كتاب عربي 21

متى نقول: سقط النظام؟

عبد الرحمن يوسف
1300x600
1300x600
هذه مقالة سنحتاجها قريبا.. لأن النظام المصري العسكري الذي يحتل مصر بقوة السلاح سيسقط، واسألوا أي سائق "توكتوك" في شوارع المحروسة، إن كنتم لا تصدقون.

لا ينبغي أن يخدعنا العساكر بتغيير شكلي يضمن استمرار دولتهم كما حدث في الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011.

لقد ظنت الغالبية العظمى من الشعب حينذاك أن النظام قد سقط بخلع رأسه، ومع مرور الأيام تبين أن الأمر ليس بتلك السهولة، وأن إسقاط نظام عسكري مستبد حكم ستين عاما أصعب من ذلك بكثير.

كيف نعرف أن هذا النظام (أو أي نظام) قد سقط؟ بمعنى آخر إذا كان إسقاط رأس النظام ليس كافيا، فما الذي ينبغي فعله لإسقاط النظام؟ ما هي علامات السقوط؟

إنها -في رأيي- علامات عشر:

أولا: فتح أرشيف أجهزة الأمن للمواطنين والمؤرخين
 
لن يسقط هذا النظام ما دام أرشيف أجهزة الأمن محفوظا في السراديب بعيدا عن الناس، وعلى كل من يحكم هذا البلد وهو يريد أن يسقط هذا النظام، وأن ينشئ دولة جديدة، أن يعلم أن هذا الأرشيف القذر لا بد أن يظهر للناس وللمؤرخين، لكي يعلموا أي دولة تلك التي عاشوا فيها ستة عقود.

لا بد أن يصبح من حق كل مواطن (إذا أراد) أن يدخل إلى أرشيف المخابرات وأمن الدولة بنفسه، وأن يطلب ملفه الشخصي، وأن يقرأه كاملا، وأن يعرف من الذي كتب فيه التقارير؟ ومن لفق ضده الأكاذيب؟ ومن الذي تسبب في سجنه ظلما؟ ومن الذي وشى به؟ 

لا بد للمواطن أن يعرف من الذي أحرق كنيسته؟ ومن الذي خرب مدرسته؟ ومن الذي تسبب في كل آلامه!

ولا بد أن يصبح من حق كل المواطنين والمؤرخين والباحثين أن يعرفوا من الذي تسبب في النكسة؟ وكيف حدثت النكسة؟ ومن الذي سرق المال العام؟ وكم أخذ المسؤولون من الرشاوى؟ وكم كانت عمولاتهم في بيع القطاع العام؟ وكيف بيع الغاز والجزر وغيرها؟ وكيف ضيعوا من ثروات البلد على شهواتهم؟ وكيف قايضوا استقلال الأمة الوطني بحفنة دولارات و"رز"!؟

المصريون يعرفون بعض إجابات هذه الأسئلة من خلال أرشيف الدول الأخرى، أما أرشيفنا نحن فهو (سري للغاية)!

كل ذلك لكي يستر النظام العسكري نفسه، ولكي يحمي قيادته من حساب الأمة.

ليس معنى كلامي أن نفضح أسرار الدولة، بل معناه أن نراقب الدولة، وأن نحاسبها، وأن تتعلم الأمة من أخطائها، كل ذلك وفق ضوابط واضحة في قانون لحرية تداول المعلومات، مثل سائر الدول التي تقدمت.
إذا ظل هذا الأرشيف بعيدا عن عيون الناس ... سيبقى هذا النظام حيا، ولن يسقط أبدا!

ثانيا: فتح التعيين في المناصب والوظائف الحساسة أمام سائر أصحاب الكفاءات

إذا ظلت هناك قيود على انضمام الناس لأجهزة الأمن، ولسلك القضاء، وللسلك الدبلوماسي، ولمجالات الإعلام، والبيزنيس، وغيرها، وإذا ظلت الموافقات الأمنية في كل هذه الأمور معيارا ثابتا.. فسيبقى هذا النظام حيا، مهما استأصلنا من أطرافه.

الوصول لأي منصب في الدولة له طريقان.. الانتخاب أو الكفاءة.

لا بد أن تصبح الكفاءة هي معيار سائر الوظائف، وخصوصا الوظائف الحساسة في الدولة، في الأجهزة الأمنية والرقابية وغيرها.

ثالثا: إلغاء الاحتفال بتواريخ تمجيد النظام العسكري

ليس شرطا أن نحاسب جميع أركان النظام السابق لكي يسقط، السيناريوهات كثيرة جدا، فمن الممكن أن يهربوا، ولكن لا يمكن أن يسقط هذا النظام ما دمنا نحتفل بتواريخه التي عظمها في أذهان الناس، مثل عطلة 23 تموز/ يوليو مثلا.

