سياسة تركية

بعد خسارة حزب أردوغان.. كيف أثرت حرب غزة على الانتخابات في تركيا؟

تقدم حزب "الشعب الجمهوري" المعارض على "العدالة والتنمية" الحاكم في الانتخابات المحلية- الأناضول
ألقت الحرب الدموية الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة بظلالها على الانتخابات المحلية التركية منذ إطلاق الأحزاب السياسية حملاتها الانتخابية وإلى غاية فرز صناديق الاقتراع الأحد الماضي، التي أسفرت عن خسارة غير مسبوقة لحزب "العدالة والتنمية" بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان الحاكم أمام المعارضة.

وأقر أردوغان خلال اجتماع مع أعضاء حزبه في جلسة تقييمية لنتائج الانتخابات المحلية، مساء الثلاثاء، بأن أداء حكومته تجاه الأوضاع في قطاع غزة لم يُرض أطيافا من المجتمع التركي، قائلا: "سنقوم بتقييم أدائنا تجاه أزمة غزة والذي لم ننجح للأسف أن نقنع به أطيافا عدة".



وكانت قضية تواصل التجارة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي رغم العدوان المستمر على قطاع غزة، تصدرت أجندة العديد من الأحزاب المعارضة، خصوصا المحافظة منها، وتصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للحكومة التركية التي شددت على أن التجارة مع "إسرائيل" مرتبطة بشركات القطاع الخاص.

وتعتبر الشركات التركية من المتصدرة في قائمة الدول التي استمرت في تصدير الخضار والفواكه إلى دولة الاحتلال خلال الفترة التي تلت العدوان على قطاع غزة، بحسب بيانات سابقة من وزارة زراعة الاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ أيضا: الانتخابات التركية بالأرقام.. أين ذهبت أصوات ناخبي حزب "العدالة والتنمية"؟

وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر 2023، كشفت بيانات صادرة عن جمعية المصدرين الأتراك عن زيادة في المواد الغذائية المصدرة من تركيا إلى دولة الاحتلال.

وكان حزبي "المستقبل" بزعامة رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، و"الرفاه من جديد" الذي يترأسه فاتح أربكان، من أشد المنتقدين لسياسات الحكومة التركية تجاه القضية الفلسطينية والمذبحة المتواصلة بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وفي حين تعهد داود أوغلو بـ"إقامة الدنيا" عقب الانتخابات بسبب تواصل التجارة مع الاحتلال بعد كشف بيانات هيئة الإحصاء التركية، عن تضمن الصادرات التركية ذخيرة ومواد متفجرة إلى دولة "إسرائيل" (نفت الحكومة ذلك)، اعتبر أربكان الذي حقق انتصار غير مسبوق لحزبه أن نتيجة الانتخابات المحلية "حددتها ردود الفعل على مواقف أولئك الذين يواصلون بشكل صارخ التجارة مع إسرائيل والقتلة الصهاينة".
جاء حديث أربكان في "خطاب النصر" الذي ألقاه الأحد أمام أنصاره بالعاصمة أنقرة عقب تمكن حزبه من انتزاع رئاسة 67 بلدية في عموم البلاد، بينها بلدية شانلي أورفا الكبرى ويووزغات، ليصبح ثالث أكبر حزب سياسي في البلاد من حيث الأصوات بنسبة تجاوزت الـ6 بالمئة من أصوات الناخبين.

وأشار مراقبون إلى أن موقف الحكومة التركية من التجارة مع الاحتلال تسبب في استياء لدى بعض التيارات المحافظة، التي تشكل ركيزة كتلة ناخبي "العدالة والتنمية"، الذي خسر 8 مليون صوت مقارنة بعدد الأصوات التي حصل عليها في انتخابات عام 2019، ما تسبب في فقدانه رئاسة بلديات 21 ولاية في عموم البلاد لصالح أحزاب "الشعب الجمهوري" اليساري، و"الرفاه من جديد" المحافظ، و"الجيد" القومي، و"المساواة والديمقراطية (ديم)" الكردي.
 
