبدت الإنسان بالإحسان!

إن احتلال الشعوب بالحب والإقناع خير وأبقى من احتلالها بالقوة والإكراه، فالقوة تفنى وتزول لكن الحب يصنع لك مؤمنين جدداً فتصير قضيتك قضيتهم الذاتية التي ينافحون عنها منطلقين من إيمانهم بها دون انتظار تكليف أو تمويل من أحد فتزداد انتشاراً في الأرض وبتكلفة أقل ويكسب الجميع الأمن والسلام ولا يقتل أحد أحداً، إنها وصفة سهلة لقوم يعقلون.. 

يا حسرةً علينا كيف نفكر وكم نجني من شقاوات وعداوات بسوء تقديرنا..

إن المراهنة على السلاح ودعم الطغاة والانقلابات العسكرية تؤشر على أننا لم نؤمن بالإنسان بعد وأننا اتخذنا من القوة والسلاح إلهاً معبوداً من دون الله.. 

الذين لا يؤمنون بالإنسان لا يؤمنون بالله بالضرورة لأن الإيمان بالله يقتضي أن تؤمن بأن النفخة الإلهية في روح الإنسان هي التي تنتصر، وأن هذا الإنسان المكرم يحكم بالحب لا بالسلاح، وأنه لا سبيل إلى الشعوب بالقوة والإكراه: "لا إكراه في الدين"..

كل ما تدفعه الأمة اليوم من ثمن باهظ نتيجة طبيعية لكفرنا بالإنسان وإيماننا بالسلاح، ولن تعرف أوطاننا سلاماً ولا أمناً لأي فريق إلا حين نؤمن بالحب والحوار ونكفر بالمذهبيات والطوائف المقيتة ونتيقن أننا نسير في طريق مسدود لن يكون فيها إلا الارتطام بالجدار وتحطم الرءوس..

إن كان هناك من يظن أن هذا الكلام مثاليات حالمة فما عليه إلا أن يواصل تجريب طريق العنف والقوة ويرى بنفسه إلى أين سيقودنا...