اقتصاد عربي

أكبر ممول لعجز الحكومة.. هل تتأثر ودائع العملاء بالبنوك المصرية

تمتلك 5 دول عربية لدى البنك المركزي المصري ودائع وقروضا قصيرة الأجل بنحو 28.2 مليار دولار حتى آذار/ مارس الماضي- عربي21
ازدادت وتيرة المخاوف في مصر من وضع البنوك المحلية ماليا، بعد أن تمادت في طرح شهادات وودائع بالعملة المحلية والأجنبية بعائد تاريخي من أجل مواجهة أزمة شح الدولار من ناحية، وخفض معدلات التضخم في الأسعار من ناحية أخرى، إلى جانب طلب تأجيل تمديد آجال ودائع الدول الخليجية قبل موعد استحقاقها عاما تلو الآخر.

ورغم تأكيدات المسؤولين المصريين على جدارة وقوة البنوك المصرية، فإن خبراء ومراقبين يرون أن هذه الجدارة مهددة بالتراجع، وقوتها على التحمل ليست للأبد، خاصة في ظل الأرقام والبيانات الحكومية الرسمية التي تفند تلك المزاعم.

بحسب أحدث بيانات للبنك المركزي المصري، تفاقم عجز صافي الأصول الأجنبية المصرية بنحو 11% في حزيران/ يونيو، على أساس شهري، ليبلغ سالب 27.1 مليار دولار، من سالب 24.5 مليار دولار في أيار/ مايو الماضي، في أعلى مستوى تاريخي له.


البنوك المصرية.. نقد أجنبي بالسالب
يعد ارتفاع صافي عجز الأصول الأجنبية بواقع 2.7 مليار دولار بنهاية شهر حزيران/ يونيو الماضي وحده فقط، مخالفا لاشتراطات اتفاقية صندوق النقد الدولي مع مصر، وهو ألا يزيد عجز صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي عن ملياري دولار بشكل ربع سنوي، وهو ما تمّ تجاوزه في شهر واحد بمفرده.

منذ الأزمة الروسية الأوكرانية مطلع عام 2022، واصل صافي الأصول الأجنبية تراجعه، ويمثل الفارق بين ما تمتلكه البنوك والبنك المركزي من أصول بالعملة الأجنبية، وما عليها من التزامات بالعملة الأجنبية لصالح غير المقيمين.

وفقا لبيانات حديثة صادرة عن البنك الدولي، يتعين على مصر المثقلة بالديون سداد 55.2 مليار دولار (ودائع وأقساط ديون) في الفترة من آذار/ مارس 2023 إلى آذار/ مارس 2024 المقبل، وتتوقع الحكومة المصرية أن يقفز الدين العام إلى 98% من الناتج المحلي، على أقل تقدير، وفق تصريحات محمد معيط وزير المالية.

ودائع خليجية لا ترد.. ودين خارجي ضخم
قفز الدين الخارجي لمصر إلى 165.361 مليار دولار، بنهاية آذار/ مارس الماضي مقابل 157.801 مليار دولار بنهاية نفس الشهر من العام الماضي، بزيادة 7.560 مليارات دولار، حسبما كشفت بيانات البنك المركزي المصري.

تمتلك 5 دول عربية لدى البنك المركزي المصري ودائع وقروض قصيرة الأجل بنحو 28.2 مليار دولار، حتى آذار/ مارس الماضي وقبل موعد استحقاقها تطلب مصر تمديد آجالها ما يشير إلى عدم قدرتها على سدادها في موعدها المحدد بسبب عدم توافر حصيلة دولارية كافية.

وبالتوازي مع تفاقم أزمة الدولار الحاصلة في مصر، أعلن كل من "البنك الأهلي" و"بنك مصر"، مؤخرا، إصدار شهادتي ادخار جديدتين بالدولار الأمريكي لمدة ثلاث سنوات بفائدة 7% و9% على التوالي، وهو أعلى عائد في تاريخ القطاع المصرفي على العملة الصعبة.

وباتت هناك مخاوف حقيقية من مساعي البنوك المصرية لجمع أكبر كمية من الدولارات من خلال طرح شهادات بفائدة مرتفعة، في الوقت الذي يحل فيه رد الشهادات القديمة والبالغة 3.5 مليار دولار ذات عائد 5.25%، بحسب نائب رئيس البنك الأهلي المصري.


خفض الجدارة الائتمانية للبنوك المحلية مؤشر خطير
في مؤشر على ضعف الجدارة الائتمانية لأكبر البنوك المحلية في مصر، خفضت مؤسسة "ستاندرد أند بورز" في أيار/ مايو الماضي نظرتها المستقبلية لكل من البنك الأهلي المصري، وبنك مصر (ذراع البنك المركزي المالي) والبنك التجاري الدولي من مستقرة إلى سلبية وأبقت التصنيف الائتماني للبنوك الثلاثة عند BB، بسبب حالة التدهور التي يشهدها القطاع المصرفي، والاقتصاد المصري بشكل عام.

