قضايا وآراء

المسكوت عنه في الملف النووي الإيراني

1300x600
تحت ضغط العقوبات الغربية على روسيا، على خلفية غزو الأخيرة لأوكرانيا، تثار مخاوف شتاء قارس في أوروبا، ترى الحكومات الأوروبية أن واشنطن لا تلقي بالا لمخاوفها، لذا بدأت الاعتماد على نفسها لتوفير ما يلزمها من نفط للمرور بالشتاء القادم بأقل خسائر ممكنة، وبأكبر قدر متاح من رضا الشعوب الأوروبية عليها، وتجدها تجاهد من أجل إنقاذ عملية إحياء الاتفاق النووي مع إيران، والتقريب بين طهران وواشنطن لإعادة النفط والغاز الإيرانيين للقارة العجوز.

الاتفاق النووي الإيراني بين حقبتين لا ثالث لهما

مفاوضات وصفت بالماراثونية من آذار/ مارس إلى نيسان/ أبريل 2015 من أجل التوصل إلى تسوية شاملة، تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني شهدتها مدينة لوزان السويسرية، ضمت كلا من الصين، وروسيا، وأمريكا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا كطرف، وبطبيعة الحال إيران كطرف ثان، انتهت بتوصل المجتمعين إلى بيان مشترك يتضمن تفاهما وحلولا بما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، مهّد لعقد الاتفاق في فيينا في تموز/ يوليو من العام نفسه.

رأته إيران حدا لحلقة مفرغة لم تجلب لها إلا مزيدا من العقوبات، لا سيما أن الاتفاق نص على إلغاء جميع العقوبات عليها، فيما وصفته إدارة الرئيس الأمريكي أوباما بأنه تاريخي؛ ضاربة عرض الحائط بمخاوف شركائها في الشرق الأوسط، وعلى رأسها دول الخليج.
ترى الحكومات الأوروبية أن واشنطن لا تلقي بالا لمخاوفها، لذا بدأت الاعتماد على نفسها لتوفير ما يلزمها من نفط للمرور بالشتاء القادم بأقل خسائر ممكنة، وبأكبر قدر متاح من رضا الشعوب الأوروبية عليها، وتجدها تجاهد من أجل إنقاذ عملية إحياء الاتفاق النووي مع إيران والتقريب بين طهران وواشنطن

وكانت سياسة أوباما في حينها تذهب إلى الاحتواء وعدم التصعيد، ومحاولة التقريب بين الخليج المتوجس من الجارة صاحبة الأطماع التوسعية الناعمة من خلال النفوذ الديني، أو الخشنة من خلال المليشيات التي بدأت تنتشر في الجوار، وتثير القلاقل في اليمن والبحرين والعراق، لتلتقي مع مخاوف تل أبيب القادمة من لبنان وغزة. مع ذلك استمر أوباما في محاولاته في دعوة التقريب، وهو ما لم ينجح فيه لتمادي إيران، مستفيدة من رفع العقوبات ومستخدمة أموال النفط المصدر في تقوية نفوذها وتهديد أمن جيرانها، فزادت قوة المليشيات الموالية لها في العراق ولبنان واليمن وقويت الاحتجاجات في البحرين، ولم تجد الإمارات حلا من أوباما في أزمة الجزر (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).

وبعد تولي الرئيس الأمريكي ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، كان أكثر اتساقا بحلفائه، وأكثر قربا من نتنياهو غير المرحب به في البيت الأبيض في عهد أوباما، فأوعز نتنياهو إلى ترامب أنه يجب الحد من نفوذ إيران في المنطقة ووقف برنامجها النووي، لا سيما بعد أن بدت المعلومات الاستخباراتية تؤكد خروج الملف النووي الإيراني عن سلميته، ما يعني وجوب نقض الاتفاقية وعودة العقوبات، وهو ما قابلته مطالبات خليجية بالمنطق نفسه، وهو ما دفع ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق وفرض عقوبات كانت موجعة لطهران، أثرت بشكل كبير على تمددها وتمويل أذرعها.

وبعد انتخاب الرئيس الأمريكي الحالي، عاد الملف إلى النقطة الأولى بوجهة نظر أوباماوية، حيث محاولة التقريب والاحتواء، وعلى الرغم من أن هذه السياسة لم تثبت أي نجاح، بل على العكس، قوت شوكة طهران وأزعجت جيرانها في الخليج والشرق الأوسط، إلا أن بايدن الذي يعد فترة رئاسية ثالثة لأوباما لم يشأ أن يتميز، لكن كل ما يناور فيه هو انتزاع ضمانات من إيران، يراه المعنيون بها أنها غير مرضية.

