اقتصاد عربي

مصريات يشتكين التضخم: أسعار اللحوم لا تطاق ومقبلون على الجوع

العديد من المصريين اضطروا لتغيير عادات غذائية هربا من ارتفاع الأسعار- جيتي
رغم وعود حكومية وأحاديث إعلامية عن انفراجة بالأسواق المصرية بعد قرارات البنك ‏المركزي بتسهيل حركة الاستيراد، وتوفير الدولار للمستوردين، والإفراج عن ملايين ‏أطنان البضائع المكدسة بالموانئ المحلية، عاد انفجار الأسعار مجددا لتهديد المصريين ‏بالجوع.‏

وبعد أيام من تسهيلات جمركية بإعادة التعامل بنظام مستندات التحصيل بدلا من ‏المستندات المعتمدية، أعاد قرار البنك المركزي خفض قيمة الجنيه مقابل العملات ‏الأجنبية الأربعاء الماضي، الأسعار إلى تصاعد جديد، وسط توقعات بارتفاع التضخم ‏البالغ 21.5، تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لمعدلات قياسية‎.

‏"فاجعة الدولار"‏

ورغم معاناة المصريين من ارتفاع سعر الدولار خلال 2022، إثر تخفيض الحكومة ‏قيمة الجنيه في آذار/ مارس، وتشرين الأول/ أكتوبر، جاء قرار البنك المركزي بتخفيض ‏ثالث يأكل من سعر الجنيه، ويهبط به إلى نحو 27 جنيها مقابل الدولار رسميا وحوالي ‏‏35 جنيها بالسوق السوداء.‏

ومع مرور 3 أيام على القرار؛ شهدت أسواق اللحوم البيضاء والحمراء والأسماك ارتفاعا ‏جديدا يزيد من عجز المصريين في الحصول على البروتين، إذ شهدت أسواق الدواجن ‏واللحوم البلدية ارتفاعا لافتا بنحو 10 جنيهات مرة واحدة.‏

واشتكت العديد من النساء المصريات من ارتفاع سعر الدواجن مجددا بعد انخفاض ‏طفيف، ليصل إلى معدل قياسي بنحو 60 جنيها للكيلو من الدواجن‎ بالمزارع من التاجر ما بين 5-10 جنيهات.

‏"شهادات صادمة"‏‎

وبشكل شبه أسبوعي، تزيد أسعار اللحوم بمعدلات دفعت بعض النساء للشكوى في ‏حديثهن لـ"عربي21": "لا فراخ ولا لحوم، وماذا تبقى لكي ناكله؟"، وأكدن على ارتفاع  السلع كافة بلا استثناء، واتهامات للتجار بالجشع في البيع.

وانتقدت بعضهن الإهمال الحكومي وعدم الرقابة على المحلات والأسعار، وتقول نجلاء محمود من القاهرة: "يتركوننا لمعدومي الضمير من التجار الجشعين، في السوبر ‏ماركت وفي الأفران البلدية والسياحية"، متهمة التجار بـ"تغيير الأسعار على السلع ‏بشكل يومي".‏

وتضيف لـ"عربي21": "منذ شهور لا أستطيع شراء مسحوق غسيل لغسالتي ‏الأتوماتيك، بسبب ارتفاع سعره للضعف من 120 جنيها بداية 2022، إلى 230 جنيها ‏هذه الأيام، فاضطررت لغسيل الملابس عبر غسالة عادية بمسحوق عادي توفيرا ‏للنفقات".‏

وتتابع: "الغسالة العادية مزقت الملابس، فاضطررت الثلاثاء الماضي، لشراء مسحوق ‏غسيل أتوماتيك، فوجدت السعر على أحد الأكياس زنة 8 كيلوجرام 160 جنيها، ‏مشطوبا ومكتوبا بالقلم 200 جنيه، وعلى كيس آخر 8 كيلوجرام 230 جنيها، مشطوبا ‏ومكتوبا بدلا منه 290 جنيها".‏

وتضيف: "حاولت الحديث مع التاجر الذي نهرني، وقال هذا هو السعر، ومن يعجبه ‏يشتري ومن لا يعجبه يتركه لغيره".‏

‏"رحاب"، سيدة أربعينة تعيش في القاهرة، تقول لـ"عربي21": "لم أعد أنزل السوبر ‏ماركت إلا مرة أو مرتين كل أسبوع، حتى لا أتورط في شراء شيء يمكنني الاستغناء عنه، ‏وأفكر مرات قبل رفع أي كيس من فوق رف، وأنظر مرة ومرات إلى سعر كل كيس، ‏وأسأل عن الأرخص".‏

