كتاب عربي 21

تبخّرت العلاقات

عبد الرحمن يوسف
مقال
مقال
يظن كثير من الناس أن الحياة على هذا الكوكب في العصور الماضية تشبه الحياة عليه اليوم، والحقيقة أن الفروق كبيرة، في الماضي كانت الوسائل العلمية المتاحة قليلة، والحقائق العلمية الثابتة قليلة، والأباطيل والأكاذيب التي لا أصل لها كثيرة، بل كثيرة جدا..

كما أن العلاقات بين البشر كانت مختلفة، في طبيعتها، وقوانينها، في مودتها وبغضائها، في استمرارها وانقطاعها.. كانت العلاقات بين البشر لها قوانين مختلفة تماما عما هي عليه اليوم..

ونحن اليوم ترى الواحد فينا يتحدث باستخفاف عن القدماء، كل امرئ يتحدث اليوم عن الأجداد القدماء وسذاجتهم، وكيف كانوا يخافون من البرق والرعد، والخسوف والكسوف، وكيف كانوا يتوجهون للسماء إذا جاء وباء، وكيف كانوا يعتقدون معتقدات مضحكة.. والغريب أن الغالبية العظمى من هؤلاء الناس يتحدث الواحد فيهم وكأنه على يقين أنه لو عاش في العصور القديمة سيكون أرسطو، ولو عاش في العصور الوسطى سيكون "جاليليو جاليليو"، ولو عاش في عصر النهضة سيكون "دافنشي".. والحقيقة أن الغالبية الساحقة ممن يستخفون بالأجداد في العصور الماضية لو عاشوا في عصورهم لكانوا مثلهم، بل ربما أسوأ منهم، بل الحقيقة المُرَّةَ أن غالبية من ينظرون لأجدادهم باستخفاف هم من مغفلي هذا العصر، يؤمنون بما فيه من مؤامرات ليس عليها دليل، ومخدوعون بما فيه من مظاهر تافهة من قشور الحضارة، ومدمنون لكل أمراض عصرهم، بداية من "الجانك فوود".. وصولا لإدمان الأجهزة الإلكترونية.. مرورا بالنظرة الاستهلاكية العقيمة لكل شيء..
غالبية من ينظرون لأجدادهم باستخفاف هم من مغفلي هذا العصر، يؤمنون بما فيه من مؤامرات ليس عليها دليل، ومخدوعون بما فيه من مظاهر تافهة من قشور الحضارة، ومدمنون لكل أمراض عصرهم، بداية من "الجانك فوود".. وصولا لإدمان الأجهزة الإلكترونية.. مرورا بالنظرة الاستهلاكية العقيمة لكل شيء

تخيل هناك من ينظر بريبة لبعض اللقاحات الحديثة ضد بعض الأمراض اليوم، وهو يظن نفسه بذلك إنسانا ذكيا، يظن نفسه ليس ساذجا مثل القدماء، فهو إنسان متعلم، ولا يعلم المسكين أنه مثل جدوده بالضبط.. فقد تخيلوا الأدوية واللقاحات عملا شيطانيا، أو اعتبروها مؤامرة ضد الأمة من أعدائها (هذا ما حدث في مصر ضد لقاح الكوليرا على سبيل المثال، حيث اعتبر المصريون ذلك مؤامرة من المحتل الإنجليزي في ذلك الوقت، والهدف هو قتل المصريين، أو القضاء على فحولة الرجال ليتم القضاء على الأمة بشكل غير مباشر)!

أجدادنا الذين سبقونا معذورون، فهم لم يملكوا نصف ما نملكه من وسائل التعليم، ولا ربع ما نملكه من وسائل التثبت من المعلومات، ولا عُشر ما نملكه من مسلّمات علمية لا يتطرق إليها الشك بأي حال من الأحوال، إذ مرّت باختبارات في معامل لا يرقى الشك لنتائجها.

ولكن عزيزي القارئ لا تبتئس.. أنا لا أغمط حق أجيالنا الحديثة، نحن أيضا لنا نضالاتنا، ونحن المعاصرين في بعض الأمور حالنا أسوأ من أجدادنا، فهم في عصورهم لم يتسلط عليهم عُشر معشار ما تملكه حكوماتنا من مؤسسات مليارية الميزانية لا هدف لها سوى تضليل العقول، وتغييب الوعي، ولم يخطر ببال أحدهم أن العالم كله سيكون مهددا بضغطة زر من شخص موتور يملك حقيبة نووية ذات أكواد.

