تقارير

أرشفة الملفات العائلية في الأونروا يخدم الهوية الفلسطينية

مشروع لتحويل ملفات اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الأونروا منذ 70 سنة إلى قاعدة بيانات- (الأناضول)

في الطابق الرابع من مبنى الأمم المتحدة وسط بيروت (الأسكوا) يجلس نحو أربعين موظفاً من الخريجين الجدد خلف حواسيبهم، بإشراف مديرة مشروع أرشفة الملفات العائلية في الأونروا ورقمنتها.. الإيطالية فاليريا، واثنين من كبار موظفي لبنان، ضمن فريق عمل تابع لوكالة الأونروا يعمل على إدخال المعلومات من أوراق وملفات قديمة تم مسحها إلكترونياً من أجل تحويل ملفات اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الأونروا المؤرشفة منذ أكثر من 70 سنة إلى اليوم، إلى قاعدة بيانات. هذا الفريق يتكون من 16 مجموعة لتدخيل المعلومات وتحليلها وفق الطرق العلمية.

أسئلة وشكوك

تعرض المشروع للكثير من الانتقادات بدءاً من نظرية المؤامرة، وصولاً إلى النظرية الأمنية، مروراً بنظرية التوطين في بلاد اللجوء، ومحاولات تسليم سجلاّت الأونروا إلى الأمم المتحدة كأحد الملفات العالقة في طريق إنهاء عمل الوكالة وتسليمها إلى المفوضية السامية للاجئين UNHCR.

أما السؤال الذي طرحه الكثيرون: لماذا الآن؟ فأجابوا بأن المشروع لم يبدأ من الآن، ولكنه الآن بدأ الخطوات الأهم في مسيرته. المشروع بدأ أكثر من ربع قرن، وجرى بين الأعوام 1996-2009 تدخيل المعلومات المتوفرة في قواعد البيانات DATA BASES، كملفات عائلية وملفات فردية مسجلة في سجلات الوكالة.
 
هذه الهواجس وغيرها طرحناها على فريق العمل، في زيارة خاصة إلى مقر الأوسكوا، وشرحوا لنا التفاصيل والإجراءات.

سبب انتقالهم إلى مقر الأوسكوا لأنه مؤمّن ومحصّن ومخدوم بالبنية التحتية، وهو أكبر مقر للأمم المتحدة في لبنان، حتى في عمان (المقر الرئيسي) لا توجد هذه المساحة في مقرات الأونروا.

الملفات لا تنتقل من مقراتها الأصلية، فملفات عمان جرى مسحها في عمان، وملفات فلسطين في مكانها، وكذلك ملفات سورية ولبنان، وجرى نقل الصور والملفات الالكترونية إلى مقر الأوسكوا. لتحويلها إلى قاعدة بيانات يمكن التحكم بها واستخدامها. أما الملفات الورقية فبقيت في بلادها.

 



يوجد لدى الأونروا ملفات تاريخية ضخمة، تتجاوز 30 مليون وثيقة، جرى مسح ورقمنة 20 مليون وثيقة منها، وبقي 10 ملايين وثيقة ينتظرون العمل عليهم، غير أن التمويل الخاص بهذا المشروع لا يغطي هذه الكمية.

لا تقتصر الملفات على أرشيف الأونروا التي لم تكن موجودة عام 1948، بل يبدأ من ملفات الصليب الأحمر الدولي الذي تولّى أولى عمليات الإيواء للاجئين الفلسطينيين. وبعض ملفات جمعيات "كروكرز" التي تسلمت أيضاً رعاية اللاجئين قبل الأونروا، فضلاً عن سجلّات الدول التي يقيم فيها اللاجئون. ويتم ربط هذه الملفات بتسلسل زمني منطقي حسب العائلات والأسماء. بحيث يستطيع هذا المشروع ربط كل شخص فلسطيني مسجل ببقية العائلة، وتشكيل شجرة العائلة الخاصة به.

المشروع بدأ بالعمل على ثلاثة قرى فلسطينية نموذجية جرى تدميرها عام 1948 وتهجر أهلها إلى لبنان، وهي: الصفصاف، دير القاسي، تربيخا، وسيتم استكمال العمل إلى كل المدن والقرى الفلسطينية.

أما شجرات العائلات، فقد بُدئ العمل بها منذ 2010، أما الذين جرى شطبهم من السجلات، وهم حوالى 200 ألف شخص بسبب الوفاة، فستُعاد أسماؤهم إلى السجلات من أجل استكمال شجرات العائلات. علماً أنهم أوضحوا أن شجرة العائلة ليست هي الهدف، بل الهدف هو ترتيب ملفات الأونروا. 

وسوف يتم تعميم الملفات وإنشاءُ تطبيقٍ وموقعٍ للوصول السهل إلى معلومات العائلات. لكن العبارة التي استوقفتني هي "تبدأ شجرة العائلة من أول لاجئ فيها، أي من عام 1948".

توقفتُ وسألتُ عن هذا الأمر، فأكدوا ذلك.

وهنا لدينا رأي وهواجس جديرة بالانتباه:

إن إنشاء شجرات العائلات للفلسطينيين تبدأ من عام 1948، هو بتر لجذورهم في فلسطين، ويجب ربطها بوجودنا السابق في فلسطين. فالإطار الزماني فاسد في هذه الحالة، إذ ماذا تفيدنا وطنياً شجرة العائلة المبتورة عن فلسطين؟ وماذا تفيدني وطنياً 30 مليون سجلٍّ ليس فيها وثيقة واحدة عن أراضينا وجذورنا في فلسطين؟

أما الإطار المكاني فهو فاسد أيضاً، حيث أن نطاق عمل الأونروا هو خمسة مناطق فقط (لبنان، سورية، الأردن، الضفة الغربية، قطاع غزة)، أما مصر والعراق كمناطق لجوء أولية في عام 1948، فلا علاقة للأونروا بهم. وفلسطينيو الغرب الذين لم يسجلوا أبناءهم، لن يكونوا موجودين في هذه السجلاّت.

كذلك الإطار التعريفي للاجئ الذي تتبعه الأونروا كمعيار، فهو يضم اللاجئين الذين سكنوا في فلسطين في سنوات 1947- 1948. معنى ذلك أن الفلسطينيين الذين غادروا فلسطين قبل ذلك العام غير محسوبين (فلسطينيي تشيلي وغيرها).

هذا الرأي ليس اتهاماً للأونروا، بل تأكيداً على أن الأمر خارج صلاحياتها الزمانية والمكانية والمعيارية، لذلك فإن المشروع يحافظ على هوية اللاجئ الفلسطيني الذي تشمله نُظم عمل الأونروا. وهو أمر يقيّد عملها ويقلل من أهمية المشروع الوطنية. فأهمية شجرات العائلات الفلسطينية تكمن في تأكيد جذورنا التاريخية والعمرانية والاجتماعية في فلسطين. وهذا المشروع لا يفي بهذا المطلب.

طرحنا عليهم الاستعانة بمؤسسة هوية (المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية) التي تملك عشرات آلاف الوثائق الفلسطينية وآلاف شجرات العائلات، ليتم ربطها ببعضها زمنياً. من أجل تأكيد ارتباط اللاجئ بأرضه وقضيته.

أما إذا بقي هذا المشروع محدود الزمان والمكان، فإنه سيفقد الكثير من أهميته الوطنية، بل قد ينقلب ضد القضية إذا لم يستطع إثبات ارتباطهم ببلادهم من خلال عائلاتهم المتسلسلة.

*كاتب وشاعر فلسطيني