هذه التواريخ لا بد أن يُمحى الاحتفال بها من ذاكرة الجيل الجديد تماما، ولا بد أن يفهم الشباب الملابسات الحقيقية لهذه التواريخ، ويستتبع ذلك أسماء الشوارع والمؤسسات على هذه المناسبات.
لا بد أن تختفي حقبة الحكم العسكري بأعيادها وتواريخها من حياة الناس.

ومن أهم ما ينبغي أن يختفي ويتغير علم الدولة المصرية الحالي، هذا العلم ذو النسر الذي لا يعبر سوى عن الاحتلال الإنجليزي والدولة العسكرية، دولة الأسياد والعبيد، وخير علم يعبر عن المصريين هو علم ثورة 1919 الأخضر ذو الهلال والنجمات الثلاث.. ولعلي أكتب عن هذا الأمر بالتفصيل إذا سمح الوقت.

رابعا: تصحيح مقررات التاريخ في المدارس

لن يسقط هذا النظام إذا استمرت حقبة الحكم العسكري في كتاب التاريخ في مناهج أطفالنا الصغار مكتوبة بالكامل على أنها فترة وطنية ذات إنجازات، بينما تتجاهل هذه المقررات كل ما وقع في تاريخ مصر من أحداث وما نشأ من حركات. 

لا بديل عن كتابة هذه الفترة بشكل لا يتجاهل حقيقة الأحداث، ولا بد من روايتها بشكلها ووصفها الحقيقي، أنها كانت فترة استبداد، وانتهكت فيها حقوق الناس، وكانت ذلا وخرابا، وتعطيلا للتنمية، وتفريطا في الاستقلال الوطني، وأنها انتهت بقيام ثورة يناير، التي أعادت للمصريين كرامتهم، وحقهم في اختيار من يحكمهم.  

خامسا: تصحيح الروايات المزورة للتاريخ في الأعمال الفنية الموجهة

لن تسقط دولة العسكر ما دامت سائر (أو حتى غالبية) المسلسلات والأفلام السينيمائية تردد الرواية الرسمية ذاتها عن وطنية الدولة، وعن وطنية أجهزة الدولة القمعية.

لذلك لا بد من منع بعض هذه الأفلام والمسلسلات من العرض في شاشات الدولة الرسمية، والمقصود هنا أن تمنع الرواية "المتطرفة" للأحداث، الرواية التي تزور التاريخ بصفاقة، والأهم من ذلك دعم كل من يروي الرواية الحقيقية للأحداث خلال هذه الحقبة.

لا بد من رواية طغيان من طغى، وبطولات من قاوموا.

فيلم مثل "البرئ"، لا يكفي، فهناك ملايين "الأبرياء" الذين يستحقون رواية مظالهم، ولابد أيضا من تقديم أفلام ومسلسلات تشرح حقائق التاريخ بشكل موضوعي، وتظهر سفه ما تربت عليه أجيال كاملة من أعمال فنية موجهة.

لا بد أن يسمع الناس سائر المسكوت عنه، وأن يسمعوا مظالم تلك الحقبة السوداء.

ومن أهم ما ينبغي الحذر منه في هذا الشأن أن لا يتم تشويه الدور الوطني للجيش، بل لا بد وأن تعترف الأعمال الفنية بالانتصارات (العسكرية) للمؤسسة، مع نسبتها للشعب كله، بحيث لا تكون هذه الأعمال دعوة لإسقاط المؤسسة العسكرية، بل تكون بيانا لرفض تورطها في الحكم.

سادسا: رفع القداسة عن منصب رئيس الدولة وزير الدفاع وعن ميزانية الجيش

ليس مهما ما نكتبه في دستورنا عن الجيش، بل الأهم هو التطبيق العملي في الحياة، فإذا افترضنا أننا لم نكتب في الدستور أي مميزات للقوات المسلحة، ولكن ظل منصب وزير الدفاع منصبا لا يجرؤ أي رئيس على الاقتراب منه، وإذا ظل محرما على المدنيين، فاعلم أن الدولة العسكرية ما زالت قائمة.

وما دامت ميزانية القوات المسلحة سرا لا يعرفه أحد، ولا يراجعه أحد، وما دام هناك مؤسسة عسكرية تقول للناس (لا أحد يقترب من عرقنا)، وما دام المجندون من أجل خدمة العلم يعملون في مشاريع تجارية لا علاقة لها بخدمة العلم، وما دامت كل أراضي مصر مملوكة للمؤسسة العسكرية.. إلخ، ما دام كل ذلك قائما فاعلم أنك تعيش في دولة عسكرية بامتياز.

