قضايا وآراء

هل وفرت تركيا ملاذا آمنا لـ"فتح" و"حماس"؟

1300x600

لم تتضح بعد طبيعة الدور الممكن أن تلعبه أنقرة في تحقيق المصالحة الفلسطينية؛ بعد أن دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدعم جهود المصالحة الفلسطينية في اتصال هاتفي الاثنين 21 أيلول (سبتمبر) الحالي.

كما لم تتضح بعد جدوى اللقاءات التي تعقدها حركتا "فتح" و"حماس" في أنقرة بعد 14 عاما من الرعاية المصرية لجهود المصالحة؛ وبعد اجتماعات موسكو ومن بعدها بيروت؛ لقاءات جمعت أمناء الفصائل الفلسطينية لإصلاح منظمة التحرير وتحقيق المصالحة تارة؛ وللرد على الموجة التطبيعية التي قادتها أبو ظبي تارة أخرى.

موجة توجت بتوقيع الاتفاق التطبيعي في واشنطن يوم الثلاثاء 16 أيلول (سبتمبر) الحالي؛ واستكملت بلقاء رعته أبو ظبي جمع رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان بمسؤولين أمريكيين في أبوظبي لمناقشة رفع السودان من قائمة الإرهاب مقابل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

جولة تطبيعية جديدة قابلها الفلسطينيون بتكثيف لقاءاتهم لتشمل تركيا؛ إذ استضافت إسطنبول لقاء ضم أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" جبريل الرجوب وعضو اللجنة المركزية روحي فتوح ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية ونائبه صالح العاروري يوم أمس الأربعاء؛ اتفق فيه على إجراء الانتخابات العامة بحسب ما صرح به أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير صائب عريقات من رام الله لوكالة الأناضول التركية.

فهل تنجح أنقرة بما لم تنجح القاهرة وموسكو وبيروت في تحقيقه واستكماله؟ وهل تتمكن من توفير المناخ والبيئة الملائمة للمصالحة الفلسطينية؟ وهل تتحمل أنقرة الضغوط الأمريكية لاستضافتها المزيد من أمناء الفصائل الفلسطينية لاستكمال جهود مواجهة التطبيع وصفقة القرن الأمريكية ومشاريع الضم الصهيونية؟

 

رسائل لقاء "فتح" و"حماس"

الأسئلة كثيرة غير أن الرسائل التي حملها لقاء "فتح" و"حماس" في إسطنبول أكثر قيمة وأهمية من الأسئلة ذاتها؛ إذ يعبر اللقاء في إسطنبول عن رغبة فلسطينية كامنة بتوسيع مراوحة خياراتها وفضائها السياسي؛ وإيجاد ملاذات آمنة للفلسطينيين بعيدا عن لقاءات القاهرة المزمنة واجتماعات الجامعة العربية وتناقضاتها المجهدة؛ قابلتها رغبة أنقرة في الانخراط المباشر بالملف الفلسطيني لإحباط محاولات تهميشها ومحاصرتها وعزلها إقليميا وإبعادها عن واحد من أهم الملفات الدولية والإقليمية المؤثرة.

رسائل أرادت "فتح" و"حماس" نقلها للنظام الرسمي العربي الذي رفض إدانة الموجة التطبيعية والقائمين عليها في الجامعة العربية بالقاهرة؛ كما أرادت أنقرة إيصالها لكافة الأطراف الإقليمية والدولية بأنها فاعل إقليمي ولاعب دولي يصعب عزله أو تهميشه أو اقصاؤه؛ خصوصا أن دورها امتد من الخليج العربي مرورا بالصومال والبحر الأحمر؛ وليس انتهاء بليبيا ومن قبلها سوريا والعراق؛ ومن باب أولى أن تصبح فاعلا مؤثرا في الملف الفلسطيني شديد التشابك بملفات الإقليم وتفاصيله.

 

هل تنجح أنقرة بما لم تنجح القاهرة وموسكو وبيروت تحقيقه واستكماله؟ وهل تتمكن من توفير المناخ والبيئة الملائمة للمصالحة الفلسطينية؟ وهل تتحمل أنقرة الضغوط الأمريكية لاستضافتها المزيد من أمناء الفصائل الفلسطينية لاستكمال جهود مواجهة التطبيع وصفقة القرن الأمريكية ومشاريع الضم الصهيونية؟.

