قضايا وآراء

قَرْنٌ مِن الزَّمانِ على ميْسلون.. الرُّموزُ والشُّهداء

1300x600

بحلول يوم 24 تموز (يوليو) تكون قد مرَّت مئة سنة على معركة ميسلون التي جرت في "٢٤ تموز / (يوليو) ١٩٢٠".. قرن من الزمان مضى على المعركة التي خاضها سوريون بقيادة البطل يوسف العظمة "1884 ـ 1920"، وزير الحربية آنذاك، الذي كان يعرِف جيداً ما ينتظره ومشى إلى ساحة الوغى بشجاعة وشرف دفاعاً عن الوطن والشرف. 

تفقد العظمة قواته المتمركزة في منطقة "عُقبة الطين" في ميسلون ليلة ٢٣ تموز (يوليو) والتحف بطّانية ونام هناك، وفي الصباح قاتل حتى استشهد دفاعاً عن سوريا وعاصمتها دمشق، يوم زحف إليها الجيش الفرنسي بمدافعه الثقيلة ودباباته ورشاشاته وطائراته وجنده، وهو الجيش الخارج منتصراً بانتصار الحلفاء على دول المحور في الحرب العالمية الأولى "١٩١٤ ـ ١٩١٨".. زحف جيش فرنسا بقيادة الجنرال غُورو ليحتل سوريا ويفرض الانتداب عليها تنفيذاً للمعاهدة ـ المؤامرة، معاهدة "سايكس ـ بيكو" ١٩١٦، وقرار مؤتمر سان ريمو "١٩ـ ٢٥ نيسان (أبريل) ١٩٢٠"، لينهي المملكة السورية الوليدة التي أعلنها المؤتمر السوري بتاريخ ٧/٣/١٩٢٠، وتوَّج الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا الطبيعية، "بلاد الشام"، في احتفال جرى يوم الثامن من شهر آذار (مارس) ١٩٢٠ بساحة المَرْجَة بدمشق.
 
لقد خرج يوسف العظمة إلى ميسلون بحوالي ٣٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ جندي من بقايا الجيش العربي الذي سُرِّح وانسحب من "عنجر" بأمر من الملك فيصل بن الحسين تنفيذاً لإنذار الجنرال غورو، وتبع ذلك العدد مثله أو أقل منه من المتطوعين غير المدربين وغير المنظمين الذين يحملون أسلحة قديمة، لبوا استنجاد الملك بأهالي دمشق وريفها، ووقف أولئك في ميسلون ليواجهوا تسعة آلاف ضابط وجندي فرنسي مدربين ومسلحين بأحدث الأسلحة، بعد أن زحف جيش غورو ودخل سوريا متذرعاً بأن إنذاره لسوريا لم يُنفَّذ؟! وكان ذلك كذباً صُراحاً، فقد قام ساطع الحُصَري، وزير المعارف آنذاك، بحمل الموافقة على الإنذار ولكن غورو لم يأخذ بذلك. 

 

سوريا اليوم قد تكون في شغل شاغل عن ميسلون والرموز والأهداف الكُبرى، للأسف الشديد فقد ارتدَّت قواها نحو ذاتها بتآمر خارجي وقصور داخلي، واحتُلَّت أجزاء منها، وأصبحت غير قادرة على القيام بدور ينقذها وينقذ مواطنيها، وبدور عربي لها لا غنى عنه، دور دافع إلى التحرير والتحرُّر ونهضوي بنّاء، تقوم به مع دول عربية تتلظي شعوبها بنار الاقتتال والفرقة والفتنة

 



خرج يوسف العظمة إلى معركة ميسلون وكله إيمان وهو يدرك نتيجة المعركة، ويعرف مصيره تماماً، فقد قرر أن يقاتل مع جنده ولن يتراجع.. وقد اشتبك مع جيش الاستعمار الفرنسي في معركة غير متكافئة دامت معظم ساعات ذلك النهار، وحَنَّا دمُه ودم من استُشهد معه في تلك المعركة مساءات الأفق في بلاد الشام وأنفس السوريين، حيث استشهد هو وأربعمئة مجاهد.. وكان فيمن خرج معه إلى ميسلون نساء قاتلن في المعركة، منهن زينب الغزاوي من قرية المليحة في ريف دمشق التي تنكَّرت بثياب رجل وقاتلت ببطولة شبيهة ببطولات المجاهدات في أوائل الإسلام.. وقالت بعد المعركة: "عدت مع أخويّ مصطفى ومحمود إلى بيتنا وفي نفسي مرارة، لأن الله لم يمنحني شرف الشهادة في ميسلون إلى جانب البطل العظيم يوسف العظمة". 

لقد قاتل واستشهد هو ومن استُشهد معه تحت "العلَم العربي" الذي كان من حيث الشكل والألوان وفق الآتي:

اللون الأسود وكُتب عليه: وجاهدوا في سبيل الله
اللون الأبيض وكُتب عليه: إن الله معنا
اللون الأخضر وكُتب عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا
وعلى الوجه الآخر من العلم:
كُتب على اللون الأسود: لا إله إلا الله
وكُتب على اللون الأبيض: محمد رسول الله
وكُتب على اللون الأخضر: اللواء الأول مشاة سنة 338

"ولما سمع الملك فيصل بن الحسين باستشهاد يوسف العظمة ومن معه قال: إني أحني رأسي احتراماً لجميع هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الاحتجاج على اعتداء لم يعرف له التاريخُ مثيلاً.". وأظنه عبد الرحمن الشهبندر الذي قال في كلمة تأبينية بالمناسبة: "إن ثمة رجالاً لا يموتون أبداً، يصرون على الحياة، رغم مرورهم بسطوة بروتوكولات الموت والفراق". 

