صحافة دولية

WP: لماذا تخلى الكثير من التونسيين عن الديمقراطية؟

سعيد استفتى التونسيين على دستور يعطيه صلاحيات واسعة- الأناضول

قالت صحيفة "واشنطن بوست"، في تقرير أعده سيوبان أوغريدي ومحمد بليوة، إن الكثير من التونسيين تخلو عن الديمقراطية التي تم تحقيقها من خلال الربيع العربي؛ نتيجة للإحباط وعدم تحسن الظروف الاقتصادية.

وقالا إن نوري سيف جلس قبل ثلاثة أيام من الاستفتاء الذي دعا إليه الرئيس قيس سعيد، وقال إنه سيدفع البلاد نحو الازدهار، على مقعد وسط المدينة يبحث في الأسعار التي يحصل عليها المهربون كي يهربوه خارج البلاد. وقال إن أرخص رحلة تكلفه 1.200 دولار، ولكن مهربا لديه ضمانات أفضل يحصل على 3.000 دولار، أما بالنسبة للاستفتاء، "فقد سمعت عنه يوم أمس"، و"لا أمل لدينا، ولن يتغير أي شيء".

وقبل 11 عاما، خرج التونسيون في حشود ضد الديكتاتور زين العابدين بن علي، وأجبروه على الرحيل إلى المنفى، الذي مات فيه لاحقا، وبدأت تونس عملية إعادة تشكيل النظام السياسي وبناء ديمقراطية، وكانت المثال الوحيد الذي نجا من اضطرابات الربيع العربي.

واليوم غادر سيف، البالغ من العمر 27 عاما، بلدته الصغيرة في جنوب العاصمة، وينام في العراء، ويبحث عن عمل يساعده على تمويل رحلة الهجرة إلى أوروبا. وكغيره من أبناء جيله، فقد انطفأت الشرارة التي أشعلت الربيع العربي. وخاب أمله بالساسة العاجزين والأزمة الاقتصادية، وبات يرى أن أمله الوحيد للمضي قدما هو مغادرة البلد. وفي نفس الوقت، وضع التونسيون أملهم في زعيم قال لهم إنه قادر على إصلاح حياتهم لو صوتوا من أجل توسيع سلطاته.

وترى الصحيفة أن حس اليأس هو على خلاف التفاؤل في عام 2011، عندما تدفق التونسيون من الخارج للمساعدة في بناء البلد ودعم الثورة. وكان حسهم بالمستقبل الأفضل معديا، لدرجة أنه انتشر في كل أنحاء العالم العربي.

وقال المحامي والسياسي محمد عبو، الذي سجن في عهد بن علي: "رأى الناس في بلاد يحكمها ديكتاتوريون بلدا صغيرا صنع ثورته ونجح". وقدمت تونس المثال على قبولها الأحزاب الإسلامية، بما فيها حزب النهضة، أكبر أحزاب المعارضة، والذي ظل جزءا من التحالفات الحكومية التي شكلت ما بعد الثورة. 

ومع انزلاق بقية دول الربيع العربي نحو الديكتاتورية والفوضى والحروب الأهلية، كتبت تونس دستورها، وضمنت فيه حريات جعلت الناشطين في الدول الأخرى يحسدون التونسيين عليها. 

وبعد سنوات، بدأت الديمقراطية تترنح، وسط اقتتال النواب الذين لم يستطيعوا تجاوز الأزمة الاقتصادية أو تحقيق وعود الثورة. ثم انتخب التونسيون أستاذ قانون سابقا بالجامعة التونسية لم يكن معروفا، ووجد فيه أنصاره مضادا للنخبة السياسية، ولديه أفكارا جديدة تقود التونسيين لتحقيق حلمهم. واكشفوا لاحقا أنه لا يهتم بالضوابط والتوازنات التي تحتاجها الديمقراطية. 


وفي الصيف الماضي، قام سعيد وسط خلافات بين المشرعين وانتشار فيروس كورونا بتعليق البرلمان وعزل رئيس الوزراء. وقال إن تحركه جاء من أجل قلع الفساد المسؤول عن المشاكل. ودعم أنصاره خطواته في وقت وصفت فيها المعارضة تحركه بالانقلاب. وقال إن السيطرة الكاملة على الحكم هي الطريق لحل المشاكل. 

