قضايا وآراء

غزة..طابت ليلتكِ

1300x600
لأول مرة منذ 50 يوما أو يزيد، تبيت غزة دون قصفٍ أو رد..
الليلة تترك العيون لدمعها العنان دون أن تُضطر لابتلاعها..

تنام أمٌ وتُحيط أطفالها بروحها بعد أن غادرتهم إلى السماء في أيام الحرب الأولى، وأخرى تفيق فزعة لصوت هدم مُتخيل فتهرع إلى احتضانهم وتنسى جنازتهم الجماعية التي غيّبتها عنها كسور في معظم جسدها، وثالثة تحاول أن تمدهم بالدفء في ملجأهم المكشوف فتعجزها ذراعها المبتورة حديثا..

يتفقد الضيف جيشه، يدعو لجرحاه، يستأمن من ارتقوا على سلامٍ مفعمٍ بالشوق لزوجته وشطر روحه.. 

ينزع أبو عبيدة لثامه ويتنفس نسمات النصر ويهلل في صوت لم يعرف سوى الهدير والوعيد..

يخلع طبيبٌ قفاز الجراحة وينزوي في ركن مهدم من مشفاه، يسقي كفّيه بماء عينيه بعد طول ظمأ، تتسلل صور الحرب من بين أنامله ويستجيب لسنة من نومٍ عزّ طلبه..

تقف فتاة  "رفحاوية" في شرفتها، تنظر إلى طريقٍ –يزعمون- أنه مؤدي إلى معبر نحو عالمٍ آخر بوابته مصر، فتبتسم وتهزأ بزعمهم  وترفع بصرها إلى المعبر الذي سافر من خلاله صفوة القادة  وخيرة محاربي القسام..

جندي أذابت الحرب بزته لم يترك رباطه ولم تغره وهج الانتصارات فاكتفى بتنهيدة طويلة زفر بعدها كل الوجع والترقب..

شابٌ عانقت يده يد مخطوبته واصطحبها لتفقد عشهما المقصوف الذي ارتقبا الزفاف إليه –بعد الحرب- فجلسا على ركامه ينتقيا أسماء أولادهما على أسماء أحب الشهداء إليهما..

أبٌ ينظر للجموع الفرِحة من جانب النافذة، لا يجرؤ على مشاركتهم بعد سقوط ابنه في فخ العمالة، فتحجب تجعيدة حديثة الظهور تحت عينه دمعة مرة من الانخراط في شيب لحيته..

وثكلى تأتيها الاتصالات مهنئة بالنصر فتحار بين الرد أو التجاهل كحيرتها بين الفرح والحزن..

وكم من الثكالى فيكِ الليلة يا غزة..! 
ساهرات يحرسن وجعهن، باكيات يحاولن إخماد نار نشبت فيما تبقى من قلوبهن..

وبحر غزة يثور اشتياقا لـ "وحدة الضفادع" التي صاحبها في تدريبها وجهادها، يضرب موجه الرمال علّه يوافق نفقا يلامس فيه قدم مجاهدٍ أو كف مقاومٍ..

وبقايا الركام تنساب من طوابق الأبراج الصامدة في معزوفة هادئة انتظارا لإعمارٍ قريب..

والتاريخ يكتب عنوانا جديدا لا يُمحى وإن دنسه التدليس يوما، فأفئدتنا الصفحات التي لا تُمزق ونبضنا مداد لا يفنى..

والكون يترنم أنتِ لنا الصباح يا غزة..،
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع