كتاب عربي 21

التحرر بين السلمية والعنف

1300x600
(1)

"إنه في صباح اليوم 1 فبراير قام المتهم المتحفظ عليه في المستشفى بتهديد الشرطي المعين لحراسته واستفزاز مشاعره وتوجيه الإهانات له ولأسرته ولهيئة الشرطة والقوات المسلحة والدولة وقياداتها، مهدداً بعزمه على قتله والتمثيل بجثته كما جرى لزملائه، مهللا لما حدث في شمال سيناء، مما أفقد الشرطي السيطرة على شعوره وأطلق عليه النار من سلاحه مما أدى إلى مقتله".
من تصريح مسؤول الإعلام بوزارة الداخلية المصرية.

(2)

السيسي للجيش: لن أكبل أياديكم في الثأر لمصر.
مانشيت جريدة الأخبار الرئيسي 2 فبراير.

(3)

الضابط الذي قتل محمد أحمد لم يكن بحاجة للتأكيد بأن أيديهم لن تكون مكبلة، فهو يعلم جيدا أن أحدا لن يحاسب، فلا الذين قتلوا بيناير وما بعدها حوسبوا، ولا الذين قتلوا المرحَّلين حوسبوا، ولا الذين اغتصبوا فتاة النجدة، ولا غيرهم تمت محاسبته، أقصى ما في الأمر محاكمة صورية، تنتهي بإبعاده عن المنطقة التي شهدت المشكلة، مع الاحتفاظ بنفس النفوذ، الذي يصل للقتل لمجرد استفزاز مشاعر أسياد البلد المرهفة.

(4)

عندما تم اعتقالي واقتيادي لمقر أمن الدولة، وجدنا زوجة أحد الإخوة الهاربين هناك، وكانت واقفة بنقابها ومكبلة من قدميها، ثم قاموا برفعها من قدميها ورأسها لأسفل فانكشف جسدها كاملا، حينها قلت في نفسي لن أكون رجلا إن لم أقتل منهم 50 فردا.

من حوار أحد المتهمين في تنظيم الفنية العسكرية "أول عملية مسلحة في السبعينيات".

(5)

أمثال ذلك القيادي الراحل كُثُر، إلا أن الغضب تجاوز مرحلة الثأر لانكشاف الجسد، وأصبح لأجل الثأر من انتهاكه أو الأشد، تصفيته.

ما يشهده الشارع من حراك بدأ يأخذ الصورة المسلحة تدريجيا، أصبح يمثل خطرا على كل شيء، الأزمة أن إمكانية صرف من اتجه للسلاح باتت معقدة؛ ففاتورة الدم أصبحت مرتفعة، وانتهاك الأعراض كذلك، والنقاش ينطلق من قاعدة أن الحكام لا يتعاملون إلا بالرصاص والقتل، فما الحل؟
والمنطق أن الدولة تحتكر العنف والسلاح لأجل حماية المواطنين، فإذا ما غيرت وظيفتها وجعلتهما للفتك بهم فمن يقوم بالحماية؟

(6)

النقاش العاطفي في تلك المسألة محسوم لجهة المتألم لأن ما أصابه بغير حق، وكذلك هو محسوم من الناحية الحسابية لما يترتب على هذا القرار من مضار يدفع ثمنها الجميع دون استثناء، وكل طلقة تخرج باتجاه أفراد الأمن -الأكثر سلاحا وإجراما- يتم الرد عليها بأضعافها، وكل "ذعر" هناك يقابله "قتل" هنا.

قد يكون هناك فرق -عند المؤيدين لحمل السلاح- بين تواجده في وسط التجمعات السلمية التي ترغب في التظاهر والنضال ضد النظام الحالي، وبين توجيهيه لما يسمى بالعمليات النوعية، وتواجده بالتظاهرات أصبح عبئا عليها، والتوجيه الثاني مساره في المجمل شديد الانحراف؛ إذ إنه يتوجه للهيئات والمصالح، الأمر الذي يترتب عليه إيجاد حالة سخط لتعطل المصالح فوق تعطلها الناشئ من بلادة الهيئات الحكومية.

البيانات التي صدرت عن حركات تحمل السلاح وتربط نفسها بالحراك الحالي يبدو منها أنها تتوجه لضرب الاقتصاد والاستثمار الأجنبي المباشر بالدرجة الأولى، خاصة ما قبل مؤتمر مارس، وفي الخطوط الموازية "بدرجة أبعد" ما أسموه القصاص، ويبدو أن هناك خللا كبيرا في إدراك طبيعة الصراع ووسائله، فنجم عنه ذلك الخلل الأكبر في المسار الذي قد يعصف بكل شيء.

(7)

أهم المدركات -التي لا تزال غائبة- أن المعركة معركة وعي قبل أي شيء، وهنا تُقبل المعركة الصفرية، فإما أن أقوم بتصحيح المدركات أو يقوم الطرف الآخر بتشويهها، ولا مجال لمعركة صفرية بالأرواح، فذلك محال ولن يتم لأي طرف، ولا يمكن لأحد أن يمحو كتلة غير قليلة في هذا الوطن.

معركة الوعي لن تؤتي أُكُلها حين يتم استهداف مناطق الخدمات للمواطنين، فيتم نقل عبء فشل الإدارة للتيار المعارض للدولة، الذي يقوم باستهداف المرافق، ولن تفيد كذلك إذا ارتبطت بقتل على المشاع لجنود يعانون من هموم الحياة المدنية قبل العسكرية، فصار الهم عندهم مضاعفا، ولن تفيد إذا استهدفت الاقتصاد وإن كان الغرض من ضرب الاقتصاد تشويه صورة النظام الحالي وزعزعة ثقة المستثمر الأجنبي، فهو غرض مضر بالجميع لا النظام فحسب.

كفر المجتمع بكل من على الساحة سيجعله يحرقهم جميعا، وفي أفضل الأحوال سيحرق الطرف الأضعف، وأحسب أننا كلنا نعرفه.