قضايا وآراء

قراصنة ورهائن على طاولة الحوار في مصر!!

هل أعلن السيسي عن إطلاق الحوار الوطني من أجل هذه اللقطة؟- صفحة الرئاسة المصرية
رغم الإعلان عن الحوار الوطني في مصر منذ نيسان/ أبريل الماضي، أي منذ تسعة أشهر أو يزيد، إلا أنه لم ينطلق فعليا حتى الآن، واكتفى منظموه بعقد جلسات استهلاكية لأمانته العامة، وتحديد لجان الحوار، وموضوعاته والمشاركين فيه.

كان واضحا أن الهدف من إطالة تلك الجلسات الإجرائية هو كسب الوقت قبل حدثين مرتقبين (في ذلك الوقت)؛ أولهما القمة العالمية للمناخ التي استضافتها مصر في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وزيارة السيسي للولايات المتحدة للمشاركة في القمة الأمريكية الأفريقية منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

كان الهدف من الإعلان المبكر عن الحوار هو تقديم عربون سياسي للعواصم الغربية وخاصة واشنطن، بهدف إنجاح قمة المناخ وضمان مشاركة أكبر عدد من الزعماء والقادة العالميين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهو ما تحقق فعلا، وضمان دعوة السيسي للمشاركة في القمة الأمريكية الأفريقية وهو ما تحقق أيضا
كان الهدف من الإعلان المبكر عن الحوار هو تقديم عربون سياسي للعواصم الغربية وخاصة واشنطن، بهدف إنجاح قمة المناخ وضمان مشاركة أكبر عدد من الزعماء والقادة العالميين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهو ما تحقق فعلا، وضمان دعوة السيسي للمشاركة في القمة الأمريكية الأفريقية وهو ما تحقق أيضا. وفوق كل ذلك تراجعت التهديدات والانتقادات الأمريكية لانتهاكات النظام لحقوق الإنسان، ومن ثم لم يعد بحاجة إلى الحوار الوطني الذي يمكن أن يمثل ضغطا سياسيا داخليا مصحوبا بدعم دولي ضده، خاصة في مجال الحريات العامة.

قبل أيام قليلة أعلنت أمانة الحوار عن بعض التفاصيل الجديدة ضمن خطة استهلاك الوقت، ومنها الإعلان عن الموضوعات التي تناقشها اللجان الفرعية (19 لجنة) تمهيداً لبدء الجلسات الفعلية، التي ادعت أنها ستكون بحضور مئات من ممثلي مختلف القوى السياسية والنقابية والمجتمع الأهلي والشخصيات العامة والخبراء، رغم أن غالبية القوى السياسية الحقيقية المقيمة داخل مصر أو خارجها مستبعدة من الحوار أصلا.

ونشرت بعض الحسابات على مواقع التواصل أسماء المدعوين الجدد للحوار من حلف 30 يونيو نفسه؛ الذي أعلن منظمو الحوار أن هدفهم هو ترميمه، ليعود إلى مهمته كظهير شعبي لدعم النظام الذي يعتقل المئات وربما الآلاف ممن ينتمون بدرجات متفاوتة لذلك الحلف، أو لنقل من الذين دعموه أو قبلوا به، وسكتوا عن مظالمه في السنوات الأولى قبل أن يطالهم بطشه وظلمه، ونتائج سياساته الكارثية.

هذا الحوار عند بدء جلساته سيكون أشبه بحوار بين قراصنة ورهائن تحت تهديد السلاح، إنه لا يرقى حتى إلى مستوى حوار بين سجين وسجان، فالسجناء بينهم بالتأكيد من يملكون قوة نفسية تمكنهم من مواجهة سجانيهم، والوصول إلى تسويات عادلة معهم حسب لوائح السجون، والسجناء بينهم من ليس لديه ما يخشى عليه، فهو إما محكوم بالإعدام، أو المؤبد، أو بالأشغال الشاقة، وبالتالي لن تؤثر فيه عقوبات أخرى، ولذلك يكون قويا في مواجه سجانيه، أما المختطفون أو الرهائن كما هي حالة الشعب المصري الآن في مواجهة النظام القمعي؛ فهم مجردون من أي قوة، بل هم مكبلو الأيدي وربما الأرجل كما المختطفين على ظهر طائرة أو باخرة في مواجهة القراصنة.

