كتاب عربي 21

نوبل المتواطئ ضد الشعوب!

1300x600
تونس تحصل على نوبلها الأول. نوبل للسلام للرباعي الراعي للحوار في تونس. ماء في طاحونة إعلام المافيا الذي سمح له الحوار الوطني بالتنفس. مازال الشعب التونسي لم يسترد أنفاسه من محاولة الاغتيال التي تعرض لها نائب في البرلمان (يوم 08-10-2015) حتى نزل عليهم الخبر نزولا سيختلفون حوله كعادتهم بين من يراه مجدا ومن يراه صاعقة. أنا ممن سيراه أبد الدهر إهانة بالغة لذكاء شعب مكافح بصبر ضد الدولة وضد النخب الفاسدة التي تتلقى أوامرها من السفارات. فليس الرباعي الوطني عندي أكثر من مجموعات ضغط تضع استراتيجياتها الداخلية مستقوية بالأجنبي خاصة منها منظمة الأعراف التي تحكم البلد من وراء ستار المجتمع المدني وهي الكذبة التونسية الأشهر.

الرباعي من يكون؟
 

الرباعي الذي فرض حوارا سياسيا مع حكومة الترويكا التي أفرزتها انتخابات 2011 يتكون من المنظمات الأربع التالية: منظمة الأعراف (الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة UTICA) والاتحاد العام التونسي للشغل UGTT) والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة المحامين. وهي جهات رتبت أمرها (أو رتب لها وهو الأسلم) وفرضت الحوار بعد اغتيال الحاج البراهمي واتهام حزب النهضة به. وذلك عقب الانقلاب العسكري المصري (صيف 2013) وضمن أجواء اعتصام إسقاط المسار التأسيسي الذي ارتضاه الشعب في أول انتخابات ديمقراطية في تاريخه. كانت هناك منظمات وطنية أخرى مهتمة بالشأن الوطني لم يتم إشراكها بل منعها من المشاركة مثل منظمة الفلاحين ونقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة وغيرها كثير. 

المنظمات الأربعة منظمات مسيَّسة تتبع خطا سياسيا عادى الثورة وسعى إلى حرفها إلى مطلبية مهنية وقطاعية بعيدا عن التأسيس الديمقراطي الذي جاءت به. واتخذ لذلك كل السبل غير الأخلاقية ومنها استغلال الاغتيالات التي لم يعرف مرتكبوها حتى الآن لتحقيق أهداف سياسية. 

محاولة إعلاء النموذج التونسي

 نعتقد أن مانحي الجائزة لا يتجاهلون الوقائع اليومية التي جرت في تونس وخاصة 36 ألف إضراب التي قادها الاتحاد وحماها خارج القانون واللوائح ليسقط حكومة منتخبة. وهو الأمر الذي جعل قطاعا واسعا من التونسيين ينفرون من كل تغيير سياسي ومدني حقيقي كان يمكن أن يحدث لو لم تحرف الثورة إلى الفوضى النقابية. وهو العمل الذي أعتقد أنه يستحق المرور أمام محاكم جرائم الحرب لا أمام لجان الجوائز. الاتحاد في تقدير التونسيين الخائفين منه وهم كثر يعتبر مسؤولا عن "جرائم سياسية" وقد منحته الجائزة قدرة إضافية على أن يتحول إلى قاطع طريق سياسي في المستقبل القريب والبعيد. أما نقابة الأعراف فهي الحاكم الفعلي الذي يعبث بثروات البلاد وبنوكها وثرواتها الطبيعية ويتخذ أجهزة الدولة أداة لخدمة لوبياته الجهوية والقطاعية. رغم ذلك فإن الجائزة جاءت لتسوق لهذا النموذج التونسي الذي يقال إنه بنى الديمقراطية في حين أنه خرّب الدولة والسياسة وقضى على أمل الناس في التأسيس المدني. 

النموذج يراد له أن يعمم بهذا التسويق النوبلي: "أيها العرب اتبعوا تونس لا تحتربوا فيما بينكم ولا تنقلبوا وتنظروا ما فعل التلميذ التونسي النجيب". لكن ماذا خلف السلم الظاهر الذي يراد تسويقه؟ 

خلف هذا السلام الكاذب عملية تفريغ ثورة من مضمونها الديمقراطي وإعادة تنصيب النظام القديم نظام المصالح واللوبيات التي سرقت الدولة من أهلها وسرقت الثورة من شعبها وتسرق مستقبل التونسيين باسم السلم الاجتماعي لتمنع كل تطور في اتجاه الديمقراطية الحقيقية. وما الجائزة إلا تحريض على المزيد من السلطة لمنظفة الأعراف وتوابعها على التحكم في البلد.