أجدادنا ما عاشوا في العصر الذي تتحكم فيه شركات متعددة الجنسيات لا هدف لها سوى الربح حتى لو باعت لحم الإنسان مقددا، وتتجسس على كل حركة وسكنة يقوم بها المرء عن طريق هاتفه النقال، وبطاقته الائتمانية، وتذاكر سفره، وتفضيلاته في مواقع التواصل، بل وصل الأمر إلى إحصاء الأنفاس ودقات القلب عن طريق ساعات ذكية تحصي كل شيء يحدث داخل أعضائه الداخلية.. أشياء لا يعرفها المرء عن نفسه أصلا!

لقد تغيرت الدنيا، والإنسان المعاصر معجب بنفسه حد الامتلاء، كل هذا في الوقت الذي يعاني فيه خواء روحيا قاتلا.. خواء روحيا لم يصب الغالبية العظمى من أجدادنا القدماء، لقد عاشوا حياة أعمق مما عشنا، كثير منهم لم يرَ الرفاهية التي رأينا، ولكنهم عرفوا الرضا، وبالرضا عاشوا أهنأ بالا، وأسعد حالا..
الإنسان المعاصر معجب بنفسه حد الامتلاء، كل هذا في الوقت الذي يعاني فيه خواء روحيا قاتلا.. خواء روحيا لم يصب الغالبية العظمى من أجدادنا القدماء، لقد عاشوا حياة أعمق مما عشنا، كثير منهم لم يرَ الرفاهية التي رأينا، ولكنهم عرفوا الرضا

* * *

سمعت للمرة الأولى عن "العلاقات السائلة" من أستاذي الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وكان دائما يضرب مثالا رائعا على الفارق بين علاقات الأمس، وعلاقات اليوم بقصة زواج أبيه من أمه..

وخلاصة القصة أن عائلة "المسيري" قررت أن تخطب فتاة من عائلة "الكاتب".. وما حدث أن الأسرة ذهبت لمعاينة العروس، وبعد دخولهم للمنزل، اكتشفوا أنهم دخلوا منزلا آخر، وأنهم في هذه اللحظة في ضيافة عائلة "الحلبي"..

وبعد عدة دقائق من المداولات استقر رأي "آل المسيري" على أن هذه العائلة التي هم في ضيافتها ليست أقل من الأسرة التي كانوا ينتوون أن يخطبوا منها، وأنهم بيت فضل وكرم ومروءة.. لذلك بادروهم بالسؤال: "هل عندكم آنسة في سن الزواج؟"، فرد الآخرون بالإيجاب.. وهكذا تزوج والد الدكتور عبد الوهاب المسيري من أمه.. وكانت عائلة سعيدة متراحمة.. ربت أبناء أقل ما يقال عنهم أنهم نفعوا أمتهم، وبلادهم، وأسرتهم، وأنفسهم، وأبنائهم!

صحيح أن هذه القصة لم يروها الدكتور عبد الوهاب وكأنها أنموذج لما يبنغي أن تكون عليه الحياة، ولم يكن راضيا كل الرضا عن ما حدث فيها، وقد تبدو هذه القصة لأجيال اليوم ضربا من الخيال، بل قد تبدو وكأنها -من شدة غرور وسطحية الإنسان المعاصر- إهانة للمرأة (الزوجة)، وقد يعتبرها البعض إهانة للزوج أيضا.

والحقيقة أن ذاك الزمن كانت العلاقات الإنسانية فيه أعمق بكثير من تلك العلاقات السطحية التي نراها اليوم..

تلك العلاقات ذات البعد الواحد، فالزواج أساسه الحب، والحب معناه النظرة الأولى، وهي علاقة بين شخصين، يحاربان الكون كله ليلتم شملهما.. لقد صوّرت السينيما الزواج بدلا من كونه مصاهرة بين عائلتين كريمتين، إلى أنه شكل من أشكال التمرد على المجتمع!