لنا أن نتصور حوارا بهذا الشكل لنعرف نتيجته مسبقا، وهي محض إملاءات من القوي للضعيف، وتوريط لهذا الضعيف -ونقصد به القوى السياسية المشاركة- في تحمّل فشل سياسات لم يشاركوا فيها، وتسويقها لدى الشعب، وتقديم تلك السياسات (كذبا) باعتبارها محل إجماع وطني
لنا أن نتصور حوارا بهذا الشكل لنعرف نتيجته مسبقا، وهي محض إملاءات من القوي للضعيف، وتوريط لهذا الضعيف -ونقصد به القوى السياسية المشاركة- في تحمّل فشل سياسات لم يشاركوا فيها، وتسويقها لدى الشعب، وتقديم تلك السياسات (كذبا) باعتبارها محل إجماع وطني، وحتى إذا لم يقبلها الشعب بعد ذلك فإن غضبه ونقمته لن تتجه إلى السلطة -صاحبة تلك السياسات- فقط، بل إلى كل من تورط في ذاك الحوار الهزلي الذي منحها غطاء زائفا.

رفعت الحركة المدنية بأحزابها وقادتها مطالب عدة كشرط لمشاركتها في الحوار على رأسها الإفراج عن سجناء الرأي، أو "عددا معتبرا منهم" وفقا لتصريحات رموزها، لكن ذلك لم يحدث، واكتفى النظام بإطلاق سراح أعداد محدودة واعتقل أضعافها، ومع ذلك تضمنت القائمة الجديدة للمشاركين غالبية رموز تلك الحركة؛ ما يعني مشاركتها بقوة في الحوار رغم عدم تحقيق مطالبها، بل واستمرار اعتقال أعداد من كوادرها.

لا تحتاج الأزمة التي تعانيها مصر إلى حوار وطني وهمي بين النظام وبعض القوى السياسية عديمة الشعبية، فالعالم كله يعرف كيف تدار الأمور في مصر، ولن تنطلي عليه هذه المهرجانات الكرنفالية.. الحل بسيط جدا وهو عودة المسار الديمقراطي، وعودة الجيش إلى ثكناته، ورحيل النظام الفاشل ليحل محله نظام ديمقراطي منتخب من الشعب في انتخابات نزيهة تحت إشراف دولي، والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، ووقف الإعدامات الظالمة، ووقف مصادرة الأموال والممتلكات الخاصة، ووقف مطاردة أصحاب الرأي داخل البلاد وخارجها، وتحرير وسائل الإعلام من كل القيود المفروضة عليها، واحترام استقلال القضاء، وتجريم الانتهاكات في أقسام الشرطة.. إلخ.
الحل بسيط جدا وهو عودة المسار الديمقراطي، وعودة الجيش إلى ثكناته، ورحيل النظام الفاشل ليحل محله نظام ديمقراطي منتخب من الشعب في انتخابات نزيهة تحت إشراف دولي، والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، ووقف الإعدامات الظالمة، ووقف مصادرة الأموال والممتلكات الخاصة، ووقف مطاردة أصحاب الرأي داخل البلاد وخارجها

وعلى المستوى الاقتصادي، منحُ الحرية للقطاع الخاص الوطني للاستثمار بلا عوائق ولا مضايقات، ورد الأموال والممتلكات المصادرة لأصحابها، ووقف المشروعات الاستفزازية التي استنزفت موارد الدولة وراكمت الديون الخارجية؛ والتي لن يكون أمام الشعب المصري سوى التوقف عن سدادها باعتبارها ديونا فاسدة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب بأسعار مناسبة.

حين تتحقق الديمقراطية، وسيادة القانون، والعدالة، والشفافية، والكرامة، فإن مصر ستصبح أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية والسياحة، ناهيك عن تسابق المصريين أنفسهم لإنقاذ وطنهم، وتحويل استثماراتهم إليه، ما يسهم في إنعاش الاقتصاد، وتحريك عجلة الإنتاج، وتوفير فرص العمل الجديدة.. وبذلك تعود الحياة الطبيعية لمصر وينعم أبناؤها بخيراتها، ويديرون بينهم حوارات وطنية حقيقية حول كل همومهم وأحلامهم.

twitter.com/kotbelaraby