وبعد فترة قصيرة، بدأت حتى قاعدته التي دعمته تنظر لخطواته كتهديد للديمقراطية، بعد حله البرلمان، وتقييده من استقلالية القضاء، وتقديمه دستورا مثيرا للجدل يعطيه صلاحيات واسعة.

ويرى عبو أن تونس" كانت مصدر إلهام، هوجمت من الفاسدين، وبعد ذلك من رجل مجنون"، ودعم عبو قرار سعيد تعليق البرلمان العام الماضي، لكنه أصبح من المعارضين الأشداء له. وهو مثل بقية المفكرين السياسيين التونسيين، يرون أنه استغل سخط الشعب على الظروف الاقتصادية، فما يدعو إليه هو الازدهار في تونس، مع أنه في الحقيقة يبيع التونسيين فكرة تفكيك الديمقراطية، وتصميم نظام الرجل الواحد تدريجيا.

ويقول أنور بن قدور، أحد قادة الاتحاد التونسي العام للشغل، إن سعيد كان قادرا على تفكيك النظام القائم من خلال تقديم مجموعة خادعة من الحلول للشباب "انتظر الشباب 10 أعوام، ولم يرو شيئا"، و"بات الكل يبحث عن طريق للمغادرة"، و"لا يمكننا استخدام الخطاب الشعبوي وإعلام الجميع أننا سنحل غدا المشاكل".

وترى مونيكا ماركس، أستاذة شؤون الشرق الأوسط بجامعة نيويورك- فرع أبو ظبي، أن أنصار سعيد ليسوا بالضرورة معادين للديمقراطية، لكنهم اقتنعوا أنه سيكون قادرا على معالجة مشاكل البلاد المزمنة. و"لم يخرجوا إلى الشارع (الصيف الماضي) باعتقاد أنهم يحرقون الديمقراطية، خرجوا إلى الشوارع باعتقاد أن هذا هو الشخص الأفضل لتحقيق حلم الثورة". 

وتقول إن البعض منهم لا يزالون يؤمنون بقدرته على تحقيق الأحلام، أما البقية الذين يشعرون بالغضب، فهم يعطون أولوية للاستقرار على الديمقراطية.


وتقول الصحيفة إن الكثير من التونسيين حمّلوا الإسلاميين المشاكل، وهي اتهامات يرفضها قادة الحزب، ويرون أنها محاولة لجعلهم كبش فداء عن المشاكل التي تعاني منها البلاد. واعترف زعيم الحزب، راشد الغنوشي، بأن المقاومة لأجندة سعيد كانت ضعيفة؛ نظرا لغياب الوحدة بين المشرعين، وعدم حصول تقدم بعد الثورة. وقال: "صحيح أن الـ10 أعوام الماضية لم تكن عقد التقدم الاقتصادي". و"أكد أن عشرة أعوام من الحرية لم يمحها (سعيد)، ولا تزال في عقول وقلوب الشعب". ووصف الحزب تحركات سعيد الأولى بالانقلاب، ولا يزال يشجب تحركاته: "وقفنا وحاولنا تقديم ما يمكننا عمله"، حسبما قال سيد الفرجاني، أحد نواب النهضة من البرلمان المنحل، والذي اعتقل في تونس أثناء فترة الثمانينات. 

وقال إن نفس الناس الذين شعروا بخيبة من النهضة وبقية الأحزاب لا يمكنهم زعم أن حياتهم تحسنت في ظل سعيد، "في نهاية اليوم، فالخيار هو بين قبول الديكتاتورية والخنوع لها، أو الوقوف ضدها وقتالها بطريقة مدنية". 

أما الخيار الثالث، فهو البحث عن مكان آخر مثل سيف الذي يريد تمويل رحلته إلى أوروبا. وقال: "هذا بلد يعيش فيه رجال الشرطة والأغنياء حياة سعيدة".