والنتيجة يدفعها مئات الملايين اليوم!

* * *

تمكنت الأفكار الاستهلاكية من عقول الناس.. جلّ الناس.. أصبح الاستهلاك عقيدة، كل شيء له سعر، وخلال عملية "التسعير" تلك.. ضاعت القيمة!

يقول صديقي الحكيم المجرب إن الزواج الأول الذي لا تسبقه خبرات يفكر فيه المرء بطريقة ساذجة.. يخبرني أنه في الزواج الأول كان يفكر في تكلفة زواجه من المرأة (محبوبته) التي أمامه، ولكنه بعد أن جرب الزواج والطلاق.. اختلف الأمر..

يقول أصبحت حين أرى امرأة أرغب في الزواج منها أفكر في تكلفة الطلاق قبل أن أفكر في تكلفة الزواج!
العملية الحسابية التي أجراها هذا الصديق خلاصتها أن تكلفة الطلاق هي ضعف تكلفة الزواج، وفي حالة وجود أولاد ففي العادة تكون التكلفة ثلاثة إلى أربعة أضعاف

العملية الحسابية التي أجراها هذا الصديق خلاصتها أن تكلفة الطلاق هي ضعف تكلفة الزواج، وفي حالة وجود أولاد ففي العادة تكون التكلفة ثلاثة إلى أربعة أضعاف.. والله يضاعف لمن يشاء..

كيف تبنى البيوت اليوم؟

كيف يستطيع الإنسان أن يفكر في بناء بيت أساسه المودة والرحمة؟

* * *

يقول صديقي الطيب.. أريد امرأة مثل أمي..

قلت له "أمك كانت زوجة أبيك.. فهل أنت مثل أبيك؟ أو تشبهه حتى؟"..

كانت تبريراته كمن أمسك نفسه متلبسا بجريمة لم يقصدها..

نحن في زمن يتغير بسرعة، ولم يعد أحد قادرا على ملاحقة هذا الزمن، أزعم أن حتى شباب اليوم أصبحوا غير قادرين على ملاحقة هذا الزمن، يرهقهم أن تتغير قواعد اللعبة كل فترة قصيرة، ودون إشعار مسبق.. سواء في عالم الأعمال، أو في عالم العلاقات الإنسانية..
نحن في زمن يتغير بسرعة، ولم يعد أحد قادرا على ملاحقة هذا الزمن، أزعم أن حتى شباب اليوم أصبحوا غير قادرين على ملاحقة هذا الزمن، يرهقهم أن تتغير قواعد اللعبة كل فترة قصيرة، ودون إشعار مسبق

ولا أظن أن هناك حلا لما نحن فيه سوى أن نعود بشكل جماعي إلى فطرة الإنسان، تلك الفطرة التي خلقها الله فينا، وكلما تمسكنا بها ازدادت سعادتنا.

وأساس ذلك أن نتخلص من شكليات الاستهلاك، ومن تقديس المنفعة، ومن اعتبار المتعة المادية هي أساس السعادة.

قد يبدو كلاما شاعريا، مستحيلا، ولكن الذي يحدث اليوم في علاقات البشر أصبح فوق احتمال البشر.. كل البشر.. أي بشر!

حوادث القتل الرهيبة التي ترتكب اليوم بحق آنسات في سن الزهور تدل على أن تسليع المرأة قد أصبح عقيدة يعتنقها ملايين الرجال (وهو نظرة متبادلة بين الجنسين للأسف)، بل تدل على أن حياتنا قد أصبحت عملية "شوبنج"، وكل ما هو أمامنا مجرد عمليات حسابية بالأرقام، واختفى الجانب الروحي.. الإنساني.. أو كاد يختفي عند غالبيةٍ من أهل هذا الزمن الصعب..

لو كان أستاذي المسيري حيا اليوم، لقلت له إن العلاقات السائلة التي حدثتنا عنها لم تعد موجودة، حتى تلك العلاقات السائلة.. تبخرت!

twitter.com/arahmanyusuf
موقع الكتروني: www.arahman.net

النقاش (1)
عبد الله
الإثنين، 15-08-2022 04:11 ص
من نزل ببلدة ينتشر فيها الربا وحدثهم عن الزنا فقد خان الله ورسوله