قضايا وآراء

العامل الذاتي في هلاك الأمم وفناء الحضارات

1300x600
يفرد القرآن مساحة واسعة لقصص الذين خلوا من قبلنا ولتذكيرنا بتدبر عاقبة أمرهم وتحذيرنا من اتباع سننهم: 

"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"، "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ"، "وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ"، "وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ"، "وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، "كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ"، "كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا"، "فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ"، "وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ"، "وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وبالليل أفلا تعقلون"، "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ منْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ".

تأتي قيمة هذا الحضور القوي لمشاهد الأمم الغابرة في تنبيهنا على وحدة القانون التاريخي، فالقرآن لم يكن ليذكر لنا قصصهم إلا لما تحتويه من عبرة، والعبرة تعني أن هناك قابليات نفسية مشتركة بيننا وبين تلك الأمم السابقة، فالأمراض التي وقعوا فيها كامنة فينا نحن أيضا، فيمكن من حيث المبدأ أن نكرر ذات الأخطاء فنلقى ذات المصير، ومن هنا فقط تأتي قيمة التحذير والإلحاح علينا في القرآن بتدبر عاقبة أمرهم ودراسة سننهم.

لا يمل القرآن وهو يعقب على قصص الأمم بتذكيرنا بوحدة القانون التاريخي: "كذلك قال الذين من قبلهم"، "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً"، "وما هي من الظالمين ببعيد"، "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، "أكفاركم خير من أولئكم"، "تشابهت قلوبهم"، وهكذا فإن التاريخ يخضع لقوانين تشبه قوانين الكيمياء والأحياء، فتوفُّر ذات المقدمات بين مثالين يقود إلى ذات النتائج "العواقب" بشكل حتمي لا يعرف التبدل ولا التحول، فلا مكان للصدفة والعشوائية والاستثنائية والمحاباة الخاصة في سنن التاريخ.

ربما أبرز ما يتميز به الطرح القرآني في التعامل مع التاريخ هو أن القرآن يبرز المسئولية الذاتية للأمم عن مصائرها، فالأمم وفق التصور القرآني لا تهلك بسبب قسوة ظروف الطبيعة ولا بسبب غزو عدو خارجي، إنما بفعل التحلل الذاتي نتيجة انتشار أمراض الظلم والإفساد والترف والبطر والاستكبار وطمس القلوب والعقول، هذا التفسير مريح للنفس لأنه يحررها من الشعور بالعبثية واللا معنى تجاه الأحداث المفاجئة، ويجعلها قادرة على فهم خط ناظم يحكم الأحداث، كما أن هذا التفسير يمنح أصحابه قوة لأن فهم القوانين الحاكمة للتاريخ يعطي الأمم سلطانا بالإمساك بزمام الأمور وتعديل مصائرها بالمراجعة الذاتية كما حدث مع قوم يونس الذين آمنوا "فمتعناهم حتى حين"، و هذا التفسير يخلق أيضاً في الأمم الجدية ويعلي من رقابتها الأخلاقية لأنها تعلم أنها تؤتى من الداخل لا من الخارج، وأن أي تجاوز أخلاقي فإنما هو بذرة تؤسس لهلاكها، وأن مسألة بقائها أو فنائها ليست مرتهنةً بالمعادلة الدولية أو التحالفات الخارجية بقدر ما هي مرتهنة بقوة المناعة الداخلية وشعور أهلها بالعدل والمساواة والأمن.

في سورة سبأ التي تحمل اسم حضارة اليمن هناك إبراز واضح لمسئولية الأمم الذاتية عن مصائرها، فهذه القصة تظهر التحول من حالة الرغد والأمن إلى حالة الفقر والتمزق بسبب ما أحدثوه في أنفسهم وفق القانون الاجتماعي: "ذلك أن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

يقول الله تعالى:
" لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ () فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ () ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ() وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ() فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ()".

دعونا نصوغ مراحل حضارة سبأ بطريقة رياضية لنستخلص قانونا تاريخيا عاما:

 الحالة الحضارية: الرخاء الاقتصادي وسهولة التواصل وأمان الطرق.
ثمن المحافظة على الحالة الحضارية وتنميتها: الشكر وما يقتضيه من إدراك النعمة والحرص على عدم إضاعتها.
التحول الحادث في النفوس: الإعراض وبطر النعمة وظلم النفس وتمني السيئة بالمباعدة بين الأسفار.
عاقبة التحول: الفقر والتفرق بعد الاجتماع وتمزق وحدتهم.

بهذه المعادلة الرياضية نستطيع أن نلقي إضاءة عامة على مجمل قصص الحضارات دون إسقاط التفاصيل التاريخية والعوامل المتراكبة، لكن كل تفاصيل الأسماء والأحداث التي نقرأها في كتب التاريخ لا بد أن تقود في المشهد النهائي إلى خلاصة مبسطة تمثل قانوناً مطردا.

ما يذكره القرآن في قصص الأمم ليس عوامل غيبية غير قابلة لإخضاعها للتفكيك الاجتماعي والسنن المادية، بل هي قوانين علمية منطقية؛ مثلاً في المشهد الذي بين أيدينا فإن إعراض سبأ وكفرها ليس موقفا إيديولوجيا لا علاقة للغة العلم به، إنما يحمل أبعادا اجتماعيةً ونفسية مما يجعل العلاقة بين هذه الأمراض وبين نتائجها المتمثلة في فناء الحضارة علاقة علمية وليست مجرد إيمان غيبي.

