مقالات مختارة

وزير التعليم و«شماعة الإخوان»

1300x600

حينما يتم تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة البرلمانية والصحفية، فلا يمكن للمسؤول أن يسارع بالبحث عن «شماعة» ليحملها نتائج تقصيره عندما تقع مشكلة أو أزمة، بل يخرج للرأي العام ويعلن عن تحمله المسؤولية، ويصارحه بالأسباب التي أدت إلى تلك النتائج ويعده ببحث الأسباب ومعرفة أوجه القصور والعمل على علاجها.


منتصف الأسبوع الماضي، نُقل عشرات التلاميذ في محافظة أسيوط إلى المستشفيات إثر إصابتهم بحالات إعياء شديد بعد تناولهم وجبات التغذية المدرسية، وفي اليومين التاليين نُقل مئات التلاميذ في محافظات كفر الشيخ وقنا وبني سويف إلى المستشفيات بنفس الأعراض بعد تناول ذات الوجبة.

 

وزير التعليم الدكتور طارق شوقي، وقبل أن تصله تحريات الأجهزة الأمنية وما انتهت إليه النيابة العامة في تحقيقاتها أو حتى نتائج تحاليل عينات الوجبات التي تم إرسالها إلى المعامل المركزية بوزارة الصحة، سارع بإلقاء الكرة في ملعب جماعة الإخوان الإرهابية التي «روجت شائعات عن تسمم الطلاب»، كما أشار بأصابع الاتهام أيضا إلى صغار التجار الذين كانوا يوردون الوجبات، «هم أيضا أصحاب مصلحة في نشر الشائعة»، جازما بأنه لا توجد حالة تسمم واحدة في تلك المحافظات.


تصريحات الوزير الجازمة النافية، تشي بأنه وقف وحده مبكرا على ناصية الحقيقة، وتوصل قبل الأجهزة والجهات المعنية إلى معلومات موثقة وقصة متكاملة ونتائج مؤكدة عن وقائع لا تزال حتى كتابة تلك السطور قيد التحقيق.


كان أولى بالوزير أن يخرج علينا ببيان، لا يقطع فيه الشك بما يدعي أنه يقين، ويعلن فيه للرأي العام أن الجهات المعنية المكلفة بمتابعة تلك الوقائع تقوم بعملها، وأنه فور الوصول إلى معلومات موثقة سيخرج إلينا ويصارحنا بما لديه، بدلا من تبرير خطأ محتمل وتقديم استنتاج مل الناس من تكرار سماعه خلال السنوات الماضية.


تحميل أي خطأ أو أزمة أو كارثة على «شماعة الإخوان»، لا يعدو كونه محاولة للتهرب من المسؤولية ومواجهة القصور، وهو للأسف ما درج بعض المسؤولين على القيام به، فعندما توالت حوادث القطارات وسالت دماء المواطنين على قضبان السكة الحديد، خرج وزير النقل ليحمل «الأطفال الصغار اللي بيفكوا صواميل القضبان»، وكذلك العناصر «المتطرفة والإثارية التي لا تريد الخير لمصر التي تعمل في مرفق السكة الحديد» مسؤولية ما جرى.


وزير النقل طلب حينها من السادة أعضاء البرلمان سن تشريع يسمح بفصل العناصر الإخوانية، وبالفعل استجاب البرلمان وصدر القانون، رغم أن التحقيقات التي أجرتها السلطات المعنية في حوادث القطارات آنذاك لم تشر لا إلى وجود عناصر مندسة وراء هذه الحوادث ولا إلى أطفال أشقياء يلعبون في القضبان، وإنما كشفت وجود تسيب وإهمال وتراخٍ في صفوف العاملين، ولفتت النظر إلى قرار هيئة السكة الحديد الذي يقضي بوقف تشغيل أنظمة الأمان في القطارات لأنها تؤدي إلى إبطاء القطار.


ما انتهت إليه التحقيقات في حوادث قطارات السكة الحديد، من الوارد أن يتكرر في وقائع اشتباه تسمم التلاميذ بعد تناولهم وجبات التغذية المدرسية التي حدثت الأسبوع الماضي، وفي الحالتين لم ولن نجد من يحاسب السادة المسؤولين على أخطائهم أو على محاولاتهم تضليل الرأي العام وتصدير معلومات وأخطاء إلى شبح مجهول يظهر طيفه من آن إلى آخر ويُدعى «جماعة الإخوان الإرهابية».

 

نتفق مع السادة المسؤولين على أن عناصر الإخوان تسعى إلى تشويه أي إنجاز يتم على الأرض، وأنهم يبحثون دائما عما يلوث سمعة نظام الحكم الحالي الذي اقتلعهم بأمر الشعب من السلطة قبل 8 سنوات، لكن الحديث عن هذا الشبح أصبح مدعاة إلى السخرية والتندر من الحكومة وبعض وزرائها.


والحقيقة أن هذا الشبح كاد يتلاشى، وكل متابع لهذا الملف يعلم تماما أن الجماعة وعناصرها في تلك الأثناء مشغولون بصراع داخلي غير مسبوق شق التنظيم إلى قسمين الأول في لندن بقيادة إبراهيم منير والثاني في إسطنبول بقيادة محمود حسين.


ويعلم المراقبون المتابعون لملف الإخوان، أن أغلب قواعد الجماعة الموجودة في مصر كفروا بقادة التنظيم الذين أسقطوهم في الفخ، ثم راحوا يتصارعون ويتهمون بعضهم البعض بالسرقة والتربح والاستيلاء على أموال الاشتراكات والتبرعات ووصل الأمر إلى تبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة لأجهزة ودول.


أخيرا، التهرب من المسؤولية وتحميل الأخطاء والكوارث على شماعة طرف أو آخر لن يوقف تلك الأخطاء، الأولى أن نواجه المشكلات وأن نسائل ونحاسب المقصر أيا كان موقعه.

 

(الشروق المصرية)