وتوضح لـ"عربي21": "كنت حريصة دائما على اصطحاب أبنائي في كل جولة تسوق، ‏واليوم أتهرب من صحبتهم حتى لا أتورط في شراء ما كان يحلو لهم من قبل ولا أستطيع ‏شراءه لهم اليوم"، مبينة أن "ضغط النفقات والمفاضلة بين الأولويات هو همي الآن".‏
‏ ‏
‏"تغيير العادات الغذائية"‏

‏فاطمة. ت، سيدة ريفية، تقول لـ"عربي21": "مع ارتفاع سعر الزيت وعدم قدرتنا على ‏شرائه، غيرت عاداتي اليومية مع الطهي، بدلا من قلي البطاطس والباذنجان الذي ‏يستهلك زيتا كثيرا، أصبحت أسلقهما بالماء ثم أضع عليهما قليلا من الزيت".‏

وتضيف: "سعر زجاجة الزيت دوار الشمس -أقل الدرجات- ببداية 2022، سجل ما ‏بين 20 و23 جنيها، واليوم هو ما بين 60 و65 جنيها، وسعر السكر كان 10 جنيهات ‏وأصبح الآن نحو 20 جنيها، والشاي تحرك من 18 جنيها ليصل إلى 35 و40 جنيها".‏

وتابعت: "علبة السمن الصناعي كانت بنحو 35 جنيها، واليوم تعدى سعرها 80 جنيها، ‏والسمن البلدي وصل من 80 إلى 150 جنيها الآن، والبقري من 70 إلى 120 جنيها ‏اليوم، والسمك أقل الأنواع كان من 25 و35 ليصل إلى 50 و70 جنيها حاليا، واللحوم ‏المجمدة تحركت من 60 إلى 140 جنيها".‏

وتواصل: "كيلو الدقيق كان بـ7 جنيهات واليوم بأكثر من 20 جنيها، والمكرونة الملكة -من ‏أقل الأنواع سعرا- الكيس زنة نصف كيلو كان بـ4.5 جنيهات والآن بـ9 جنيهات، واللبن ‏البلدي ارتفع من 12 لنحو 20 جنيها، والجبن الفلاحي من 15 أصبح 35 جنيها".‏

وتضيف: "كرتونة البيض كانت بين 30 و40 جنيها والآن أصبحت ما بين 80 و90 ‏جنيها، البيضة بـ3 جنيهات، كما أن أقل أنواع الصابون تحركت من 5 جنيهات إلى 9 و10 ‏جنيهات".‏

وتوضح أننا "أسرة مكونة من 6 أفراد، لكي نأكل وجبة لحوم أحتاج إلى كيلو ونصف على ‏الأقل بنحو 250 جنيها، ولوجبة الدجاج أشتري 6 أوراك بنحو 150 جنيها، وللإفطار ‏نحو 36 جنيها قيمة بيضتين لكل فرد"، متسائلة: "من أين سنأكل باقي الأسبوع".‏

وتتابع شكايتها: "كنت آخذ من زوجي مبلغ 200 جنيه كل أسبوع وأذهب بها إلى سوق ‏القرية لشراء الخضار وبعض الفاكهة الرخيصة، واليوم لا يكفيني 350 جنيها لشراء ‏الخضروات الأسبوعية".‏

سيدة رابعة، تربي الدواجن والأرانب والحمام لاستعمالها الشخصي وبيع ما يتوفر لديها ‏للجيران، تقول لـ"عربي21"؛ إن "ارتفاع سعر العلف دفعني لكي أطلق سراح ما لدي من ‏حمام بلدي ليطير في الهواء بحثا عن الطعام، كما توقفت عن تربية الدواجن، ومن آن ‏إلى آخر أربي 10 دجاجات فقط بدلا من تربية 100 و150 دجاجة في الدورة".‏

‏"طوابير الفجر"‏
سيدة أخرى من مدينة العاشر من رمضان، المدينة الصناعية الشهيرة شرق القاهرة، ‏تقول لـ"عربي21": "الكثير من المصانع صفت أعمالها وقللت أعداد العاملين لديها ‏وخفضت العديد من الرواتب".‏

وتؤكد لـ"عربي21"، أن "الزحام على محلات هياكل الدجاج كبير ويأتي طلب الأجنحة ‏بعد ذلك، فالفقر طال الجميع والغلاء لايتحمله أحد".‏

