تقارير

رمضان فلسطين.. كرنفال من الأضواء والبهجة والتراحم

تحضير مائدة رحمانية في باحة المسجد الأقصى
تتقاسم غالبية البلدان العربية العادات والتقاليد في استقبال شهر رمضان المبارك، وتقترب أكثر في بعض تفاصيلها في بلاد الشام بحكم التقارب الجغرافي وأن المنطقة كانت منطقة متصلة وفقا للتقسيمات العثمانية، إضافة إلى سهولة تنقل السكان وصلات القربى وغيرها.

ويبدأ شهر رمضان في فلسطين من مدينة القدس، حيث المسجد الأقصى الذي أصبح الوصول إليه بالنسبة للقادمين من خارج المدينة صعبا، فالحواجز العسكرية وانتشار جنود الاحتلال على الطرقات وإغلاق مداخل المدينة، كل ذلك جعل المدينة المقدسة معزولة عن العالم، لكن الفلسطينيين ينجحون دائما في الصلاة في المدينة العتيقة متخطين كل الحواجز.


         تنظيف وتكنيس وشطف باحات وساحات المسجد الأقصى مع بداية شهر رمضان

ومثل تقاليد الأسرة العربية تتعمق الروابط الأسرية أكثر في رمضان بفلسطين، عبر الدعوات لتناول الإفطار والسهرات العائلية ولم شمل العائلات حين يلتقون على مائدة واحدة رغم بساطتها.

يبدأ رمضان مع محاولات تحري الهلال، وكانت رؤية الهلال في الماضي أمرا صعبا، بسبب غياب أدوات الرؤية الحديثة، وكان رجال الدين يحملون مكبرات صغيرة ويخرجون بها ويراقبون السماء، حتى يرى أحدهم هلال رمضان.

ومن التقاليد التي كانت متبعة استخدام مدفع رمضان لإعلان بدء الصوم وانتهائه، وكان تشغيل المدفع مرتبطا برؤية الهلال منذ البداية حيث يطلق مع ثبوت رؤية هلال رمضان.

ويكبر الشيوخ والمنشدون معلنين بدء شهر رمضان، فيمضي بعض الفلسطينيين إلى المساجد، والبعض الآخر لزيارة الأقارب، أو الاحتفالات، وتنشر الصحف في نشرتها معلنة أن شهر رمضان قد بدأ.

وكان للمدفع تقاليد وطقوس خاصة به، حيث كانت السلطات البريطانية تقوم بتسليم المدفع لرئيس البلدية أو للمجلس الإسلامي الأعلى، أثناء احتفالات تتخللها خطابات، ويرتل فيها القرآن الكريم، وتوزع حلويات.

ويبدأ الصوم وتزين شوارع فلسطين بالزينة والأضواء وتخف الحركة صباحا، ويمضي الكثيرون وقتهم في الصلاة وقراءة القرآن، أو يتوجهون إلى القدس للصلاة بالمسجد الأقصى.


                                             فوانيس رمضان باجمل الألوان

وحتى يعرف الناس مواعيد الصلوات ومواعيد الإفطار والإمساك اعتادت الصحف والمؤسسات المختلفة على توزيع ما تسمى بإمساكية رمضان، وهي عبارة عن ورقه مطبوعة، يكتب عليها مواعيد الإمساك عن الطعام ومواعيد الإفطار.

ومن مظاهر رمضان التي لا تزال باقية رغم سيطرة التكنولوجيا على حياتنا، وجود المسحراتي الذي يتجول بالكثير من شوارع ومدن فلسطين في الساعات التي تسبق موعد الإمساك وصلاة الفجر، ليطرب بصوته الصباحي الفلسطينيين بالأناشيد الرمضانية والأذكار، ويرافقه الطبل الذي يقرعه حتى يصحو من هو نائم لتناول السحور ومن ثم صلاة الفجر.

ويقبل الناس على شراء الفوانيس لتزيين بيوتهم خلال شهر رمضان فيدخلون البهجة والسرور إلى قلوب أطفالهم، وتعود عادة شراء الفوانيس إلى زمن الفاطميين في مصر.

ويمتاز الشعب الفلسطيني بتنويعه لأصناف الطعام في شهر رمضان، وكل منطقه بفلسطين تتميز بنوع معين من الأكلات، مثل: المقلوبة، والمسخن، والمفتول، والقدرة الخليلية التي تميز موائد غزة والخليل. أما موائد الضفة الغربية فتمتاز بالمسخن والمنسف، ولا تخلو موائد الإفطار الفلسطينية من المتبلات، والمخللات بجميع أنواعها، والسلطات المختلفة، والزيتون.


                                                          المسخن الفلسطيني

وبعد تناول الطعام يأتي دور الحلويات حيث القطايف بأنواعها: الجوز، الجبنة، القشدة، العصافيري، والفستق الحلبي. إضافة إلى المشروبات المتنوعة ومنها: الخروب، الكركديه، قمر الدين، عرق السوس، التمر هندي.

ومن العادات المتوارثه عند الشعب الفلسطيني، والتي تحافظ على الجيرة الحسنة، هي تبادل صحون الإفطار فهذه العادة لا تغيب بين الأسر والجيران، وهي تحث ربات البيوت على الإبداع في إعداد الأكلات بهدف التباهي.

ومن العادات قيام كبير العائلة أو أحد أفراد العائلة، بدعوة أبنائه وأقاربه للاجتماع على مائدة إفطار واحدة.

كما أنه يقوم بزيارة أرحامه ويقدم لهم الهدايا بمناسبة الشهر الفضيل، وهذا يتم أحيانا بعد الإفطار.

ويحرص الفلسطينيون على عمارة المساجد خلال شهر رمضان، فترى الصغار والكبار يقبلون على أداء الفرائض في المساجد، وبشكل خاص صلاتي الفجر والتراويح، كما أنهم يقبلون على حلقات العلم وتلاوة القرآن الكريم، وشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك أيام الجمعة وليلة القدر.

على مر العصور واختلاف الأزمنة وأمام رحى التكنولوجيا والتطور، فقد احتفظ شهر رمضان في فلسطين بسمات وعادات ومظاهر ثقافية خاصة تناقلتها وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، بتزيين المنازل والمساجد والشوارع والأزقة والميادين الرئيسية، ومنح فرصة أكبر للترابط الأسري، والأجواء الروحانية، فتبدو فلسطين كأنها كرنفال احتفالي مدجج بالزينة والمصابيح والفوانيس، التي أخذت تتلألأ بالأضواء في استقبال هذا الزائر الذي يحمل معه الرحمة والألفة والتراحم بين الناس والمغفرة والثواب العظيم.

المصادر

ـ رمضان في فلسطين.. يبدأ من القدس بتقاليد متوارثة، صحيفة الاتحاد الإماراتية، 21/5/2019.
ـ  موقع جرايد، أرشيف الصحف العربية في فلسطين العثمانية والانتدابية.
ـ محمـد الرنتيسي، رمضان في فلسطين.. عادات قديمة تنهض من جديد، صحيفة البيان الإماراتية، 25/4/2022.
ـ رمضان في فلسطين، فلسطين أون لاين.
ـ إسماعيل قاسمي، عادات وتقاليد الشعب الفلسطيني في رمضان لم تتغير مع الزمن، موقع طقس العرب، 30/5/2016.
ـ عائشة الجيار، بالصور  رمضان في فلسطين.. العادات والتقاليد تقف في وجه الاحتلال، صحيفة القب