في شباط / فبراير الماضي، خفضت وكالة التصنيف الائتماني "موديز" تقييم ودائع أكبر خمسة بنوك محلية درجة واحدة هي "البنك الأهلي المصري"، "بنك مصر"، "البنك التجاري"، "بنك القاهرة" و"بنك الإسكندرية"، ما يعكس قدرتها على سداد التزاماتها نحو الودائع بالعملة المحلية والأجنبية، وذلك بعد يومين فقط من خفض تصنيف مصر الائتماني إلى درجة متدنية.

يعكس تخفيض وكالات التصنيف تقييمها لأكبر خمس بنوك مصرية الارتباط القوي بين ميزانية البنوك وضعف الجدارة الائتمانية السيادية التي هبطت إلى "B3" بدلاً من "B2" – في ضوء حيازتها كمية كبيرة من أوراق الدين الحكومية، والتي تتراوح بين 25 بالمئة و43 بالمئة، من إجمالي أصول تلك البنوك وعادة ما يرتبط التقييم الائتماني لها بتقييم الجدارة الائتمانية للحكومة.



بيانات سلبية ومؤشرات ضبابية
يرى المستشار الاقتصادي، الدكتور أحمد خزيم، أن "كل البيانات السابقة تعطي إشارات سلبية، وعلى الدولة أن تجد مصادر مستدامة من العملة الصعبة، وزيادة عائدات السياحة وقناة السويس والصادرات ومضاعفة الإنتاج؛ لأن خفض التصنيف الائتماني وتراجع الأصول الأجنبية يؤثران بقوة على أي نظام اقتصادي ويجعله في مهب الريح".

وأشار في حديثه لـ"عربي21" إلى "خفض وكالات التصنيف الائتماني لجدارة مصر الائتمانية وكذلك خفض تصنيف البنوك المحلية التي تعد أكبر المقرضين المحليين للحكومة يؤدي دون شك إلى التأخر عن سداد مستحقات دولية وبالتالي خفض التصنيف مجددا، والدخول في الدائرة الجهنمية من الأزمة الطاحنة، وكافة تصرفات البنوك المحلية تؤكد هذا من خلال طرح شهادات بالدولار بأعلى عائد من أي مكان آخر".

وتوقع الخبير الاقتصادي أن "تجري وكالات التصنيف خفضا جديدا لمصر وللبنوك، خاصة أنها تحت المراجعة، وإذا حدث فسوف تترتب عليه آثار سلبية؛ لأن الودائع الموجودة لدى البنك المركزي رغم أنها مؤمنة، فإنها قد تتأثر بدرجة أو بأخرى، خاصة المنتجات بالعملات الأجنبية، أما الودائع بالجنيه المصري، فقد لا تتأثر بسبب سهولة طباعة الجنيه".


سحب ودائع العملاء ينذر بكارثة
اعتبر رجل الأعمال المصري الأمريكي، الدكتور محمود وهبة، أن "تحول البنوك المحلية بقيادة بنوك الدولة لطرح شهادات دولارية بعائد كبير وغير مسبوق هو بداية ما حذرنا منه من التفاف الحكومة على أموال المواطنين بالعملة الصعبة بعد صعوبة الوصول للأسواق الدولية في شهادات لمدة 3 سنوات من أجل استخدامها في تسديد التزاماتها الخارجية".

وأكد وهبة أحد مؤسسي مجموعة تكنوقراط مصر، في حديثه لـ"عربي21" أن "الحكومة تقوم بسحب ودائع العملاء بدون علمهم أو موافقتهم وبنهاية العام تكون الحكومة قد استولت على كل أموال المودعين بالعملة الأجنبية، وليس أدل على ذلك من قيام وكالات التصنيف الائتماني الدولية بخفض تصنيف البنوك المصرية إلى آخر مرتبه قبل مرتبه الإفلاس".

وأوضح وهبة أن "تقرير البنك المركزي يشير إلى أن صافي الأصول الأجنبية أصبح أكثر من سالب 27 مليار دولار، وما تبقى من الودائع سوف تأتي عليه الحكومة في غضون شهور، في ظل عدم وجود موارد دولارية جديدة، وفيما يتعلق بالودائع المحلية، فقد اقترضت الحكومة من البنوك ما لا يقل عن 40% منها لتمويل عجز الموازنة".

واختتم وهبة حديثه بالقول: "تطالب مجموعة تكنوقراط مصر بإصدار قانون خاص بأثر رجعي لضمان ولحماية الودائع والمودعين، فالقوانين الحالية تحمي البنوك وعلاقتها بعملائها، دون وجود نصوص صريحة في القانون عن كيفية حماية الودائع، خاصة في حالة إفلاس البنوك".