الإعراض والكفر هو انتكاسة نفسية واجتماعية مناقضة للشكر، والإعراض شعور سلبي قوامه الجهل والغفلة والسخط والتذمر وفقدان الرضا والتوافق الداخلي، هذه الحالة السلبية حين تشيع بين الناس في مجتمع من المجتمعات فإنه يصير عاجزاً عن المحافظة على قوته الدافعة الإيجابية فتتراجع قدرته على المحافظة على إنجازات الحضارة وتنميتها فتنقلب أحواله من الرغد الاقتصادي إلى الفقر، وشيوع مشاعر التذمر والسخط ستمس حتماً بوحدة النسيج الاجتماعي فتمزقه كل ممزق، في المقابل فإن الشكر هو حالة إيجابية تغمر النفس فتفيض على أصحابها قوةً روحيةً ونشاطاً إيجابياً ورغبةً في العمل والتنمية، والإنسان الشكور هو إنسان متوافق مع ذاته، وبالتالي فهو متوافق مع المجتمع مما يشكل النواة الأقوى لمجتمع متماسك.

إذاً حين يطالب الله الأمم بالشكر ليزيدها من نعمه ولئلا يغير ما أنعم عليهم فهو لا يطلب شيئا لنفسه إنما ينبهنا لقوانين الحياة: "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه"، فالشكر يعني اكتساب قوة روحية ونشاط إيجابي يكون دافعاً للعمل والإنجاز، الشكر قوة والكفر ارتكاسة ومقت تضر بصاحبها وحده: "إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم".

أما دعاء قوم سبأ أن يباعد الله بين أسفارهم فهو وإن بدا للوهلة الأولى غير مفهوم إلا أنه طبيعي في حالة ارتكاس الإنسان، وأمثلته في القرآن حاضرة مثل طلب بني إسرائيل من موسى أن يخرج لهم من الأرض من عدسها وبصلها وفومها وقثائها بديلاً عن المن والسلوى، ومثل قوله: "ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير"، هذه الحالة تعني السأم من أوضاع الراحة ومبادرة الإنسان باستجلاب الشقاء لنفسه، وهذا ما يمثل النزعة الانتحارية أو إرادة الموت في داخل النفس البشرية: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً".. سأم الإنسان من أحوال الراحة يبرز مسئوليته الذاتية عن مصيره، إن الإنسان في تحد ليس مع الظروف الخارجية وحدها، بل الأهم من ذلك هو في تحد مع قوى الموت والضمور التي تدعوه من داخله لتقتل فيه إرادة الحياة وبهجتها، ويقاس نجاح الإنسان بمدى انتصار إرادة الحياة في داخله على إرادة الموت، وهو ما يساعده الإيمان في تحقيقه، فالإيمان نظرة إيجابية للحياة لا تعرف اليأس ولا القنوط ولا الملل، إنما تعرف الشكر والرضا والعمل.

لكن في محاولة إسقاط الأمثلة القرآنية على واقع اليوم سيبرز أمامنا سؤال عن مدى ملائمة هذه الأمثلة لعصر العلم والتجربة، فإذا كان القرآن يخبرنا عن إرسال سيل العرم على سبأ وعن إهلاك الأقوام السابقة بالريح والصيحة والخسف والإغراق فهل ننتظر أن يهلك الله الأمم والحكام الظالمين اليوم بإحدى هذه الوسائل، وما نصيب هذا الكلام من الواقعية والعلمية؟!

والجواب أني أبرزت في شرح مثال قوم سبأ جانباً من المضامين العلمية التي تظهر علاقة عضوية قابلة للقيام بين المقدمات والنتائج ، والقرآن عموما في ذكره لقصص الأقوام السابقة يركز على القانون التجريدي أكثر من تركيزه على التفاصيل الظرفية، وهو ما يتضح في الآيات الكثيرة التي صدرت بها المقال بأن علة الهلاك الرئيسة هي الظلم بغض النظر عن كيفية هذا الهلاك، أما التدخل الإلهي المباشر في إهلاك الأقوام الظالمة فقد كان معهوداً في مراحل الطفولة البشرية قبل أن يرى الإنسان من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ما يعطيه سلطاناً للفهم والعمل والتغيير بيده، وهو التحول الذي انطوت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إذ إن انتصاره على قومه المكذبين لم يكن بالمعجزات بل وفق سنن التدافع الاجتماعي الطبيعي والتحول التدريجي: "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضهم"، "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، هنا تشير الآيات بوضوح إلى أن الله لا يريد التدخل في التدافع بين الناس بمعجزات، بل يترك العمل لعباده، وفي النهاية ستنتصر سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول عبر الزمان، وإذا كان هلاك الظالمين في العصور الخالية عبر إرسال سيل العرم آيةً فقد نسخها الله بآية خير منها وهي هلاك الظالمين عبر التحلل الذاتي والتفكك الاجتماعي، فهذه آية أعظم على دقة وعدالة الناموس الضابط لهذا الكون: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

إن علة هلاك الظالمين ذاتية، فالظلم بطبيعته يقود إلى تفكك النسيج المجتمعي وإلى مراكمة مشاعر الكراهية والعداء وإلى فقدان الأمن والطمأنينة، وكما أن فقه هذا المنهج القرآني يضفي علينا سكينةً ويقيناً بحتمية انكسار قوى الظلم والاستبداد فإنه في المقابل ينبغي أن يعلي من حذرنا كيلا لا نتبع سنن الذين خلوا من قبلنا فنقع في ذات أمراضهم من ظلم وترف وبطر معيشة وكفر نعمة فيصيبنا مثلما أصابهم.

"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".