كتاب عربي 21

صحفيون ... "نيجاتيف"

1300x600
يجلس العقيد المتقاعد هشام أبو الوفا داخل مقهى، والتوتر باد على محياه، بعد أن صار بلا شغل منذ توقيفه عن العمل في المباحث بعد انتفاضة يناير 1977، التي عاشتها مصر على مدار يومين "تاريخيين". في المقهى ذاته كان يجلس الصحفي مجدي عز العرب.

يتوجه مجدي إلى حيث يجلس هشام.

الصحفي مجدي: صباح الخير يا أستاذ هشام.

العقيد هشام: صباح الخير.

الصحفي مجدي: حضرتك مش فاكرني. أنا مجدي عز العرب الصحفي إيلي حققت معاه واتهمتني بإثارة الرأي العام والعمل على قلب نظام الحكم.

العقيد هشام: لأ، مش فاكر.

الصحفي مجدي: طبعا معذور. تفتكر مين ولا مين.

العقيد هشام: حضرتك عايز إيه دلوقتي.

الصحفي مجدي: مجرد دردشة.

العقيد هشام: مش فاضي.

الصحفي مجدي: أنت عارف التهمة إيلي لفقتها لي كان ممكن ترميني في السجن شهور ولا سنين لولا أن بعض المسؤولين في الدولة إيلي بيعرفوني كويس وقفوا جنبي لغاية ما انتهى الموضوع . انتهى الموضوع وجوايا سؤال محيرني: إنت كنت بتعمل كده ليه؟ بتدور على شهرة أو مجد أو ترقية ولا علاوة؟ وإيه اللذة إيلي أنت بتلاقيها لما تلفق لواحد تهمة؟

العقيد هشام: لذة ايه يا راجل أنت؟ أنا شغلي أني أحمي البلد.

الصحفي مجدي: ومين إيلي أقنعك أن التصرفات ده هي إيلي بتحمي البلد؟ ومين إيلي فهمك أصلا أنك أكثر وطنية مني ومن إيلي قبضت عليهم؟

العقيد هشام: لأ، أوقف عندك. أنا مبسمحلكش باللهجة ده.

الصحفي مجدي: طبعا مش متعود على المناقشة. متحبش تسمع إلا صوتك بس.

العقيد هشام: هو ده أسلوب المتطرفين.

الصحفي مجدي: شايف أديك منحتني تهمة جديدة. طبعا تشكيلة التهم متوفرة عندك ولو كنت دلوقتي على مكتبك قاعد على كرسيك وسط الهيلمان والسلطة كانت الأقوال اترصت والتقارير اتكتبت وألف حسرة على إيلي يوقع تحت إيدك.

العقيد هشام: أنا خدمت البلد ولولاي لكانت الفوضى خربت كل حاجة. إحنا يا حضرة الصحفي في حالة حرب ومسؤوليتنا حراسة البلد من الأعداء.

الصحفي مجدي: الحرب الحقيقية إحنا عارفين جذورها وأطرافها. إنما الحرب إيلي إنت بتتكلم عليها مش موجودة إلا في تفكيرك وتفكير إيلي زيك. أنتم اخترعتوها علشان توقعوا الناس في بعض، تلخبطوا الحاكم وتشغلوا الناس بأعداء وهميين. الحمد لله أنك طلعت على المعاش يا أخي.
العقيد هشام: أنت أكيد عميل أجنبي.

هذا مشهد كتبه رؤوف توفيق لفيلم (زوجة رجل مهم) الذي أخرجه محمد خان في العام 1987. بعد ثلاثين سنة تقريبا، يظل المشهد معبرا بأمانة وصدق عن وضع العلاقة بين السلطة القائمة بمصر والصحافة هناك. ربما كان الاختلاف الوحيد أن الحاكم الانقلابي هو الذي اخترع الحرب منذ طلبه الشهير بالتفويض، وأن الأمنيين المتقاعدين هم الذين ينظرون لها على صفحات الجرائد والفضائيات، وأن "الزملاء" الصحفيين هم الذين ينصبون المشانق للخارجين عن طوع سلطة الانقلاب.

قبل أيام، حولت محكمة مصرية أوراق ستة متهمين إلى المفتي، مما يمهد لإصدارها حكما بالإعدام في حقهم، بينهم أربعة إعلاميين، والتهمة "العمالة لدولة أجنبية". منطق العقيد هشام أبو الوفا لا يزال ساري المفعول بأرض الكنانة التي تحولت إلى سجن كبير للصحافيين، كما بقية المواطنين، بعد أن حلت في الرتبة الثانية عالميا في العام 2015 في سجن الصحافيين بعد الصين. وبعد تحويل أوراق "قضية التخابر مع قطر" إلى المفتي خطت الدولة المصرية خطوة هامة في طريق إقرار جمهورية "أرض الخوف" في بلد صار فيه العمل الصحافي جريمة كاملة الأركان.
القاهرة 30، المخرج صلاح أبو سيف، سنة الإنتاج 1966..

صحفيو مجلة (النور الجديد) في اجتماع لهيئة التحرير.

علي طه: أنا كل إيلي يهمني دلوقتي أن إحنا نقدم للشعب حاجة جديدة. حاجة تفيده وتنفعه، تنوره. حاجة تكون مختلفة عن كل الحاجات إيلي بتقدمها المجلات التانية إيلي بتطلع علينا كل يوم علشان تخدرنا. عاوزين نلاقي باب ثابت في المجلة نقدم فيه الأفكار الجديدة، باب يكون زي الشباك للقارئ مفتوح على انتصارات الإنسان في كل مكان في العالم. انتصار على الجهل، انتصار على الظلم وعلى الاستبداد.

صحفي 1: معنى كده لازم نشيل باب الاجتماعيات.

علي طه: شيله فورا من غير مناقشة.

صحفي 2: نشيلوه ازاي يا علي. ده باب الاجتماعيات هو المادة الخفيفة الوحيدة في المجلة. 
علي طه: لما نيجي نختار بين رغيف العيش وصباع الشوكولاتة نبقى نختار رغيف العيش. الحرية والديمقراطية وعرق الفلاح ألزم لحياتنا وأنفع من فلانة إيلي حبت فلان أو علان إيلي خطفته الرقاصة الفلانية من مراته أو حفلات الست إكرام نيروز.

صحفي 3: عندك حق. أنا معاك يا علي.

يدخل الصحفي أحمد بدير، رمزا للصحافة الصفراء.

أحمد بدير: السلام عليكم، كيف حال الفرسان؟

علي طه: بلاش تريقة. خش شوف الماكيت وقلنا رأيك.

أحمد بدير (وهو يقرأ المجلة): رأيي؟ أين ذهب عرق الفلاح؟ نحو مجتمع جديد؟ الديمقراطية طريق الشعب؟ رأيي أنكم ترجعوا وظايفكم أحسن. ده مش صحافة ده. الصحافة لها أصول. الصحافة أسرار، عواطف، فضايح..

صحفي 4: وفين قصص الحب عندك يا أحمد؟

أحمد بدير: الحب المطلوب في الصحافة حب المغامرات، حب إوض النوم الوردية..
علي طه: ده تبقى دعارة.

أحمد بدير : دعارة؟ والله ما انتم عارفين ألف باء من أصول الصحافة. عددين وحتقفلوا بإذن الله. ده لو ماتصادرتوش من أول عدد.

علي طه: ولا يهمك. 

أحمد بدير : اسمع يا علي، البوليس مفتح عينيه قد كده. إذا كنت ناوي تحبكها وتطلع المجلة بومب وبارود يبقى الله يرحمك ويحسن إليك.

علي طه: ح يشنقوني يعني؟

المتابع للتغيير الفاضح لاهتمامات الإعلام المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو يلاحظ أن مساحة النقاش السياسي، التي ازدهرت في عهد ما بعد 25 يناير، انحسرت لفائدة برامج الترفيه والألعاب لدرجة الالتجاء ل"بركات" وجوه متصابيات ساد الاعتقاد أنهن غادرن الشاشات بلا رجعة. بل وصل الأمر بصحافيين "ملتزمين" إلى تحويل برامجهم إلى مجرد جلسات للدجل والتطبيل والنفاق. كثير من هؤلاء كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم "علي طه" عهد ما بعد الاستقلال قبل أن يبيعوا المبدأ ويبحثوا لهم عن موطئ قدم تحت بيادة العسكر خدما وماسحي حذاء.

وعندما تجرأ الحاكم العسكري لمصر على إطلاق رجاله لاقتحام مقر نقابتهم "العتيدة" لم يجدوا غير التباكي على ما وقع وتقديم القرابين لقائد الانقلاب حتى يتكرم ويتدخل لحماية "حرية الرأي والتعبير". عبد الفتاح السيسي صفع الجميع ووقف "شامخا" في الفرافرة وبجانبه وزير داخليته "البوزيتيف" ليعلن أمام الجميع أنه "مبيخافش". فما كان من "جبناء المهنة الصحفية" إلا أن عقدوا اجتماعا للأسرة الصحفية للانقلاب على مقررات الجمعية العمومية للنقابة بعد أن دبجوا المقالات في نقد "تسييس" ضبط وإحضار مطلوبين.