مخاوف الخليج ومخاوف تل أبيب

مع إقدام طهران على زيادة عمليات التخصيب وإضافة أجهزة طرد مركزية جديدة لتسريع عمليات التخصيب، ومع الغموض الذي يكتنف بعض المواقع النووية في إيران وعرقلة عمل المفتشين الأمميين المعنيين بمراقبة تنفيذ الاتفاق، في ظل تقارير عن وجود مواد مشعة تتجاوز نسب التخصيب المنصوص عليها في الاتفاق النووي، ومع الخطوات التصعيدية الغامضة التي تتخذها إيران للتعمية على عمليات التخصيب، كتعطيل كاميرات المراقبة في المحطات النووية، تبدو مخاوف الخليج وتل أبيب منطقية.
عدم الشفافية الذي تنتهجه إيران مبعث قلق للدول الأوروبية، لا سيما أن التقارير المخابراتية تؤكد أن عمليات التخصيب وإنتاج الوقود النووي دخلت في مراحل متقدمة، بل كاد أن يدخل في بدايات صناعة السلاح النووي، وهو إن صح، فإن توقيفه يصبح صعبا

فعدم الشفافية الذي تنتهجه إيران مبعث قلق للدول الأوروبية، لا سيما أن التقارير المخابراتية تؤكد أن عمليات التخصيب وإنتاج الوقود النووي، دخلت في مراحل متقدمة، بل كاد أن يدخل في بدايات صناعة السلاح النووي، وهو إن صح، فإن توقيفه يصبح صعبا. وقد تفسر عمليات المماطلة من قبل طهران في إنفاذ المهام الرقابية لمفتشي الوكالة الدولية، أو التلكؤ في الجلوس على طاولة المفاوضات، ووضع شروط يراها أطراف الاتفاق، قبل المتأثرين بالاتفاق بأنها تعجيزية، بأنها جزء من خطة الخداع التي تتبعها طهران لكسب الوقت والوصول إلى السلاح النووي.

لكن ما يراه المراقبون أن السلاح النووي الإيراني وإن كان خطرا تتهدد المنطقة منه إن هو أصبح حقيقة، فإن الحقيقة المعاشة هي أن إيران لديها سلاح أكثر فتكا تهدد به المنطقة وينخر في عظام استقرارها؛ يتمثل في تلك المليشيات الموالية لها، وتدعمها بالمال والسلاح والتدريب والتطوير والمعلومات، لذا فإن التوصل لاتفاق مع إيران، الذي تسعى إليه أوروبا تحت ضغوط النفط والغاز، سيفتح الباب لمزيد من تطوير تلك المليشيات، ما يعني مزيدا من التهديد لجوار إيران في الشرق الأوسط.

منع انتشار السلاح النووي وإخلاء الشرق الأوسط منه

إن سعي إيران للوصول إلى صناعة السلاح النووي، دفع السعودية، مثلا، إلى الحديث عن حقها في امتلاك سلاح رادع، ومن ثم السعي إلى دخول النادي النووي. وعلى الرغم من وجود معاهدة للحد من انتشار السلاح النووي، التي دخلت حيز النفاذ عام 1970 ووقعت عليها 191 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وبموجبها تلتزم الدول غير الحائزة على أسلحة نووية بعدم تصنيع أسلحة نووية أو السعي لامتلاكها، وتلزم الدول المالكة لها بعدم مساعدة الدول غير المالكة لها في اقتنائها، إلا أن هناك من الدول التي تمتلك تلك التقنية ولديها أسرارها مستعدة لبيعها؛ خرقا للمعاهدة، ما يعني أن تحركات إيران ستفتح الباب، وتحت عنوان الأمن القومي الذي لا يمكن لأي دولة أو منظمة أن تحرم دولة أخرى مهددة من أن تحافظ على أمنها، أمام سوق السلاح النووي، تصنيعا أو شراء على أقل تقدير، وهو ما يعني بالنتيجة تهديدا جدي لسلم وأمن المنطقة، بل، السلم والأمن الدوليين.

وعلى الرغم من أن إيران شاركت مصر التي طرحت فكرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط في عام 1974، في زمن الشاه بالطبع، وهو المقترح الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا سنويا منذ 1980، ويتكرر اعتماده منذ ذلك الحين، والذي ينص على إزالة الأسلحة النووية الموجودة في المنطقة، بالإضافة إلى إيجاد آلية للتحقق ورصد مدى الامتثال لبنود الاتفاق، إلا أن إيران الشاه، غيّر إيران الخميني وخامنئي، فإيران ما بعد الثورة "الإسلامية" تسعى لإعادة المشروع الفارسي، لا الإسلامي كما تدعي، ومن ثم تسعى لامتلاك قوة ردع تمكنها من رسم خريطة نفوذها التوسعية المأمولة.
هناك من الدول التي تمتلك تلك التقنية ولديها أسرارها مستعدة لبيعها؛ خرقا للمعاهدة، ما يعني أن تحركات إيران ستفتح الباب، وتحت عنوان الأمن القومي الذي لا يمكن لأي دولة أو منظمة أن تحرم دولة أخرى مهددة من أن تحافظ على أمنها، أمام سوق السلاح النووي، تصنيعا أو شراء على أقل تقدير، وهو ما يعني بالنتيجة تهديدا جديدا لسلم وأمن المنطقة، بل السلم والأمن الدوليين

لذا؛ فمن المفهوم لماذا تسعى إيران وتسارع الزمن للوصول إلى نسب التخصيب التي تمكنها من الوصول إلى امتلاك السلاح النووي، ضاربة بذلك تلك المبادرة التي تبنتها وأقرت في الأمم المتحدة، وتمدد من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، وهو ما يدفع كرد فعل طبيعي لأن تدخل دول المنطقة في سباق التسلح، على الرغم من الجهود الدولية للتقييد والحد من تنامي المشروع النووي لها، وفرض رقابة مشددة عليها.

