ملفات وتقارير

قانون مثير للجدل يضع ملايين المصريين أمام المراجعات الأمنية

خبير: وراء هذا القرار شخص يفكر بطريقة غير صحيحة- جيتي
قررت الحكومة المصرية، الأحد، تطبيق قانون مثير للجدل يتعلق بترخيص "المحلات"، وسط مخاوف ملايين المصريين البسطاء من تطبيق بند المراجعات الأمنية لسجلهم الجنائي والسياسي، مع انتقادات لتقديرات الرسوم الكبيرة التي قد تضطرهم لغلق أنشطتهم.

وفق إعلان وزير التنمية المحلية اللواء هشام آمنة، الأسبوع الماضي، فإن قانون المحال العامة (رقم 154 لسنة 2019)، يهدف لتحقيق طفرة إيجابية في المعدلات الاقتصادية، عبر ضم الاقتصاد غير الرسمي لمنظومة الدولة.

وأكد أنه ينص على العديد من المتطلبات الجديدة لترخيص المحال الصناعية والتجارية، بما في ذلك اشتراطات الترخيص قبل فتح أو نقل المحل، ومتطلبات التأمين وإجراءات التفتيش، من بين أمور أخرى.

التشريع، الذي أقره مجلس النواب في تموز/ يوليو 2019، وصدرت لائحته التنفيذية، الأحد، يستهدف ضم المحال التي تعمل من دون ترخيص إلى الاقتصاد الرسمي، وذلك في إطار رغبة حكومية لدعم الموازنة العامة للدولة التي تئن من فرط العجز المالي بفعل خدمة الديون الخارجية.

أصحاب المحلات الذين يبلغون وفق تقدير الأكاديمي المصري الدكتور رضا عبدالسلام، أكثر من 5 ملايين شخص، يتخوفون من الاشتراطات الحكومية ومن دفع مبالغ ورسوم لا يقدرون عليها، ومن الخضوع للتأمين بمبالغ كبيرة، ويتوقعون أن يكون غلق محلاتهم هو القرار الأسهل لهم.

"عقبات وقيود"

وبالفعل، فإن القانون لم يترك فرصة إلا نحو عام أمام أصحاب المحال غير المرخصة للحصول على الرخصة التجارية، وتوفيق أوضاعهم وفقا لبنود اللائحة التنفيذية، التي تستهدف ما بين (80- 90 بالمئة) من المحال التجارية بالبلاد.

خطورة الأمر تكمن في أنه في ظل معاناة المصريين الاقتصادية والفقر والبطالة وقلة فرص العمل وغلاء الأسعار والتضخم، يلجأ المصريون إلى افتتاح محل صغير بمنازلهم لبيع البقالة أو الخضروات والفاكهة أو مساحيق الغسيل، والدواجن والأسماك، ما يمثل لهم مصدر رزق سهل وسريع.

الأكثر إثارة وجدلا في القصة، هو ما كشفت عنه جريدة الوقائع المصرية التي نشرت القانون، من أن نحو 83 نشاطا للمحلات تتطلب حصول أصحابها على موافقة أمنية، لتقنين النشاط. من تلك الأنشطة؛ محال البقالة، والسوبر ماركت بأنواعها، ومحلات المياه الغازية، والمكتبات، وتصوير الأوراق، وبيع الورق والكرتون، واستوديوهات التصوير، والبلايستيشن، وبيع الهواتف، والمقاهي، والحلاقة، ومراكز التجميل، والأحذية، وبيع المفاتيح، والدليفري، وحتى الحمامات العمومية، وغيرها، وفقا للقانون الجديد.





جانب آخر مثير في هذا الملف، وهو ارتفاع قيمة الرسوم المقررة على أصحاب المحلات للترخيص، وفقا للقانون الجديد، والتي كشفت عنها وزارة التنمية المحلية، وهي كالتالي: نحو 1000 جنيه كرسم أقصى لمعاينة المحل عين الترخيص، ومن (1000 إلى 100 ألف) حوالي (من 40 إلى 4 آلاف دولار) كرسوم للترخيص وفقا للمحل وموقعه وفي أي مدينة أو قرية أو منطقة متميزة ومساحته وعدد الرواد الذين يتسع لهم. كما فرضت اللائحة التنفيذية نفس المبلغ (1000 إلى 100 ألف) كرسوم لتعديل ترخيص المحلات أو إضافة النشاط. فيما تبلغ رسوم التنازل كحد أقصى 10 آلاف جنيه، وتصل رسوم تقديم الخدمة إلى 20 ألف جنيه، أما رسوم تقديم خدمة الشيشة أو النرجيلة فحددتها اللائحة بـ10 آلاف جنيه.



مقابل تلك الرسوم المبالغ فيها، وفق متابعين ومراقبين، والإتاوات المحتملة، فإنه سيجري فرض عقوبات مالية (من 20 إلى 50 ألف جنيه) على أصحاب المحال غير الملتزمين باللائحة، مع عقوبة الحبس (من 6 أشهر إلى سنة) حال تكرار المخالفة، بجانب غلق المحل.

"قتل الاقتصاد"

وفي رؤيته لأهداف النظام من فرض هذا القانون، وخطورة اشتمال لائحته التنفيذية الموافقة الأمنية على 83 نشاطا للمحال التجارية، قال الخبير والباحث الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي: "لا يمكن أبدا قراءة ما يتم من قبل الحكومة في هذا الشأن إلا بالقول إنه نوع من قتل الاقتصاد".

الصاوي، في حديثه لـ"عربي21"، أوضح: "بعد أن قتلوا السياسة يتوجهون الآن إلى قتل الاقتصاد".