النموذج التونسي العبقري، بعد أن كانت تونس تنعت بالتلميذ النجيب زمن المخلوع لفرط انضباطها لتعليمات المقرضين الدوليين، منذ مدة يتم تداول هذه الحيلة على أنها حيلة ناجحة ومنصوح بها كوصفة طبية لمرضى الدكتاتوريات. نفس الذين يروجونها منعوا حكومة الترويكا المنتخبة من الحصول على قروض مبرمة ومتفق عليها لكي تسقط وقد سقطت وسلمت للرباعي كي يقود ويصفيها)، وهؤلاء أنفسهم من دعموا انقلابا عسكريا في مصر ووقفوا مع نظام دموي في سوريا وغطوا تدخلا عسكريا في البحرين واليمن. في تونس يبدو قتل الديمقراطية دون دم عملا عبقريا يستحق جائزة وقد حصل عليها. وهاهو الآن يملك وسيلة دعاية جيدة ليشارك في صناعة المستقبل خارج الديمقراطية بل بسند خارجي يملك صناع القيم وتوجيه الإعلام ومنح جوائز للنجباء. إن مطالب المانح التي يفرضها بالجائزة هي: أعيدوا النظام الذي كان قبل الثورة وابقوا الوضع على ما هو عليه ستحصلون على أكثر من جائزة للسلام.

السلام ضد الديمقراطية مثل السلام ضد الحرية

علاقة العرب بنوبل عامة مبينة على ريبة فباستثناء أحمد زويل العالم (جائزة الفيزياء) فإن بقية الجوائز مطعون في صدقها وأسبابها. عند الأدب يتذكر العرب قممهم الأدبية فيضعون درويش مقابل محفوظ فيشكون في الجائزة. وعند السلام نتذكر السادات وكارثة الاتفاقية ثم عرفات وكارثة أوسلو فيظهر لنا من الجائزة غرض لا نقبله. هناك دوما ظل صفقة مريبة ضد الأمة وقضاياها. جائزة تونس هي جائزة لوئد ثورة وتفتيت مطالبها. كان هناك انقلاب وكان الرباعي يرعاه لكنه فشل من عجزهم ومن قلة حيلتهم واختلافهم ولم يكن الحوار محايدا بل استئصاليا ضامن معركة عمرها أكثر من 40 سنة منعت كل تقدم على طريق الديمقراطية. استقوى الرباعي بالخارج وذهب أنصاره إلى البرلمان الأوربي يطالبون بحل المجلس المنتخب في نفس الذي يحاصرونه.

لذلك، فهذه الجائزة من حيث الدور والفعالية تطابق ما منح للمخلوع من دعم سياسي ومال طيلة فترة حكمه ليواصل معركة الغرب (كل الغرب) ضد كل احتمال للديمقراطية في تونس (ولا شك أننا نجد أمثلة أخرى مطابقة أو مشابهة في بلدان أخرى/ انظر انقلابات إفريقيا). وسوء النية واضح في المنح لأن الرباعي لم يكن يحاور ظله (في مونولوغ عاطفي رومانسي) بل كان أمامه خصم سياسي لذلك لا معنى لمنح الجائزة لأحد طرفي الحوار ونسيان مقابله على الطاولة إلا ما يبيت من أمر للبلد. اصطناع قيادة جديدة بمواصفات نوبلية.

الصورة من الخارج (الذي يعرف الكواليس أكثر من أهل البلاد) سيكون هناك حزب إسلامي قوي في المستقبل وقد نجا من كوارث كثيرة ولكنه لن يمنح الثقة أبدا لذلك وأمام انهيار الحزب القديم (عمود النظام وقوته) لابد من تصنيع بديل سريع. وهنا يظهر دور الجائزة إنها عملية تصنيع بالقوة لقيادة لبلد عاجز عن صناعة قيادته. لأن نخبته العلمانية (المحبوبة والمقبولة غربيا) عاجزة وتافهة ومشغولة بمعارك أصغر مما ينبغي ولا تؤهلها للقيادة وطمأنة المانحين على فلوسهم في تونس.

إنها حالة كومسيون مالي جديد كالذي فرض على حكام فاسدين سلموا البلد للسفارات والقناصل في نهاية القرن 19. مهزلة أخرى ويزيدها هزالا أن قائد النقابة لا يحسن الإمضاء.