وتضيف: "رأيت بعيني أناسا يجلسون أمام طوابين الخبز الحكومية من قبل صلاة ‏الفجر، يلتحفون البطاطين حتى يحصلوا على حصتهم من الخبز، قبل الزحام عليه في ‏الصباح؛ لأنهم لا يقدرون على شراء الخبز السياحي".‏

ومن أمام مطعم شعبي بمنطقة شبرا مصر الحي الشعبي بمدينة القاهرة، وبعد ‏صلاة الجمعة يقف عمال وسيدات وأطفال، ينتظرون دورهم للحصول على ‏ساندويتش حواوشي أو سجق أو وجبة دجاج مشوية على الفحم.‏

يقول أحد العاملين على شوي الدجاج، وأرغفة الحواوشي؛ إن المواطنين لا يجدون دجاجا للشوي.

وأوضح أنهم "مضطرون لرفع سعر رغيف الحواوشي من 10 إلى 15 ‏جنيها، ورغيف السجق من 15 إلى 20 جنيها، ووجبة الدجاج مع الأرز من 35 جنيها إلى ‏‏45 جنيها".‏

‏"القادم أصعب"‏

‏"عربي21"، رصدت ارتفاع سعر كيلو اللحوم خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي ‏وبداية كانون الثاني/ يناير الجاري، بنحو 30 جنيها على 3 مرات في كل مرة بنحو 10 ‏جنيهات.‏

ويقول أحد الجزارين؛ إن "السعر الحالي هو لهذا الأسبوع، والأسبوع المقبل سيكون هناك ‏سعر آخر"، مؤكدا أن "الزيادة في كل مرة 10 جنيهات، ولكنها في المرة القادمة ستكون ‏‏15 و20 جنيها مرة واحدة".‏

ويوضح أنه "عندما كنا نبيع كيلو اللحوم بداية 2022، بنحو 100 جنيه، كنا نكسب ‏أكثر من بيعه الآن بنحو 170 و180 جنيها".‏

ويتابع: "والله بنخسر"، مبينا أن "غلاء سعر الأعلاف وزيادة تكلفة المحاصيل الزراعية ‏زاد سعر الحيوانات، بجانب زيادة سعر الجمال المستوردة فاقم الأزمة"، مؤكدا أن "كله ‏بيد الحكومة وهي تعرف أين يخبئ القرد ابنه، (مثل شعبي)".‏

مدحت صاحب مزرعة دواجن، يقول: "قللنا الإنتاج مجبرين، وأغلقنا الكثير من ‏العنابر بسبب ارتفاع سعر العلف، وخسائرنا لا تحصى، خاصة من فساد الأعلاف في ‏الموانئ التي تحمل مدة صلاحية بنحو 4 أشهر، بينما هي محتجزة منذ 8 أشهر، وعندما ‏تم توزيعها على الأسواق لم تساهم في تسمين الدواجن".‏

ويؤكد أن "التكلفة كبيرة بداية من سعر الكتكوت والعلف والرعاية الصحية والخدمة ‏والعمالة ولم نعد نتحملها، وإن نجحنا في صناعة دورة نتوقف بعدها فترة".‏

ويؤكد أن "السوق الآن بيشطب، وبعد فترة لن يجد الناس الدواجن في المزارع والمجازر ‏والسوق، وعندها ستكون الكارثة أكبر".‏

ورسميا في بورصة الدواجن، تبلغ أسعار الفراخ البيضاء 55 جنيها، وللمستهلك 60 ‏جنيها، فيما تزيد أسعار الفراخ الساسو بنحو 5 جنيهات، والبلدية تصل من 75 إلى 80 ‏جنيها، فيما يصل سعر كيلو "البانيه"، من 100 إلى 135 جنيها.‏

والأوراك المخلية 90 جنيها، وسعر صدور بالعظم 110 جنيهات، وسعر الدبابيس بين ‏‏65 و75 جنيها، وسعر الأجنحة بين 40 و45 جنيها للكيلو، وسعر الكبد والقوانص ‏للكيلو بين 60 و70 جنيها.‏

‏"فرمتنا ياسيسي"‏‎

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، اشتكت نساء مصريات من أزمات بيوتهم مع ارتفاع ‏سعر السلع الاستهلاكية وبينها الزيت، مؤكدات عبر مقاطع فيديو عدم قدرتهن على ‏إطعام أسرهن‎.‎