ولكن طهران لديها قدرة كبيرة على المراوغة، مستفيدة من هشاشة الموقف الأمريكي الحالي، وحاجة أوروبا لنفطها وغازها في فترة زمنية فارقة قد لا تتكرر. لكن بالنتيجة، فإن إيران تحقق اختراقات ستفضي في النهاية إلى زعزعة ذلك المحيط الجغرافي الملتهب بالأساس وإدخاله في سباق تسلح نووي، لن يهدأ بطبيعة الحال إلا بامتلاك أغلب دول المنطقة أو على الأقل الأكثر تأثيرا فيها، كمصر والسعودية وتركيا، للسلاح النووي كرد مقابل لسلاح إيران المحتمل.

المسكوت عنه في الملف النووي الإيراني

الشرق الأوسط خالي الأسلحة النووية، حلم يسعى إليه محبو السلام والعاملون لتنمية أوطانهم، فهي فكرة سامية ونبيلة، تحتاج إلى آليات واضحة وأدوات تنفيذ صارمة، وإرادة من كل شركاء هذه البقعة الجغرافية الأهم في العالم. في غياب هذه الشروط فلن ترى الفكرة النور، وستسعى كل دولة إلى حفظ أمنها بالطريقة التي تراها، والأقرب سيكون بالنتيجة هو امتلاك السلاح النووي، كما هو الحال بين الهند وباكستان التي اختارت امتلاك النووي من أجل ردع جارتها الطامعة.

لكن المسكوت عنه في هذا المقال حتى الآن، هو ما تسكت عنه دول المنطقة، في توجه غير مفهوم للنظر بعين واحدة، ترى ما تراه أمريكا على الأغلب، المتخوفة من احتمالية امتلاك إيران للسلاح النووي، ولا تنظر "لإسرائيل" التي تمتلك بالفعل أسلحة نووية، ولو أنها لم تصرح بذلك، والتي تمتنع عن أن تكون عضوا في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ما يؤكد امتلاكها للسلاح النووي، ناهيك عن المعلومات الاستخباراتية التي أكدت امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، منتهجة في ذلك سياسة "الغموض النووي" التي تمارسها منذ ستينيات القرن الماضي، وأكدها مردخاي فعنونو، الخبير النووي الذي عمل في مفاعل ديمونة، بإرسال صور لصحفيين غربيين تظهر من المفاعل من الداخل ومعلومات عن القدرات النووية الإسرائيلية، بعد أن هاجر لأستراليا هربا من إسرائيل، ما سمح للخبراء من التأكد من قدرات إسرائيل الهائلة من الأسلحة النووية.
حالة التشرذم التي يعيشها العرب، جعلت كل منطقة جغرافية من وطننا العربي ترى عدوا مختلفا، فالخليج والعراق يرون في إيران العدو، لبعدهم الجغرافي عن إسرائيل، فيما ترى دول الطوق إسرائيل عدوا ولا ترى في إيران عدوا داهم الخطورة، أو تضعه في المرتبة الثانية بعد إسرائيل

إن حالة التشرذم التي يعيشها العرب، جعلت كل منطقة جغرافية من وطننا العربي ترى عدوا مختلفا، فالخليج والعراق يرون في إيران العدو لبعدهم الجغرافي عن إسرائيل، فيما ترى دول الطوق إسرائيل عدوا، ولا ترى في إيران عدوا داهم الخطورة، أو تضعه في المرتبة الثانية بعد إسرائيل، في حين أن صراع كل من تل أبيب وطهران، هو صراع تقاسم تركة الرجل المريض الجديد، الرجل الذي ينفق ثرواته حتى تبقيه أمريكا على جهاز التنفس حيّا يعطيها من ثرواته، قبل أن تتركه بعد أن أخذت ما أرادت نهبا لإيران وإسرائيل، تقطعان من لحمه ما ترغبان لتشبعا به رغباتهما وتحققا به أهدافهما.

إن تركيا هي المؤهلة لقيادة مشروع ينظر بعينين اثنتين، فتركيا بموقعها متأثرة بمخاطر امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، كما أنها مهددة بإمكانية امتلاك إيران السلاح النووي. لكن المخاوف وحدها لا تطلق مشروعا، وإن أطلقته لا تمتلك فرص نجاحه، إلا بإيجاد رأي عام إقليمي ضاغط يحرك العالم لنزع السلاح النووي الإسرائيلي وإيقاف المشروع الطامح لإيران لامتلاكه. ولكي يحدث ذلك، فعلى تركيا أن تعيد ترتيب علاقاتها بدول المنطقة، مع فتح جسور المصالح والتقارب مع تلك الدول لتوحيد الصف ومواجهة الخطر الذي ستظهر آثاره في العشر سنوات القادمة، ويومها لن ينفع البكاء على الوقت المهدر والفرص الضائعة.