مدونات

الأميرة المهزومة

جيتي/ الأناضول
في يوم من أيام الانتفاضة العظيمة (تحديدا يوم 27 آذار/ مارس 1989)؛ قُتل طفلٌ عمره أربع سنوات.

من تحت طيلسه انكشف وجه معدنيّ.

يومئ، ويعلو صوته:

- طفل كنعاني!

"فرعون استنّ هذا من قبل لكن سهت عينه، أما أنا فعيناي كالأسماك بلا جفون".

- اقتلوه.

"أبو مالك ما زال في قبره يتلقى غضبي، جنته ليست أعطيةً بل هي حق ليعقوب".

فرعون عاد هذه المرّة يهودياً، عُجول ذهبيّة تنهب الأرض بحوافرها، وتملأ أديم السماء بأنفاسها الدخانية. ها هي تطأ الألواح، تكسرها.. تُبعثر قطعها.

وقف هارون غير بعيد يعضّ النواجذ.

وتراقص السامري اختيالاً تحت ظل اليد الفولاذية المشرعة مثل غضب خرافيّ فوق قطيع من عجول تخور.

- آهةٌ.. وانتشر الدم فوق الحصى.

غاص الجسد في التراب.

بقيت عينان تحملقان بلا وجه في "أخناتون"، وتتحرّيان جواباً.

- أهذا مجدك؟!

"آتون" صنعةٌ جديدةٌ لفرعون جديد، وظلّ القديم يثير غصّة في الصّدر.

"فلتذهب كل الآلهه القديمة إلى زمن قديم، نحن أبناء اليوم وبناة الغد"..

هكذا قال "أخناتون".

والحاخام يحلم بغدٍ بلا كنعانيٍّ واحد.

خاصم إله بني إسرائيل "آمون" فاقتسم دمه مع "آتون"، ثم أصبح له أحفادٌ في الحبشة. صليل السيوف علا، ولم تسكته الفِيَلة، بل رقصت عليه الأميرة المهزومة حتى دمِي قلبها، ولما نزفَتْ منه كل العواطف تزوجت!

للحبشية أحفاد تنبَّه لهم ذوو الأبوين اليهوديين، فغطّوا نصف الحقيقة.

ولم يجادل "الفلاشا" من تكون أمّهم.. فقد كانوا جائعين جداً!

أخلّ الرب بوعده للشعب، وانحاز الشعب إلى إله من ذهب، له دمٌ من دخان وليس عنده مائدة، لكن ليس يكتب عليهم التيه.

الشعب يعبد من؟

"نقمنا عليك أيها الرّب" ونأى عنه الشعب فتآكل الإله ندَماً.

هذي جنتنا الأرض.. وخدمُنا كثير.. وخبزنا مقدّس.

في تل أبيب، عامل النظافة فلسطيني نسي اسمه، وأصبحت كفّاه من خشب، حتى إذا جاء الشتاء أوقدهما ذو الطاليس؛ ليبعث الدفء في أجساد أطفال "الكيبوتسات".

حضارة حديدية شقّقتْ أفقه القرويّ الورديّ، فانكشفت السماء عن خواء رهيب. لم يبق له أي شيء، حتى الذكريات تحولت إلى سلع تُباع للسيّاح وتهاجر معهم إلى الشتات، وتحمل اسم بلد غريب "إسرائيل".

لجأ الى البحر يسامره، فانثالت من صدره الحكايا في قلوب الحوريات، فرقّت له جميعهن واحبّته واحدة.

تذكّر تلك الليلة وجهها ياقوتياً.. والصّدر زمردياً.

قدَّمت إليه طفلاً.

- إنه طفلك.. دمه من الموج.

- ينظر إليه، كانت عيناه سماء صافية فوق بحر تجوب فيه أشرعة بيضاء.

1- "ندم الرب على الشر الذي قال إنه فعله بشعبه" (أحد أسفار التوراة).

2- آتون وآمون: الأول إله أخناتون 1375 (ق.م) وهو إله واحد ليس عنده حياة بعد الموت، وبهذا يشابه ما ورد في التوراة التي قد تكون تأثرت بهذه الفكرة، حيث لا ذكر في التوراة أبداً للحياة بعد الموت.

والثاني آمون يمثل فكرة تعدد الآلهة عند الفراعنة، وهنا توجد قناعة بالحياة بعد الموت.

يُروى أنّ أخناتون ولوجود شبه في دعوة النبي موسى ودعوته لدينه الجديد القائم على التوحيد، لمّا تولى العرش فإنه رَقّى النّبي موسى فنال عنده أعلى المراتب ومنها العسكرية، حتى أنه شاركه في غزو الحبشة وتزوج ابنة مليكها.. كل هذا حسب العهد القديم.

ذُهِل الكنعانيون عند علمهم بفعْلة اليهودي أبرام، فبعد أن كان معززاً مكرماً في بلاد كنعان، أوصى عبده اليهودي بعدم تزويج ابنه بواحدة من بنات الكنعانيين، حيث ورد في سفر التكوين: "لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم، بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجةً لابني إسحق، مع أنه لقِيَ من كرم الضيافة وحسن الاستقبال. ففي أرضهم سرّح ماشيته، ونصب خيمته، وأقام شطراً طويلاً من حياته، حيث قال له أبو مالك (مَلَك جَرّار) وهو فلسطيني: "أرضي قدّامك اسكن فيما حسن في عينيك".