لم ينتصر يوسف العظمة على الفرنسيين وعلى الخونة في معركة ميسلون لكنه اكتسب الشرف، وسجل دمُه في الوجدان الشعبي العربي مبدأ المقاومة، وما قاله الشاعر عمر أبو ريشة في وقت لاحق: 

شَرَفُ الوثبة أن تُرضي العُلا     غَلَبَ الواثِبُ أمْ لَمْ يَغلِبِ

وبقي يوسف في ميسلون رمزاً ومنارة وحارساً شاهداً وشهيداً، يذكِّر الذاكرين بمعاني الوطنية وبالشجاعة والتضحية من أجل الوطن.. وصدق الشاعر أحمد شوقي إذ قال فيه:

مقيمٌ ما أقامتْ ميسلون     يذكِّرُ مصرعَ الأُسْدِ الشِّبالا 

لقد استشهد دفاعاً عن وطنه بشرف، وأسس دمُه الذي روى الأرض في ميسلون لمقاومة السوريين التي بدأت وانتشرت واستمرَّت حتى خرج الفرنسيون من سوريا بعد ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً من الاستعمار والنضال ضد الاستعمار، ففي الساعة التاسعة والربع من يوم 15 نيسان (أبريل) 1946 جلا آخر جندي فرنسي عن أرض الجمهورية العربية السورية، واحتُفل بعيد الجلاء يوم 17 نيسان (أبريل) لإتاحة فرصة أمام المشاركين وللقيام بالاستعداد المناسب.

بعد دخوله إلى دمشق ذهب الجنرال غُورو إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي، قرب الجامع الأموي بدمشق، في حركة ذات دلالة كبيرة لمن يريد أن يستقرئ التاريخ ويدفع الضيم عن الأمة والدين، وقف غورو أمام الضريح وقال هناك جُملة مشهورة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، وهي ترديد وصدى لرسيس العدوان ولحروب الفرنجة ضد المسلمين فيما يعرف بالحروب الصليبية.. وذلك رداً منه على ذلك القاهر صلاح الدين عندما قال للصليبيين بعد معركة حطين: "إنكم خرجتم من الشرق ولن تعودوا إليه.".. وكان احتلال الفرنسيين والإنجليز لسوريا الطبيعية "بلاد الشام"، هو رد على ذلك، فهل من ذاكر يذكر، ومتعظ يتعظ، وسياسة تدرك وتعمل، ومن قيادات تقود إلى الاستقلال والنصر؟!
 
إن سوريا، "بلاد الشام"، التي يؤمَّل وينبغي أن تقود اليوم المقاومة في مشرق الوطن العربي ضد الاحتلال بأشكاله وألوانه وظلاله، وضد الصهيونية والعنصرية والهمجية الأمريكية التي يجسدها اليوم العنصري البغيض دونالد ترامب، وتقف وقفة بطولية من أجل القدس وفلسطين وتحقيق الأهداف القومية النبيلة، وبوجه التدخل الغربي في الشؤون العربية، ومن يريدون تشويه صورة العروبة والإسلام، وتدمير الشخصية والهوية العربية الإسلامية.. سوريا اليوم قد تكون في شغل شاغل عن ميسلون والرموز والأهداف الكُبرى، للأسف الشديد فقد ارتدَّت قواها نحو ذاتها بتآمر خارجي وقصور داخلي، واحتُلَّت أجزاء منها، وأصبحت غير قادرة على القيام بدور ينقذها وينقذ مواطنيها، وبدور عربي لها لا غنى عنه، دور دافع إلى التحرير والتحرُّر ونهضوي بنّاء، تقوم به مع دول عربية تتلظي شعوبها بنار الاقتتال والفرقة والفتنة، وتستنفر جيوشها لخوض حروب عربية ـ عربية، وعربية إسلامية، ولا تستنفر تلك الجيوش من أجل فلسطين والأقصى وضد العدو الصهيوني الذي أصبح يعتدي ليلاً نهاراً دون رادع، ويحرث في السياسة العربية حيث يشاء، ويتبعه من العرب من يتبعه، بتغطية ومناصرة وضغط من أسوأ إدارة عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية هي إدارة العنصري المتصهين إدوارد ترامب.

وكأني اليوم، بعد مضي قرن من الزمان على معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة ومن استُشهِد معه، كأني بصدى صوت الشاعر خير الدين الزِّركلي وما قاله في ميسلون يتردد في أذني والحزن ذَباح، إذ قال: 

لله للحدثان كيف تكيـــــــــــــــــــدُ       بَردَى يغيضُ وقاسيونُ يَميدُ
تَفِدُ الخطوبُ على الشعوبِ مُغيرة      لا الزَّجرُ يدفعُها ولا التَّنديـــدُ
بلدٌ تبوَّأه الشَّقاءُ فكلَّـــــــــــــــــما       قَدُمَ استقامَ له به تَجديــــدُ
لَهفي على وطنٍ يَجوسُ خِلالَــــه       شُذَّاذُ آفاقٍ شَراذِم سُــــودُ