 



فتركيا لم تتراجع عن تطوير استراتيجيتها للتعامل مع الملف الفلسطيني رغم الضغوط الأمريكية التي تعرضت لها؛ ورغم التهديدات المبطنة من قبل قادة الكيان وأجهزته الأمنية باستهداف النشطاء الفلسطينيين على أراضيها؛ تارة من خلال تقديم احتجاج لاستضافتها صالح العاروري؛ وتارة أخرى  بالكشف عن أسباب اغتيالها للدكتور فادي البطش في ماليزيا مؤخرا.

تدرك أنقرة عمق التحول الذي سيحدثه دورها في الملف الفلسطيني على مكانتها الإقليمية والدولية وعمق التهديدات والتحديات التي سيضيفها؛ غير أنها تقبل عليه بوعي كامل مستفيدة من الانفتاح الذي تبديه حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية على أنقره؛ فشرعية حركة "فتح" ومنظمة التحرير تشجع أنقرة على مزيد من الانخراط في الملف الفلسطيني الذي عملت موسكو ومن قبل القاهرة على الاستثمار فيه وتوظيفه لتعزيز مكانتها الإقليمية دون فائدة ترجى للفلسطينيين؛ انفتاح يعظم من فاعلية الدور التركي والفلسطيني في آن واحد لمواجهة الضغوط الدولية والإقليمية الهادفة لعزلها وعزل الفلسطينيين إقليميا وعربيا وإسلاميا.

فلقاء الرجوب هنية في أنقرة يعد خبرا بحد ذاته ورسالة سياسية تشترك فيها الفصائل الفلسطينية وأنقرة وتقدمها لسائر الإقليم؛ فحركتا "فتح" و"حماس" قادرتان على توسعة مروحة التحالفات نحو أنقرة التي تملك تماسا مباشرا مع قطاع غزة بحرا وجوا؛ فتركيا جارة للفلسطينيين في المتوسط وهي قادرة على لعب دور في التخفيف من معاناتهم والمساهمة في توحيد صفوفهم لمواجهة الاحتلال .

 

أنقرة الملاذ

ففي ظل التجاهل الرسمي العربي للموقف الفلسطيني الرافض لموجة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي والرافض لصفقة القرن ولتمدد المشروع الصهيوني في الفضاء العربي والإسلامي على حساب الهوية والقيم الحضارية للأمة؛ قدمت أنقرة ملاذا آمنا للفلسطينيين لاستكمال مشروعهم نحو المصالحة وإعداد استراتيجية لمواجهة الكيان الإسرائيلي بعيدا عن الضغوط العربية والابتزاز السياسي والاقتصادي الممارس عليهم من قبل سلطات الاحتلال والقوى المنخرطة في محاصرة الفلسطينيين والتضييق عليهم .

لقاء إسطنبول حمل رسائل مزدوجة لخصوم الشعب الفلسطيني والتركي وأصدقائه ولكل مستاء وقلق من التحولات الخطرة المرافقة لموجة التطبيع العربية؛ التي تهدد استقرار الإقليم وتبشر بعصر من الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية تمتد لغرب آسيا والمتوسط؛ مخلفة تشوهات خطرة تحد من فعالية الاستجابة والتكيف مع التحولات في المنظومة الدولية؛ تشوهات يقف على رأسها المشروع الصهيوني الذي يحاول قيادة الإقليم مستعينا بنخب عربية إشكالية بات من الضروري التصدي لها بمشروع مواز له سياسيا واقتصاديا وفكريا.
 
ختاما: تركيا قدمت نموذجا لعله يكون مقبولا وجذابا للدول المستاءة من موجة التطبيع والخروج عن الثوابت المتفق عليها في الجامعة العربية؛ فنجاح النموذج التركي في التعامل مع الانقسام الفلسطيني وتصليب جبهتهم في مواجهة موجة التطبيع قادر على جذب واستقطاب المزيد من الدول المستاءة والقلقة من التحولات الاستراتيجية في المنطقة العربية على أمنها ومستقبلها وهويتها ومن ضمنها دول عربية وأخرى إسلامية.