قضايا وآراء

قراءة في الدوافع السياسية المصرية لاعتبار حماس "إرهابية"

1300x600
أحدث قرار محكمة القاهرة للأمور المستعجلة اعتبار حركة حماس الفلسطينية حركة إرهابية، ارتدادات كبيرة في البيئتين الإقليمية والداخلية، لما لهذا القرار من انعكاسات إستراتيجية على الصراع العربي – الصهيوني، وبما ينطوي عليه من حدوث تغيرات دراماتيكية على الدور السياسي المصري.

فالقرار لا يمكن فهمه إلا في ضوء حقول الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، كوننا نتحدث عن قرار سياسي محض طبخ في أورقة المستوى السياسي المصري، وتأثر بعدة عوامل أهمها: بنية النظام الهشة، الاجتماع المصري المضطرب، الاقتصاد المهترء، توسل المال، قابلية لعب دور الأداة واستمراء الارتزاق بغية ترسيخ المشروعية السياسية.

وفي ضوء ذلك أجد أنّ دوافع القرار المصري تنحسر في السداسية الآتية:

أولا: من مسلمات حقل السياسة المجبول بالمنهج التاريخي، أن النظم الهشة والتي لا تملك حاضنة شعبية أو اجتماعا مساندا، تسعى جاهدة لاختلاق أعداء خارجيين، وافتعال أزمات في الحيز الإقليمي مستفيدة من توترات الجغرافيا السياسية -المتفجرة أصلا- بفعل التقسيم الاستعماري، وذلك بغية صرف الاجتماع عن مشكلات النظام الداخلية وعدم قدرته على توفير بيئة اجتماعية آمنة.

ثانيا: يهدف النظام إلى "تصنيع الإجماع" أي جعل الرأي العام يؤمن بأمور يرفضها بغية ترسيخ الجهاز الدعائي، وجعل الاجتماع مجرد قطيع حائر يستطيع النظام تشكيله كيفما شاء وإدامة خنوعه وتيهه.

ثالثا: تقبل النظم الهشة طواعية بدور "الأداة" لخدمة أجندات إقليمية ودولية، بغية اجتراح الدعم الذي يبقيها على قيد الحياة السياسية، وفي ضوء تلك الحقيقة فإن القرار المصري سياسي محض يهدف لإرضاء أمريكا والكيان الصهيوني، كون حماس تشكل خطرا استراتيجيا على المشروع الأمريكي في المنطقة شأنها شأن باقي حركات المقاومة.

رابعا: عطفا على النقطة الثالثة، يهدف النظام إلى حرف بوصلة حركة حماس واستنزافها عبر استدراجها إلى أتون معمعات سياسية وعملاتية تقع خارج بؤرة اهتمامها، وتفرضها قهرا مسلمات الجغرافيا السياسية والإرث الثقافي والتاريخي .

خامسا: يهدف النظام أيضا مدفوعا من قبل الكيان، إلى حرمان حماس من "فوائد" الجغرافيا السياسية والإرث الثقافي والتاريخي، بمعني إفقادها للعمق العربي اجتماعيا، والصلات الاثنية والدينية والتاريخية والتي تشكل رافعة للبعد الأنطولوجي "الوجودي".

سادسا: يهدف النظام المصري أيضا إلى محاولة خلق أوراق قوة لتحسين وضعه التفاوضي على الصعيد الإقليمي، خاصة في ضوء الحديث عن تشكل محور إقليمي، حيث يصطدم النظام بالشروط التركية، والنزوع السعودي لأنصاف الحلول وإغلاق ملف العداء الراديكالي مع المشروع الإخواني.

أخيرا، مما لاشك فيه أن القرار سيؤدي إلى زيادة الضغوط على حركة حماس وتوفير مناخات مناسبة لحرب جديدة يفتعلها الكيان بغية تقويض الخطر الاستراتيجي التي تشكله الحركة عليه.

لكن في المقابل هناك عوامل سياسية إقليمية قد تؤدي إلى تراجع النظام المصري، تتعلق بطبيعة الدور التركي وغائيته، وتغير السياسة السعودية، ونزوع دول "سنية" لتشكيل محور إقليمي يملأ الفراغ الذي تسببت به السياسات السعودية في عهد الملك عبد الله، ومآلات الربيع العربي.