وتقول إحداهن مخاطبة الحكومة المصرية: "اتقوا الله في الغلابة حرام عليكم"، مؤكدة ‏أن سعر زجاجة الزيت وصل إلى 65 جنيها.‏‎

فيما تقول أخرى، "أكل الغلابة مش عارفين نشتريه"، مخاطبة رئيس النظام عبدالفتاح ‏السيسي: "أنت فرمتنا وبص على الغلابة".‏



وعلى الجانب الآخر، يقول أحد تجار البقالة: "نعاني من فرض الإتاوات علينا من ‏مفتشي التموين، ومن موظفي الوحدات المحلية، بل ومن أفراد الأمن، ومن خداع ‏الشركات والموزعين، وكل ذلك يتم تحميله على السعر الذي يتغير يوما بيوم بل وساعة ‏بساعة".‏

‏"قاسم" البقال، يقول؛ إن شكاوى المواطنين تنصب علينا نحن، ولا أحد يقدر أن يتهم ‏الموزعين ولا الشركات ولا الحكومة، وكل يوم نتعرض للعديد من المشاكل مع تذمر ‏الزبائن، ويصل الأمر أحيانا إلى الشجار والمشاحنات وخسارة زبون المكان، والغلاء ليس ‏بيدنا".‏

ويوضح أن ما يشكو منه الأهالي من تسعير للسلع وكتابة سعر جديد غير المطبوع، ليس ‏من عند التاجر أو البقال، بل هو من الموزع ومن قبله الشركات"، مبينا أنهم يتواصلون ‏بشكل يومي لتحديد سعر السلع "بحسب تطورات السوق".‏

ويؤكد أن "نسب البيع أصبحت أقل من المعدلات السابقة، وأحيانا تقف سيدات ‏أمامي وهن في حيرة ماذا يأخذن وما المناسب لديهن؟ والسؤال دائما ليس عن النوعية ‏أو الجودة بل على السعر، الأهم الآن بكم الثمن؟".‏

وعما يثار عن ضعف توافر بعض السلع، يقول؛ إنه "أمر نسبي، والسلع الآن متوافرة؛ ‏ولكن ما يؤكده الموردون أن الكثير من المصانع خفضت الإنتاج وسرحت بعض عمالتها، ‏توفيرا للنفقات وللاستمرار دون غلق، وهو ما يعني أن السلع سوف تقل بلا شك في ‏الأيام المقبلة".‏

وبسؤال أحد مفتشي التموين حول غياب دورهم في رقابة الأسواق ووقف جشع التجار، ‏يقول لـ"عربي21": "نقوم بدورنا بشكل يومي في المدن والقرى، ولكن هناك من يبلغ ‏أصحاب المحال التجارية والمخابز بقدوم لجنة تفتيش، فيغلق الجميع محلاته ولا نجد ‏أحدا لمراقبة بضاعته أو عمل مخالفات له".‏

مستورد للزيوت من أوكرانيا ومن البرازيل، يقول لـ"عربي21"؛ إن "الأزمة تتفاقم منذ ‏عام، وليس بيد المستورد شيء، وتوقفت أعمالنا وخسرنا كثيرا من وقف الاستيراد ‏وارتفاع سعر الدولار  وعدم توافره للاستيراد".‏

ويوضح أننا "نوفر الدولار من السوق السوداء بنحو 35 جنيها، وعندما نذهب للبنك ‏لفتح الاعتمادات وتخليص الشحنات، يقوم بسؤالنا عن مصدر الدولار، ويوقف ‏المراكب السائرة، وتتوقف الشحنات في الموانئ، ومن ثم تشح البضائع في السوق ويرتفع ‏سعر السلع".‏

ويؤكد أنه "بالحساب المنطقي، فإن زجاجة الزيت سعة لتر كامل مع الحرب الروسية ‏الأوكرانية شباط/ فبراير 2022، كانت تتكلف حتى وصولها للمستهلك من 25 إلى 30 ‏جنيها".‏

‏"ولكن عندما تتأخر الشحنات في الموانئ، ندفع على الكونتينر الواحد نحو 1500 جنيه ‏يوميا كإيجار للميناء، ما يضطرنا إلى وضع تكلفة الموانئ والشحن على المستهلك لتصل ‏زجاجة الزيت من 35 إلى 40 جنيها، ومع تفاقم أزمة الدولار وصلت ليد المستهلك بين ‏‏60 و65 جنيها".‏‎