كان عاديا جدا أن يكون اقتحام نقابة الصحافيين وتخوينها من طرف "المواطنين الشرفاء" الرد الطبيعي للعسكر بعد أن شهدت أياما قبلها "أكبر" تجمع مضاد لقائد الانقلاب. فالتاريخ يشهد أن سلالم النقابة شهدت بدايات الحراك الذي انتهى في الأخير إلى ما تابعه العالم في الخامس والعشرين من يناير وما تلاه من أحداث. واقتحام النقابة أكبر إهانة يمكن أن توجه لمن اعتاد الناس أن يلقوا إليهم ب"المظالم" وانتظار الحل على أيديهم اعتقادا منهم أن للصحافة سلطة الرقابة الشعبية على الحكام. واليوم صار ثابتا للقريب والبعيد أن تلك الصحافة لا تستطيع رد المظالم عنها فكيف لها أن تصير ملاذا للمظلومين.
عودة إلى (زوجة رجل مهم)..

داخل مكتب بمقر المباحث يزيل العقيد هشام أبو الوفا ساعته اليدوية كتهديد مبطن للصحفي مجدي عز العرب قبل بدء التحقيق معه.

العقيد هشام: هو سعر الدولار بقا بكام في السوق دلوقتي؟

الصحفي مجدي: سؤال غريب. ايه علاقة سعر الدولار بالتحقيق إيلي انتم طالبني فيه ده؟

العقيد هشام (ضاحكا): علاقة قوية جدا. أومال يعني حتكتب في الجرايد والمجلات برا مصر لوجه الله يعني.

الصحفي مجدي: ده إهانة لا أقبلها.

العقيد هشام: متتحمأش أوي ورد على سؤالي.

الصحفي مجدي: أي سؤال بالضبط؟

العقيد هشام: أنت بتكتب ليه برا مصر؟

الصحفي مجدي: لأني ممنوع من الكتابة جوا مصر.

العقيد هشام: معاك ما يثبت أنك ممنوع من الكتابة جوا مصر؟

الصحفي مجدي: حضرتك عارف أن المسائل ده مبتتكتبش في قرارات وإنما بتكون تعليمات بالتجميد وعدم النشر..

العقيد هشام: حتى إذا افترضنا ده، فهل معناه أنك تكتب برا مصر تهاجم بلدك، أرضك إيلي ربتك وعلمتك يا أستاذ؟

الصحفي مجدي: أنا مهاجمتش مصر في أي كلمة كتبتها. أنا بأهاجم الأوضاع الغلط.

العقيد هشام: حضرتك بتقصد الأوضاع الغلط في الحكم؟

الصحفي مجدي: أيوه.

العقيد هشام (موجها كلامه لزميل له): خلاص يا أخي ده اعتراف رسمي منه أنه ضد نظام الحكم وبيكتب لإثارة البلبلة والشكوك وتهييج الرأي العام.

بعدها بسنوات أدى الفنان أحمد زكي (العقيد هشام أبو الوفا) دور الصحفي حسام منير في فيلم (امرأة واحدة لا تكفي-1990) للمخرجة إيناس الدغيدي.

وفي محاضرة له بالجامعة سألته الطالبة (ريم).

ريم: قل لي يا أستاذ حسام، هل الصحافة هي السبب في تخلف الرأي العام أم أن الرأي العام هو السبب في تخلف الصحافة؟

حسام: ممكن يا آنسة تبسطي سؤالك شوية علشان زمايلك يفهموه.

ريم: ببساطة كده، يعني مين إيلي جايب الثاني ورا، الصحافة ولا الناس إيلي بقرؤوها؟
لم يجد حسام منير ما يجيب به.

وفي وساوس زميله فوزي بأن ريم عميلة للمخابرات مكلفة بتتبع تحركاتهما، يدخل عليه شاويش الجريدة.

الشاويش: أستاذ حسام، شوقي بيه قالب الدنيا عليك وعاوزك ضروري.

حسام (موجها كلامه لفوزي): ورئيس التحرير بيعمل لحساب مين؟

فوزي: لحساب عباس القهوجي.

لم يعد رؤساء التحرير يتبعون عباس القهوجي بل صاروا في زمن العسكر يأتمرون بأوامر عباس آخر هو عباس كامل..