كتاب عربي 21

المعتدلون..

عبد الرحمن يوسف
1300x600
1300x600

لماذا قتل محمد بن سلمان الشهيد جمال خاشقجي رحمه الله؟

الإجابة التي يرددها غالبية المتحدثين في هذا الشأن.. لأنه - بشكل من الأشكال - معارض لتوجهات نظام الحكم، أو للنموذج الذي يقدمه ابن سلمان، أو للنموذج الذي يحاول أن يلفقه بالتعاون مع ابن زايد والعصابة (إياها) من الصهاينة العرب.

والحقيقة أن هذه الإجابة - برغم ما فيها من كلام منطقي سليم - ليست دقيقة، وليس فيها السبب الحقيقي لتصفية جمال خاشقجي.

في رأيي أن السبب الحقيقي لتصفية جمال - وكل جمال - هو اعتداله.. نحن أمام أنظمة عربية تخاف من المعارضين المعتدلين، ويسعدها جدا وجود التيارات المتطرفة، والتنظيمات المسلحة.. أما هؤلاء الذين يقاومون استبدادهم بالكلمة، ويكتسبون مصداقية لدى الناس، ويتابعهم الملايين بسبب عقلانيتهم واعتدالهم.. فتراهم حكوماتنا العربية أكبر خطر عليهم.. إنهم معبودو الجماهير، ومفجرو الثورات، وقدوات الشباب.. وهذا لعمري لأمر خطير في نظرهم.

 

نحن أمام أنظمة عربية تخاف من المعارضين المعتدلين، ويسعدها جدا وجود التيارات المتطرفة، والتنظيمات المسلحة

* * *

في الماضي.. كانت الأنظمة لا تبالي بهؤلاء المعتدلين، كانت تحتقرهم..

هؤلاء لا يملكون موارد تذكر، ولا يملكون وسائل تواصل مع الناس، وإسقاطهم في أي انتخابات أمر أبسط من بسيط.. فهم مجموعة من المثقفين المعزولين في أبراجهم العاجية، لا تأثير لهم إلا في نخب لا يمكن أن تتحرك بشكل يؤدي إلى مشكلة، فلماذا يحمل النظام هم التعامل معهم؟!

في عصر مبارك على سبيل المثال، لم يكن من أحد يبالي بهؤلاء الواقفين على سلم نقابة الصحفيين، يهتفون بسقوط مبارك (الأب، والابن)، وكانت الإجراءات التي تتخذ ضدهم لا تقارن بما أصبحوا يواجهونه بعد ذلك بسنوات.

لقد فوجئت الأنظمة العربية أن تأثير هؤلاء "المعتدلين" أكبر مما تتخيل، وتبيّن أنهم قد سبقوا الدولة بعدة خطوات في استثمار وسائل التواصل الحديثة، وهو ما كفل لهم توجيه ضربة قاضية لرأس النظام في زمن قياسي (في عدة دول).

 

فوجئت الأنظمة العربية أن تأثير هؤلاء "المعتدلين" أكبر مما تتخيل، وتبيّن أنهم قد سبقوا الدولة بعدة خطوات في استثمار وسائل التواصل الحديثة

هذه التجربة ما زالت حتى اليوم هي المتحكم الأكبر في تصرفات الأنظمة العربية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي.. لقد أصبحوا مرعوبين من هؤلاء المعارضين المعتدلين، ويرون فيهم الخطر الأكبر.

* * *

ولكن لماذا ترتعب الأنظمة العربية من المعتدلين أكثر من المتطرفين ودعاة العنف؟

لعدة أسباب، أهمها أن حركات التطرف والعنف بطبيعتها لا تستطيع استقطاب جماهر غفيرة، بل تكون مبنية على أساس من السرية، ومحدودية العدد. فالحركات المسلحة لن ينضم لها سوى من يستطيع حمل السلاح، ويؤمن بجدوى هذا الطريق الوعر.

أما الحركات التي تدعو إلى التغيير السياسي السلمي.. فهي قائمة بطبيعتها على استقطاب الجماهير الغفيرة، من كافة الأعمار والطبقات والأجناس، والانضمام لها مفتوح على مصراعيه.

التنظيمات المسلحة لا تريد الجماهير، بينما المعتدلون لا يريدون إلا الجماهير.