"خيبة أمل"
وقال الكاتب التركي محمد ذولكوف يل، إن الحكومة أظهرت أداء فاشلا للغاية فيما يتعلق بقضية غزة، الأمر الذي تسبب في خيبة أمل كثير من ناخبيه"، موضحا أنه  "لم يجر اتخاذ أي خطوات مهمة لوقف الإبادة الجماعية للعصابة الإرهابية الإسرائيلية. ولم يتم اتخاذ سوى خطوات استعراضية دون المخاطرة"، حسب تعبيره.

وأضاف في مقال نشره عبر حسابه على منصة "إكس" (تويتر سابقا)، أن "هذا الأداء الضعيف تسبب في حدوث قطيعة كبيرة بين الناخبين الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية في جميع الظروف".

وأشار إلى أن جزء من هؤلاء الناخبين قرر عدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع في حين قرر جزء آخر التوجه إلى الأحزاب المحافظة، منها "الرفاه من جديد"، مشددا على أن ذلك أحد الأسباب التي ساهمت في ارتفاع الأصوات التي حصل عليها الأخير.

من جهته، رأى الكاتب في صحيفة "يني شفق" التركية، ندريت إيرسانيل، أن أثناء تحليل الوضع الذي واجهه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية، فإن أحد العوامل التي يقال إنها تؤثر على النتيجة هو أن "رد الفعل على إسرائيل لم يكن كافيا".

واستدرك إيرسانيل بالقول: "لكن في حال قمنا برسم خط  بشكل رأسي على إحدى الصفحات وقمنا بعمل قائمة بعنوان رد فعل كافٍ على اليمين و"رد فعل غير كاف" على اليسار، فيمكننا بالنظر إلى الكراهية التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، القول: لقد أحرقناهم".

ويشير الكاتب هنا إلى تهنئة وزير خارجية الاحتلال لمرشحي حزب "الشعب الجمهوري" المعارض في إسطنبول وأنقرة منصور على فوزهما، في تدوينة عبر منصة "إكس" اعتبر فيها أن "هزيمة مرشحي أردوغان في الانتخابات المحلية بتركيا، هي رسالة واضحة له بأن التحريض ضد إسرائيل لم يعد يجدي".

ومع ذلك، شدد إيرسانيل على أنه بالنظر إلى إرث كلمة أردوغان المعروفة "دقيقة واحدة" في وجه الاحتلال بمؤتمر دافوس الاقتصادي عام 2009، فإن الحساسية العامة فيما يتعلق بالولاء (للقضية الفلسطينية) "لم يتم وزنها بشكل كاف".

ولفت إلى أن المشكلة تكمن في دخول العلاقات التركية الإسرائيلية في عملية التطبيع قبل حتى العدوان على غزة رغم أن "الجميع يعرف من هي إسرائيل، وأنه من غير الممكن تغيير طبيعتها"، داعيا إلى إصلاح شعار "ليس هناك عداوة دائمة ولا توجد صداقة دائمة" الذي نقشه العقل الغربي في جوهر السياسة الخارجية التركية.

تجدر الإشارة إلى أن المراقبين الذين يرون أن الحرب على غزة ألقت بظلالها على أداء "العدالة والتنمية" في الانتخابات المحلية، أنه من الخطأ النظر إلى السلوك الانتخابي للأتراك المعارضين للتجارة مع الاحتلال، على أنه العامل الوحيد في الخسارة، حيث تأتي في مقدمة العوامل التي أثرت على الحزب الحاكم، قضايا محلية عديدة، أثارت استياء ناخبيه بشكل كبير في المقام الأول، بعيدا عن القضايا الخارجية.

وكانت "عربي21" رصدت في تقرير تلك العوامل، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية الخانقة وقضية المتقاعدين المنزعجين من انخفاض رواتبهم في ظل انهيار القيمة الشرائية لليرة التركية وغلاء الأسعار، فضلا عن انقسام أصوات المحافظين.