كتاب عربي 21

هل ستفرض أمريكا عقوبات على تركيا؟

1300x600

وجّهت الولايات المتّحدة الأمريكية تحذيراً إلى الجانب التركي الأسبوع المنصرم من مغبّة مساعدة روسيا على تجاوز العقوبات الغربية المفروضة عليها، وبحسب بيان صارد وحسب بيان صادر عن الخزانة الأمريكية، فإنّ مسؤولين من الخزانة ووزارة المالية التركية ناقشوا مسألة تطبيق العقوبات المفروضة على روسيا . وكانت صحيفة واشنطن بوست فد إدّعت في تقرير لها أنّ روسيا تأمل في أن توافق تركيا على منحها قنوات جديدة تساعدها على تجنب القيود على قطاعات البنوك والطاقة والصناعة.

وذكرت الصحيفة أنّ المقترح الروسي يدعو السلطات التركية، إلى السماح لروسيا بشراء حصص في مصافي النفط التركية ومحطات النفط والخزانات، والسماح بفتح حسابات لأكبر البنوك الروسية في البنوك التركية وهي خطوة يقول الاقتصاديون إنها قد تساعد في إخفاء مصدر صادراتها، بعدما يبدأ الحظر النفطي للاتحاد الأوروبي العام المقبل.

وأكّدت جمعية الصناعة والأعمال التركية أنها تلقت رسالة من نائب وزير الخزانة الأمريكية تُحذّر من احتمال فرض عقوبات، إذا واصلت الشركات التركية التعامل مع روسيا أو مؤسسات روسية خاضعة للعقوبات الأمريكية. واعتبر وزير المالية التركي نور الدين نباتي، أن التهديد الأمريكي "لا معنى له"، مشيراً في رسالة موجهة لمجتمع رجال الاعمال الى أنّه لا داعي للقلق من هذه التهديدات، داعياً الولايات المتّحدة الى حث شركاتها على الإستثمار في الاقتصاد التركي.

من وجهة النظر التركية، فإنّ الجانب التركي لا يلتزم عادة إلا بعقوبات ذات طابع دولي تصدر عن الأمم المتّحدة، أمّا العقوبات الفردية الصادرة عن هذه الدولة او تلك فهي لا تلزم تركيا بالالتزام بها. فضلاً عن ذلك، فإنّ اختيار تركيا للأخذ بها أو تجاهلها يعتمد بشكل أساسي على معيار المنفعة والمصلحة، وهل تفترض مصلحة تركيا أن تأخذ بها او أن تتجاهلها. 

في الحقيقة، فإنّ المثير للسخرية في هذا التهديد الأمريكي أنّه جاء متزامناً مع تحقيق نشرته وكالة أسوشييتد برس تشير فيه إلى أنّه وفقاً للمعطيات الرقميّة فقد استقبلت الموانئ الأمريكية أكثر من 3600 شحنة بحرية قادمة من روسيا ومحملة بمختلف البضائع والمواد الخام والأوّلية منذ أن قررت روسيا غزو أوكرانيا. ومثله، كانت تقارير أمريكية قد تحدّثت مؤخراً عن استمرار استيراد واشنطن للنفط الروسي على الرغم من الحظر المفروض على استيراده رسمياً في البلاد. 

ومع ذلك، فإنّ التجارة مع روسيا لا تزال مستمرة على عدة مستويات ومن قب لعدّة دول قريبة و/أو حليفة للولايات المتّحدة الأمريكية. 55% من النفاط الروسي الذي يتم تصديره اليوم إلى دول عديدة حول العالم بالرغم من العقوبات يتم حمله عبر ناقلات نفط يونانية. الأوروبيون لا يزالون يتاجرون مع روسيا بمستويات مختلفة ولا تزال موسكو تحصل على مليارات اليوروات منهم. 

 

في ظل إستمرار الخروقات الغربية، سيكون من الصعب بمكان إستثناء تركيا لفرض عقوبات عليها بحجّة عدم الإلتزام. علاوةً على ذلك، فإنه من الصعب كذلك تصوّر ذهاب واشنطن باتجاه التصعيد أو الصدام مع تركيا في ظل التعقيدات السائدة في المشهد الإقليمي والدولي في هذه المرحلة.

 



أمّا إذا ما أردنا ضرب الأمثلة خارج نطاق الإتحاد الأوروبي، فيكفي أن نشير إلى نموذج الهند. الهند اليوم تستورد كل شيء من روسيا بما في ذلك الأسلحة. الأرقام تشير إلى أنّ الهند أنفقت في الأشهر الثلاثة الأولى للعدوان الروسي على أوكرانيا أكثر من 5 مليارات دولار لشراء النفط والغاز والفحم، وهو ما يساوي خمسة أضعاف الرقم المُسجّل عن الفترة نفسها قبل عام. لا يتعلق الأمر بعدم تهديد أمريكا للهند بفرض عقوبات عليها وإنما بإصدار القرار استثناءً خاصاً يسمح لها (أي للهند) بشراء منظومة اس-400 الروسية مؤخراً ويستثنيها من أي عقوبات.

من الواضح أنّ الأمر لا يتعلق بخرق عقوبات، فالعقوبات مخترقة من قبل الذين وضعوها قبل أي طرف آخر، وعليه فإنّه من الحماقة بمكان أن يقوم الجانب التركي بإلزام نفسه بما لم يُلزم الآخرون به أنفسهم رغم كونهم أولى به. البعض يشير إلى أنّ الأمر متعلق بشكل أساسي بالمصارف وعملية إنتقال الأموال وليس التجارة، لكن إن كان هذا الإفتراض صحيحاً فإنّ التساؤل المشروع في هذه الحالة هو كيف تستطيع كل هذه الجهات المذكورة أعلاه الحصول على أموالها من موسكو أو تحويل أموال إلى روسيا؟

إنّ تخصيص تركيا بهذه الرسالة التهديديّة إنما هو في حقيقة الأمر لا يعدو كونه ازدواجية أمريكية خطيرة، فضلاً عن كونه رسالة سياسيّة ليست مرتبطة على الأرجح بروسيا أو الحرب الروسية-الأوكرانية. وبهذا المعنى، فإنّ التزام تركيا بأي عقوبات غير دولية، إنما يقوم بالدرجة الأولى على تقدير مصلحتها من الالتزام أو عدم الالتزام به. وفي ظل إستمرار الخروقات الغربية، سيكون من الصعب بمكان إستثناء تركيا لفرض عقوبات عليها بحجّة عدم الإلتزام. علاوةً على ذلك، فإنه من الصعب كذلك تصوّر ذهاب واشنطن باتجاه التصعيد أو الصدام مع تركيا في ظل التعقيدات السائدة في المشهد الإقليمي والدولي في هذه المرحلة.

Twitter: @alibakeer