التنظيمات المسلحة ترغب في الحكم، وترى أن الطريق للحكم هو السلاح، ومن يصل للحكم بالسلاح لن يبالي بالناس، فهو ليس مدينا لهم بشيء.

أما المعتدلون فهم لا يرغبون في الحكم كغاية، بل يرغبون فيه كوسيلة، وكثير منهم يرفضون المناصب، ويفضلون أن يكونوا في مركز قوة يؤثر على متخذ القرار.

المعتدلون يرغبون في أن تتاح للشعوب فرصة اختيار الحاكم دون تهديد السلاح، أيا كان حامل ذاك السلاح.

ومن أهم أسباب خوف الأنظمة العربية من المعارضين المعتدلين هو أنهم يلعبون في ملعب لا تتقنه السلطة، وهو ملعب الأفكار..

 

من أهم أسباب خوف الأنظمة العربية من المعارضين المعتدلين هو أنهم يلعبون في ملعب لا تتقنه السلطة، وهو ملعب الأفكار..

المعتدلون يواجهون هراء السلطة بنور العلم، يملكون عصا موسى، والسلطات العربية لا تملك سوى بعض عصي سحرة فرعون..

أما دعاة العنف فهم يلعبون في الملعب الذي تتفوق فيه الأنظمة تفوقا كاملا، فهي بطبيعتها تتقن لعبة العنف، ولا ضوابط أخلاقية لديها في استخدامه، ولا يحاسبها قانون حين تبطش بحامل سلاح يهدد الأمن..

وبالتالي.. من المريح جدا للمستبد أن يكون معارضوه حاملين للكلاشينكوف، لأنه سيطلق عليهم الرصاص بلا رحمة، وبمنتهى الكفاءة، ثم سيُظهر ذلك للمجتمع الدولي كانتصار على الإرهاب، بل سيطلب من المجتمع الدولي ثمن مقاومته لهذا الإرهاب.. ثمنا ماديا ومعنويا.

أما المعارض الذي يحمل القلم.. فهذا شخص مُتعِب، مُحيّر، لا تعرف السلطات العربية كيف يمكن أن تتعامل معه، لذلك قتلوا جمال خاشقجي، إذ لم يكن من الممكن أن يرسلوا له فريقا يناظره في أفكاره داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.. كان لا بد أن يرسلوا له فريقا لاغتياله.. فهذه صنعتهم.. جمال كان يلاعبهم "شطرنج"، وهم يلعبون المصارعة!

 

من المريح جدا للمستبد أن يكون معارضوه حاملين للكلاشينكوف، لأنه سيطلق عليهم الرصاص بلا رحمة، وبمنتهى الكفاءة، ثم سيُظهر ذلك للمجتمع الدولي كانتصار على الإرهاب، بل سيطلب من المجتمع الدولي ثمن مقاومته لهذا الإرهاب.. ثمنا ماديا ومعنويا

* * *

واجبنا اليوم كمقاومين للاستبداد، أن نحافظ على اعتدالنا، فهو الورقة الرابحة التي تجمع حولنا جماهير الشعب التي تتوق لتغيير أوطانها.

ولكن.. هناك من يخلط بين "الاعتدال" وبين أمور أخرى ليست من الاعتدال في شيء!

الاعتدال لا يعني أن نركن للظالمين، أو أن نقبل بالاستبداد، أو أن نتهم كل من يخالفنا بالتطرف، أو أن نقبل بأجندات أجنبية تنال من استقلالنا الوطني.. هذه الأشياء يروّج لها البعض لتشويه الاعتدال، وتجميل التطرف.

معنى أن تكون معتدلا هو أن تدعو لإسقاط تلك الأنظمة العميلة سلما لا عنفا، وأن تدعو لمنح الشعوب - كل الشعوب - حق اختيار الحاكم، ومراقبته، ومعاقبته.

معنى أن تكون معتدلا هو أن تقاوم الانقلابات العسكرية في كل مكان في العالم، وأن ترى في دولة القانون حلا لكل مشاكل الأمم، تلك الدولة المدنية التي يخضع لها الجميع، حتى هؤلاء الذين يحملون السلاح من الجيش والشرطة.

معنى أن تكون معتدلا هو أن ترفض كل أشكال الاستبداد، مهما تقنعت بأردية من الوطنية أو الدين أو الضرورات الأمنية أو غيرها..