وأضاف: "بعد سيطرة الجيش على مقدرات الاقتصاد الكلي والمشروعات الكبرى والصادرات والواردات واحتكار كثير من السلع والخدمات، أصبحت الآن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر المستهدف من القوانين الجائرة".

ولفت إلى أن الأمر يمثل تضييقا على ملايين المصريين في أكل عيشهم، مؤكدا: "مزاحمة الناس في أرزاقهم بهذا الشكل تدل على أن القائم على الأمر فقد عقله بالفعل".

ويرى أن "الغريب هو أن أي نظام مهما كانت درجة دكتاتوريته يحرص على استرضاء الناس، وخاصة الذين لا يجدون قوت يومهم، ويسعون لرزقهم بهذه المشروعات الصغيرة".

ويعتقد أنه "كان من الواجب وهو يتحدث كثيرا (رأس النظام) عن الاقتصاد غير المنظم ومحاولة استيعابه، أن يعطيهم الكثير من المزايا حتى يرغبهم في الاقتصاد المنظم؛ ولكن وجدناه يفعل عكس هذا تماما".

وحول هدف الدولة من ضم هذا القطاع الذي يعمل فيه ملايين المصريين وخاصة تجارة التجزئة، ألمح إلى أنه "وراء هذا القرار شخص يفكر بطريقة غير صحيحة؛ ولديه حصر بهذه المشروعات، ووضع قائمة بالعوائد المفترض أن تحصدها الدولة، وزُين له من خلال رقم ما أن الحكومة يمكنها الحصول عليه".

الحكومة المصرية ومنذ آذار/ مارس 2016، قدمت لمجلس النواب برنامجا لدمج القطاع غير الرسمي في القطاع الرسمي، والذي يبلغ وفق تصريحات حكومية، نحو 1.8 تريليون جنيه (102 مليار دولار) تعادل 44 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وهنا، أشار الخبير المصري إلى احتمال، "تقديم ذلك الرقم لصندوق النقد الدولي كإيراد متوقع حال تطبيق مثل هذا القانون؛ ولكنه (صاحب القرار) نسي أن الناس لها حدود في تحمل الضغوط التي تمارسها الحكومة"، متوقعا أن "يؤدي القانون لانفجار في الشارع". وختم بالقول: "ونحسب أنه خلال الأيام القادمة إذا تم تنفيذ القانون ستحدث ردة فعل شعبية كالتي وقعت إثر هدم المنازل وأزمة مصالحات البناء التي افتعلها النظام لتحصيل بعض مليارات الجنيهات، ثم توقف عنها لاحقا".

"بلطجة حكومية"

ولكن، هل تصبح الموافقة الأمنية سيفا مسلطا على رقاب المصريين وتتطلب دفع إتاوات للمخبرين والخفراء العاملين من الأمن الوطني لإعطاء تحريات خالية من أي عمل سياسي أو انتماء لجماعة الإخوان المسلمين؟

في إجابته على تساؤل "عربي21"، قال السياسي والبرلماني المصري السابق محمد عماد صابر، إن "الأمر بهذه الصورة كبير وخطير، ويحتاج إلى اتخاذ مواقف حاسمة بعزل تلك الحكومة عن هذه الممارسات".

وأضاف: "الشعب المصري كله مستهدف بهذه الطريقة، والحكومة اليوم هي البلطجي الذي يجب أن يعاقبه الشعب، ولا بد من تحرك عكسي، وبدلا من معاقبة الحكومة للشعب يجب أن يحدث العكس".

ويرى صابر، أن "الموضوع لم يعد خلافا سياسيا، بل إن الموضوع أصبح بالنسبة للمصريين حياة أو موت، فهم يحاربون الناس في أرزاقهم، وما يحدث كل يوم هو تدمير ممنهج لمصر وشعبها".

"خراب على الجميع"

فرض موافقات أمنية ومبالغ ضخمة بقانون المحلات الجديد صدم الكثير من المصريين، وبعض أصحاب المحلات التجارية، التي تحدثت "عربي21"، لبعضهم في الشارع الجديد، بمنطقة مسطرد بالقاهرة الكبرى.

بعض أصحاب المحال، أكد لـ"عربي21"، عدم معرفته بالقانون ولا بنصوصه، ولا بالمبالغ المفروضة للترخيص ولا عن الموافقات الأمنية، ولا حتى الغرامات التي في انتظار أصحاب المحلات. "الصدمة" فقط هي ما بدت على أصحاب تلك المحلات، مؤكدين أنهم سينتظرون حتى تتضح الأمور، موضحين أن أغلبهم يعمل دون ترخيص، ولا يكفيه دخله مع ارتفاع تكاليف الإيجار والكهرباء والمياه، وتراجع البيع والشراء.

بعض أصحاب المحلات، قال إن "نشاطه مرخص بالفعل، ولكن لا يعرف ما هو المطلوب منه في القانون الجديد، وهل سيكون عليه الحصول على ترخيص جديد، أو دفع أية مبالغ جديدة؟"، مشيرين إلى أنها "خراب على الجميع".

"منتهى العبث"

عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبر البعض القانون يحارب الشعب في رزقه بل وفي بقائه، في مقابل الحفاظ على مصالح النخبة الحاكمة، ومتوقعين أن النتيجة ستكون غلق المحلات وفقدان مصادر الرزق.

أمين عام حزب المحافظين طلعت خليل، وصف تطبيق القانون ولائحته التنفيذية والموافقة الأمنية على 83 نشاطا ومحلا، قائلا عبر صفحته بـ"فيسبوك": "العبث يبلغ منتهاه".