صحافة دولية

لوموند: الصين تغري تونس بسبب أزمتها.. ماذا عن الشركاء الغربيين؟

اعتبر الكاتب أن وجود سعيد سيؤدي إلى تسريع التقارب بين تونس والصين - الرئاسة التونسية
نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا لمراسلها الخاص في تونس فريديريك بوبين، قال فيه إن تونس تسعى إلى تطوير الفرص التي تعطيها الصين بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها، دون إنكار علاقاتها مع الشركاء الغربيين.

وأشار التقرير إلى قيام الصين بإنشاء مبنى بمبلغ قيمته 72 مليون دينار (21 مليون يورو)، جعلت منه السلطات التونسية مقر أكاديمية في العاصمة مخصصة لتدريب الدبلوماسيين التونسيين والأفارقة.
 
وخلال مراسم تسليم المبنى للسلطات التونسية في نيسان/ أبريل 2022، قال وزير الخارجية التونسي، عثمان الجرندي، إن "التغيرات والتطورات المتسارعة على الساحة الإقليمية والدولية تلزمنا نحن التونسيين والصينيين بتعزيز التنسيق والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك".

وقال الكاتب إن الصيغة التي ذكرها الجرندي ليست مجرد بلاغة، بل يعبر عن الميل المتزايد لتونس، التي تعيش في حالة ركود اقتصادي كامل، إلى الرغبة في اغتنام أكبر قدر ممكن من الفرص التي تتيحها الصين. 

وأضاف أن رغبة تونس تكمن كذلك ضمنيا في تخفيف التبعية، التي يتم الشعور بها أحيانًا أنها ثقيلة، فيما يتعلق بشركائها الغربيين التاريخيين للبلاد. لذلك، تسعى تونس إلى التعبير عن رغبتها في التقارب مع الصين، دون الإخلال بوضعها الجيوسياسي، بحسب المراسل، الذي اعتبر أن الفكرة ليست جديدة ولكنها في طور النضج.

وتأتي الأكاديمية الدبلوماسية المقدمة إلى تونس إضافة إلى تسليم الصين لمركز المستشفى الجامعي بصفاقس شرقي البلاد، والمركز الثقافي والرياضي في بن عروس بضواحي تونس. 

وتعد هذه الخطوات جزءًا من استراتيجية التأثير التي تتضح أيضًا من خلال افتتاح معهد كونفوشيوس في عام 2018 في جامعة قرطاج، حيث تضاعف عدد الطلاب الذين يتعلمون لغة "الماندرين" هناك في العامين الماضيين.

وفي سجل البنية التحتية، بدأت شركة صينية في بناء سد ملاق في محافظة الكاف، في الشمال الغربي، وهو سد تعول عليه تونس من أجل مجابهة الفقر المائي الذي بات يهددها مؤخرا؛ بسبب نقص هطول الأمطار، وتراجع حاد لمخزونات السدود. 

ويوجد كذلك مشاريع أخرى تنتظر الانتهاء من مرحلة الدراسة والتخطيط مثل تطوير منطقة لوجستية حول ميناء جرجيس، في جنوب شرق تونس، مخصصة لخدمة ليبيا المجاورة، وبناء جسر يربط جزيرة جربة بالساحل الشرقي وخط سكة حديدية بين قابس وجرجيس. كما يوجد مشروع صيني لإنشاء ميناء المياه العميقة في النفيضة، وهي مدينة تقع على بعد حوالي مئة كيلومتر جنوب تونس العاصمة. 

يعود تاريخ بعض هذه المشاريع إلى زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي (1936-2019) الذي لعب، قبل الإطاحة به في ثورة 2011، الورقة الصينية، في إطار "عدم الاعتماد كثيرًا على دول غربية معينة بدأت في انتقاد نظامه آنذاك فيما يتعلق بحقوق الإنسان"، بحسب ما نقلته صحيفة "لوموند" عن دبلوماسي تونسي سابق.

وقال الكاتب إن تقلبات التجربة الديمقراطية في تونس، التي تمثل بالأساس مصدر عدم استقرار داخلي ونموذجا مضادا في نظر بكين، أعاقت الزخم الذي عرفته أولى ثورات الربيع العربي. 

وأضاف أن النخب الحاكمة التي خلفت بعضها البعض في تونس منذ 2011 كانت أكثر حرصًا على التقارب مع باريس أو بروكسل أو واشنطن. 

وقال المحلل السياسي أسامة ذياب: "لم يكن هناك أبدا لوبي محب للصينوفيليا في تونس"، وهو مصطلح غربي يُطلق على الشخص الذي يميل إلى الثقافة أو اللغة أو التاريخ الصيني.

ومن هنا، كان الوجود الصيني في تونس في تلك المرحلة خجولا للغاية مقارنة بتلك التي نمت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في مصر أو الجزائر أو حتى المغرب.

بالكاد تستضيف تونس عشرات الشركات الصينية، مقارنة بـ4 آلاف مؤسسة اقتصادية أوروبية، فيما تمثل نسبة الاستثمارات الصينية المباشرة 0.08 بالمئة من إجمالي الأسهم، ما يضع الصين في المرتبة 35 بين المستثمرين الأجانب في البلاد، بحسب الأرقام الرسمية. 

إن المخاطرة بالدخول إلى السوق التونسي في حدها الأدنى حاليًا بالنسبة لبكين، التي تكتفي بتحقيق فائض تجاري متزايد من خلال بيع سلعها الاستهلاكية، المسؤولة عن ثلث العجز التجاري لتونس، بحسب بيانات البنك المركزي التونسي.

ومع ذلك، يمكن للسياق الجيوسياسي أن يحرك الخطوط، لا سيما منذ انضمام تونس رسميا إلى المشروع الصيني لـ"طرق الحرير الجديدة" عام 2018. 

واكتسبت هذه الفكرة زخمًا في مراكز الفكر التونسية، حيث يقترح أنصار هذا المسار، مثل الخبير الجيوسياسي مهدي تاج، الذي حثّ، في عام 2018 في دراسة بعنوان "طرق الحرير الجديدة وشمال أفريقيا: ما أوجه التآزر؟" نشرتها مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، على التقارب بين تونس والصين.

وقال تاج لصحيفة "لوموند" إن تونس "تطرح نفسها كدولة محورية" لتكون قادرة على إنشاء "ملتقى" بين جنوب أوروبا و"طريق الحرير الساحلي".


واعتبر الكاتب أن وصول قيس سعيّد، المتدرب في مدرسة القومية العربية، إلى الرئاسة عام 2019، قد يؤدي إلى تسريع العملية في سياق العلاقات المعقدة مع الغرب منذ "الانقلاب" على المؤسسات الدستورية في صيف 2021.

وأضاف: "الصينيون، الذين تم رفض خططهم لميناء بنزرت في ظل رئاسة بن علي أو مؤخرًا، في طموحاتهم لإطلاق شبكة الجيل الخامس في تونس، التي عارضها السفير الأمريكي في تونس علنًا، ينتظرون وقتهم للانزلاق بصراحة أكبر في الباب نصف المفتوح".