* * *

من المهم في هذا المقام أن نحذر من أن ظاهرة العنف ستعود، فعشرات الآلاف من المعتقلين الشباب في كثير من الدول العربية اليوم يتعرضون لكل ما يمكن أن يحولهم من "معتدلين" إلى شيء آخر.

 

من المهم في هذا المقام أن نحذر من أن ظاهرة العنف ستعود، فعشرات الآلاف من المعتقلين الشباب في كثير من الدول العربية اليوم يتعرضون لكل ما يمكن أن يحولهم من "معتدلين" إلى شيء آخر

ومن المهم أن نعلم أن الحوار مع هؤلاء الشباب هو السبيل الوحيد للحفاظ على أوطاننا، وأن دور المعتدلين هو فهم الظاهرة، واستشراف مستقبل مواجهتها، ومقاومة الأنظمة التي تصنعها.

سقوط أنظمة الاستبداد قريب، وحينها لا بد من مواجهة كل تلك الأفكار، ولا بد من إنصاف المظلومين ضمن برنامج عدالة انتقالية واضح، وهذا بلا شك دور المعتدلين، واللجوء للحلول الأمنية دون عقل واع لن يزيد الأزمة إلا تفاقما.

* * *

تعليق على تطبيع جديد:

قررت الدولة المغربية ركوب قطار التطبيع (أعني بشكل علني بعد عشرات السنين من الركوب خفية)، أما الشعب المغربي فغالبيته العظمى ترى في التطبيع رجسا من عمل الشيطان.

مهما فعلتم يا حكام العرب.. ستظل الشعوب مع فلسطين.. وضد إسرائيل.. ضدكم!

* * *

كلمة حزينة أخيرة:

رحم الله المهندس أيمن عبد الغني.. كان نموذجا للاعتدال، وللحوار العاقل مع الشباب، وللسياسي الذي تستطيع أن تثق فيه رغم خلافك معه.. وما أندر ذلك اليوم..