كل هذه الأوضاع الخاطئة لا بد من تصحيحها بالتدريج (أو بضربة قاضية.. حسب الظروف)، وتأكد أنها أوضاع يمكن تصحيحها بسهولة لو تعاونت المؤسسة العسكرية، خلال خمس سنوات، أقل قليلا أو أكثر قليلا.

سابعا: الشفافية في مخصصات كبار القادة

لن يسقط هذا النظام ما دامت مخصصات كبار قادة المؤسسة العسكرية خارج رقابة الدولة، وما دامت ميزانية الجيش خارج رقابة المؤسسات المنتخبة، وما دامت قوانين الدولة تجعل المؤسسة العسكرية مالكا لسائر أراضي الدولة.

ليس هناك أي مشكلة في أن تكون هناك مميزات مالية لضباط الجيش، خصوصا الضباط الشباب، ولكن المشكلة في مخصصات كبار القادة التي تكلف ميزانية الجيش مليارات سنويا.

هذا النفوذ (غير المرئي) لهؤلاء، وهذه الثروات التي لا تملك أي جهة أن تراقبها، لا يمكن أن تكون في دولة مدنية أو شبه مدنية!

وإذا ظلت هذه الأمور كما هي، فتأكد أن النظام العسكري ما زال قائما كما هو.

والهدف هنا ليس تجريد القوات المسلحة من مميزاتها بحيث تتحول إلى مؤسسة غير فاعلة، ولكن الهدف هو إخضاع هذه المؤسسة لمراقبة الشعب الذي يهب هذه المؤسسة ميزانيتها من قوت يومه، وهذا هو ما يمكنها من أداء دورها، ويمنعها من الانحراف.

ثامنا: تفعيل حرمة الحياة الخاصة للمواطنين

إمكانيات الحكومة في مراقبة المواطنين ليست عيبا، أكثر الحكومات ديمقراطية في العالم تستطيع أن تراقب كل شيء، وأي شيء، ولكنها لا يمكن أن تفعل ذلك إلا بقيود ثقيلة، وبتصريحات من جهة قضائية مستقلة، ولأسباب تتعلق حقيقةً لا هزلا بالأمن القومي للدولة أو بالجريمة، ولو تجرأت أي سلطة تنفيذية على مراقبة أي مواطن دون هذا الإذن من القضاء، فتأكد أن الحكومة كلها ستكون في ورطة كبرى، وأن فضيحة عظمى ستهز المجتمع هزا.

لذلك أقول مجددا: ليست العبرة بأن تضع في الدستور والقانون حرمة الحياة الخاصة، ولكن المهم أن تصبح تلك الحياة الشخصية للمواطنين محرمة فعلا، وأن يدفع من يعتدي على حرمة المواطنين ثمنا سياسيا وجنائيا باهظا، سواء كان المعتدي شخصا، أو هيئة، أو وزارة، أو حتى مؤسسة سيادية غير مدنية.

واعلم أن الحياة الخاصة ما دامت منتهكة، فإن الدولة العسكرية قائمة.

الحكم العسكري هو الذي يستطيع أن يتجسس، وأن يراقب، وأن يقتحم البيوت، وأن يقبض على المشتبه بهم، وأن يعتقل دون حساب، وأن يمارس الإخفاء القسري، الحكم العسكري هو الذي يفعل ذلك دون عقاب!

تاسعا: مراجعة سائر ما يتعلق بالسجون

إذا ظلت كل هذه السجون في مصر، دون أن يتحول بعضها متاحف تذكر الناس بانتصارهم على شواهد حقبة مضت إلى غير رجعة، ودون أن يتحول بعضها إلى منافع لعامة الناس، فاعلم أن دولة العسكر مستمرة.

تحجيم هذه السجون يعني أن تتغير فلسفة المشرع نفسها، بحيث لا يصبح المواطن مسجونا في كل كبيرة وصغيرة، وبحيث تكون فلسفة العقاب هي إعادة تأهيل المخطئ بحيث يندمج مع مجتمعه ويفيده لا أن يخرج إليه أكثر إجراماً وبأساً وبؤسا. 

ومن أهم ما يتعلق بهذا الشأن أن تتغير الحياة داخل السجون، وأن تصبح مراقبة من سلطة قضائية، وأن تراعي الحد الأدنى من التعامل الإنساني.

عاشرا: دمج ضباط وأفراد الجيش والشرطة في المجتمع

إذا ظل أفراد المؤسسة العسكرية والشرطة معزولين عن المجتمع فتأكد أن النظام العسكري ما زال يتنفس.

ما زلت أحتفظ حتى اليوم بصداقات لضباط جيش وشرطة، وسبب ذلك أنهم كانوا جيراني، وكان ذلك في السبعينات وأوائل الثمانينيات، ثم تغير الأمر وأصبح هناك ما يشبه (المستعمرات) المخصصة لضباط الجيش والشرطة.

هذه العزلة مضرة، وتبرر لهم -مع الوقت- التعالي على الناس بلا منطق.

لا معنى لوجود أندية ومستشفيات ومصايف ومدارس مخصصة فقط للجيش والشرطة، المعنى الوحيد الذي يتحقق بذلك هو معنى التفوق، معنى التكبر على بقية الناس.

سيقول قائل : هناك أندية لأساتذة الجامعات، ومستشفيات للعاملين في مصر للطيران، ومرفق الكهرباء.. إلخ

وكل هذا كلام صحيح، ولكني أعترض عليه أيضا، فمن المفترض أن تتوفر المرافق والخدمات للجميع بالتساوي، ولكن في النهاية، لا أحد في الدولة يتوفر له سائر احتياجاته بشكل مستقل سوى ضباط الجيش والشرطة، لقد وصل الأمر لدرجة تخصيص (سوبر ماركت) لهم فقط، لا يدخله سواهم، ولا يبيع إلا لهم!!!

الخلاصة.. إذا رأيت هذه الأشياء العشرة متحققة على الأرض عمليا، فاعلم أنك قد قضيت على النظام العسكري فعلا، وحينها لا تحمل هم المكتوب في الدستور والقانون، فقد أثبتت التجربة أن النظم العسكرية قد تكتبت أعظم الدساتير، ثم تلقيها في سلة المهملات عند التطبيق.

أما إذا لم تتحقق هذه الأشياء كلها أو بعضها.. فاعلم أن نظاما عسكريا ما زال حيا رغم كل المظاهر والشكليات التي قد يوحي بعكس ذلك، واعلم أنه سوف يعيد ترتيب أوراقه لكي ينقض على السلطة مرة أخرى عاجلا أو آجلا، وبأي طريقة تتيسر له.

هذه كلمة للتاريخ.. أكتبها لكل الثوار، للحاضرين، وللذين لم يأتوا بعد، عسى أن يُنتفع بها.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..

عبدالرحمن يوسف
موقع إلكتروني: www.arahman.net
بريد إلكتروني: [email protected]
التعليقات (1)
محمد الدمرداش
الأحد، 16-10-2016 08:36 م
العقد الاجتماعي الضمني ....................... أن العلاقة بين الحاكمين و المحكومين علاقة عقد اجتماعي ضمني تراضي فيه طرفان على موقعه في الدولة و مما لا شك فيه عندما ننظر إلى أنحاء المعمورة فإن الطبقة الحاكمة متميزة بميزات عن الطبقات المحكومة و في الدول الناجحة تكون الميزات في مكونات الطبقة الحاكمة مؤهلة لنمو و تطور و نهوض مطرد ينعكس بشكل واضح على قاع المجتمع و تواجد حد أدنى للعدل كما أنها تكون مميزة في استحقاقاتها مع غض طرف الجميع عما ترفل فيه لأنها كان سباقة في تقديم الخير للجميع فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية حوالى 75 مليون في عمر الشباب هم القوى المحركة للاقتصاد الذى يقوم على المستهلك و هم أيضاً المكبلين بديون التعليم الجامعي و الرهن العقاري و متطلبات العصر من التكنولوجيا و تستقطب أصواتهم في الانتخابات الدورية بتأثير دعاية و أعلام ليس عن جهل منهم بل باختيار منهم لما هو أنسب و ليس في وعيهم الجمعي أي ثورة بل نستطيع أن نقول حرية تعبير . أما نحن في مصر فالطبقة الحاكمة جاءت عنوة و أستمرت قهراً رغم حتف شعب سواء المدرك الواعي أو الجاهل أو المغيب و مسلوب فكره و عقله و أستمرت الطبقة الحاكمة أكثر من ستة عقود و لكنها لم تحفظ لنفسها مكانها فكان من البديهي أن ينضج الوعى و يتولد الغليان و أن كان مكبوت و تطفو الثورة على السطح و يدرك الجميع أن جميع النظم العسكرية في جميع أنحاء العام و ليس في مصر وحدها لم تفلح في أدارة دولة و لم تقدم لقاع المجتمع غير الذل و الهوان و القهر و الجوع و الجهل و المرض و ضيق ذات اليد فحتماً و لابد أن تتوارى حقبة حكم العسكر في مصر لفشلها في أدارة دولة و لكنها على جانب أخر مؤسسة ذات أهمية في كل دولة إذا ما أحسنت الأعداد و التدريب و أنتاج سلاحها فهي الدرع الحامي الواقي للحريات و السيادة وضمان استقرار لنهوض و تطور و نمو اقتصادي .