twitter.com/arahmanyusuf

موقع إلكتروني: www.arahman.net

التعليقات (4)
محمد الشرقي
الثلاثاء، 15-12-2020 05:07 م
الحقيقة عندما أتناول مسألتى التشدد والإعتدال بشئ من النظر والتحليل في ضؤ واقعنا الملتبس فإننا نلتمس هنا المرجعية الدينية ، فالمعنى المقصود هنا ليست الأراء والمواقف الخاصة التي يقول بها ويتبناها هذا أو ذاك حول هذه المسألة حتى لو كانوا من أهل التخصص إذا لم يكن لديهم الملكة والحس الفقهي المتميز والإستناد الراسخ بشكل مبدئي على الأصول الشرعية والقواعد العلمية ، فالمعتمد هنا هو ما يصل إليه الإجتهاد الفقهي الأصولي من الأراء والترجيحات لتبني التوجهات والخيارات المختلفة في ضؤ محكمات الشريعة وقواعدها وأصولها بشكل منهجي .
محمد الشرقي
الثلاثاء، 15-12-2020 01:44 م
وبدون شك أن الإعتدال أكثر إستنارة وأكثر قدرة على التعامل والتعاطي المتوازن مع المعضلات والقضايا العالقة بالمقارنة بكثير من المواقف التي تقوم على الشدة والتصلب والإنفعال وتجاهل النهيات والنتائج والمآلات ، ولكن الإعتدال لايجب مطلقا أن يعني لدى أصحابها المراهنة على المواقف الجامدة والخاسرة ، ولايجب أن يعني الوقوف عند الخطوط والحدود الفاصلة التي يستغلها ويتحرك فيها الآخر العدو كيفما شاء من أجل تحقيق أهدافه . فممارسة الإعتدال يجب أن يكون بإعتدال ، وكذلك التشد يجب أن لايتجاهل الإعتدال المؤدي للوصول للأهداف على المدى البعيد بشكل أفضل ، إن الإندفاع نحو الأهداف في غياب الرؤية الشاملة الواضحة التي تستوعب المشهد كله لن يؤدي إلا إلى تعقيد الصورة وتجاهل المشهد وتعكير الميدان . والمشكلة أننا عندما نتعامل مع القيم المعيارية الكبرى كثيرا ما نفقد القدرة على وضع السكين بدقة على المفصل خاصة عندما يحتمل مفهوم المصطلح الذي نتعامل معه أكثر من معنى ، وهنا يصبح التعامل معه أكثر تعقيدا في ظل ظرف يعكس التعقيد في كل مسارات الواقع . ويمكن القول بأن بنية الإعتدال أكثر قوة ورسوخا وأكثر قدرة على المواجهة طويلة المدى ، وهذا يقتضي تنويع أساليب وطرائق العمل وميكانزمات المواجهة ، ومن ناحية أخرى عدم الربط بين الإعتدال والإستنامة الذي يعني ضعف فاعلية الحراك المطلوب . فالإعتدال يساعدنا على رؤية الأمور كما هى بدون مبالغة وبدون شطط ، وبدون الخضوع لمخرجات الإنفعال الضاغط الذي يسيطر على وضوح الرؤية ومجاري التفكير ويدفع نحو القيام بأعمال لم تستوف حظها من النظر والتأمل والتدقيق . فنظرية الإعتدال التي يراهن عليها البعض ليست قانونا ثابتا بل هى نظرية تملك القابلة للتغيير والتحوير والإضافة والخصم حسب ظروف ومتغيرات الواقع ، وكذلك التشدد والتطرف يخضعان لإكراهات وتعقيدات الواقع الضاغط . ويمكن أن نسمي هذا الشكل وهذا النمط من الصراع البيني بإستراتيجية المواجهة الفعالة التي تعطي كل نقطة وكل مفردة حظها من النظر وتوفيرمتطلباتها من المقومات والآليات لتحقيق الأهداف المطلوبة دون إستنفاد كل الأرصدة المتاحة .
محمد الشرقي
الإثنين، 14-12-2020 09:37 ص
إذا كان العنف بات يشكل الوسيلة الرئيسة التي تحرس الإستبداد وتمد في عمره ، وإذا كان الإعتدال لا يملك أدوات الحسم ، وكثيرا من يعاني من الإحتباس والأسر وألا فاعلية ، فإننا سوف نكون قبالة معادلة لاتملك أن تمنحنا مفاتيح الحل مطلقا تلك هى النتيجة. بدون شك أن الإعتدال حالة إستراتيجية لها إعتبارها ويجب التشبث بها والمحافظة عليها وتزويدها بآليات وأدوات المواجهة المبدعة التي تساهم في مواجهة الأوضاع المأساوية التي نعيشها أى كانت درجتها حتى لاتصبح عديمة الفائدة والجدوى والتأثير ، والمشكلة التي يجب أن نتخوف منها لاتتعلق بالإعتدال والعنف بحد ذاته ، ولكن تتعلق بالكيفيات وطرائق الإستخدام لكلاهما في الوقع . ومن هنا أرى عدم إمكانية المراهنة على الإعتدال أو العنف بالمطلق ، إلا بالرجوع إلى تحديد الأنسب والأنفع والأصلح من الوسيلتين حسب الحالة أو المرحلة التي نمر بها و في ضؤ المعايير والإعتبارات الشرعية الواضحة المرشدة . ولايكفي هنا لترجيح جانب معين أن نعتيره دائما الجانب المجدي والمناسب لمجرد أننا نميل إليه ونعتيره الجانب الأسلم والأقوم والأرشد . فالمسألة أوسع وأكبر وأعقد من ذلك بكثير . فالخيارات قد تكون متعددة أمامنا ولكننا كثيرا ما نجنح إلى أحادية الطرح الذي قد يشكل طرحا مبتوت الصلة بمتغيرات الواقع و يستند بشكل ما إلى الجانب الغامض أو المظلم من الرؤية او الخيارالإيديولوجي الذي نعتمده في وقت ما ، فالمسألة أوسع من نطاق هذه الثنائية التي تعكس التبسيط إلى حد بعيد . ثم أن الإعتدال أو التطرف كثيرا ما يكونا نسبيين، ولذك يمكن أن يحتملا النظر إليهما عبر زوايا عديدة من أجل الوصول إلى المزيد من الفهم .
الأسوة الحسنة
الأحد، 13-12-2020 06:53 م
أنظمة عربية تخاف من المعارضين المعتدلين! كيف !! سجون مصر مليئة بالمعتدليين رحم الله المسلمين جميعا، الإعتدال مع أهله و في مكانه. منذ إنقلاب تركيا لا زالت العدالة ترمي بالإنقلابيين في السجون ماذا لو فعلنا نفس الشيء مع عسكر الإنقلاب يوم كانت لدينا الفرصة. لا ندعوا إلى العنف و لا ننسى قوله عز وجل " وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ"