قضايا وآراء

التضخم بين الرابحين والخاسرين (2-2)

1300x600

تناولنا في المقال السابق التضخم باعتباره ظاهرة اقتصادية واجتماعية مركبة ومتعددة الأبعاد والأسباب، وذكرنا أن الخاسرين من التضخم هم الأكثر نصيبا في المجتمعات من: المقرضين وصغار المدخرين والعمال وأصحاب المعاشات والفلاحين، وتعرضنا إلى أثر التضخم على المدخرين والعمال.

وتمتد الآثار الضارة للتضخم إلى أصحاب المعاشات الذي يخسرون ويعانون أكثر من غيرهم من آثار التضخم الذي يأكل قيمة مدخراتهم ومعاشهم، دون زيادة مقابلة في معاشاتهم ودخولهم بصورة تتناسب مع الارتفاع في الأسعار، وهو ما يتطلب مراعاة هذه الفئة من قبل الدولة بربط قيمة دخولهم بالمستوى العام للأسعار، فتزداد معاشاتهم مع زيادة الأسعار.

وقد يرى البعض أن الفلاحين يستفيدون بصورة إيجابية من التضخم بربح دون خسران، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار المواد الزراعية كما حدث حاليا بمصر من منح الحكومة حافز توريد إضافي للقمح المحلي. 

والحقيقة أن هذا التفسير فيه تجاوز للطبيعة المركبة للعلاقات الاقتصادية الزراعية والسلع الغذائية، فمما لا شك فيه أن الفلاحين يستفيدون من ارتفاع أسعار منتجاتهم، ولكنهم في الوقت نفسه يعانون من ارتفاع السلع الصناعية والخدمات التي يحتاجون إليها، وغالبا ما يكون ارتفاع الأسعار في القطاع الصناعي والقطاع الخدمي يتجاوز ارتفاع الأسعار في القطاع الزراعي، ومن ثم يتحمل الفلاح الفروق في معدلات الأسعار بين القطاعين. 

ويسري هذا الأمر كذلك ـ ولكن فيما يتعلق بالقطاع الخارجي ـ على الدول العربية النفطية المستوردة لحاجتها من الغرب حتى لو كان ميزان مدفوعاتها متوازنا أو به فائض، حيث يصيبها وباء التضخم المستورد من خلال ارتفاع أسعار السلع المستوردة نتيجة لارتفاع أسعار النفط، وهو الأمر الذي لا يقتصر أثره على السلع المستوردة فقط بل يمتد إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصفة عامة المستورد منها والداخلي بالمحاكاة، حيث إن المشروعات الداخلية سوف تستفيد من الموجة التضخمية المستوردة لزيادة أسعار سلعها الداخلية وتحقيق أرباح إضافية توازي الأرباح التي يحصل عليها قطاع التجارة الداخلي الذي يتعامل بالسلع المستوردة.

إضافة إلى أن كثيرا من السلع المصنعة داخليا تعتمد على مستلزمات سلعية مستوردة من الخارج سواء في الدول العربية النفطية أو غير النفطية وهو ما يعني أن ارتفاع أسعار هذه المستلزمات سوف يؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار السلع النهائية المنتجة داخليا حيث تزداد نفقاتها ومن ثم أسعارها.

 

أخطر مؤثرات التضخم الضارة هو الأثر الاجتماعي الذي يضرب المجتمع ذاته من خلال إعادة توزيع الدخول وتحول القوة الشرائية من جانب أصحاب الدخول البسيطة والثابتة من عمال وأصحاب المعاشات وصغار المدخرين لصالح أصحاب الدخول المرتفعة والمستثمرين وأصحاب المشروعات والمهن الحرة، وهو ما يعمل على اضطراب العلاقات الاجتماعية وتعميق الصراع بين القوى الاجتماعية المختلفة، بل وانهيار نظم حكم، وقيام ثورات.

 



ويمكننا تقدير مدى حدة التضخم المستورد في ظل هذه الظروف من خلال قياس الواردات إلى حجم الناتج المحلي، فكلما كان هذا المعدل مرتفعا كلما أدى التضخم المستورد إلى معدلات مرتفعة في التضخم الداخلي وفي ارتفاعات الأسعار والعكس صحيح، وبذلك ينعكس أثر التضخم على القطاع الخارجي للاقتصاد القومي، ويظهر تأثيره السلبي إن عاجلا أو آجلا على ميزان المدفوعات من حيث العجز وزيادة الواردات وتناقص وهروب رؤوس الأموال، فضلا عن الآثار السلبية من حيث عجز الموازنة. 

والتضخم حينما تبدأ شراراته في الاشتعال قد ينتقل من التضخم الزاحف إلى التضخم العنيف، والتضخم الزاحف يمثل ظاهرة عامة مقبولة في وقتنا المعاصر في ظل سعي الدول المتقدمة والنامية للبحث عن النمو والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي عن طريق القطاع الخارجي، فهو تضخم يتسم بخاصية السببية أي بزيادة دائمة ومتتالية في الأسعار بمعدلات حقيقية لا تؤدي إلى عمليات تراكمية أو عنيفة أو معجلة في المدة القصيرة، أي أنها لا تتطور بشكل رأسي، وفي المدة الطويلة تتخذ شكل منحنى تراكمي أي شكل الدالة التدريجية المتصاعدة غير المستمرة اللانهائية.
 
ومن ثم يتسم هذا النوع من التضخم بتنوعه واختلافه النسبي من حيث المكان والزمان، فقد يتحقق في بلدان بمعدلات مرتفعة وفي بلدان أخرى بمعدلات أقل، بل قد تختلف معدلات التضخم بين القطاعات الاقتصادية داخل الاقتصاد الواحد من زراعة وصناعة وخدمات، بل بين أسعار السلع والخدمات وبعضها البعض داخل القطاع الواحد، ومن حيث الزمان فإن معدلات التضخم تتغير باختلاف الفترات الزمنية، فهو يبدأ بسيطا بمعدلات تتراوح بين 1.5 إلى 5٪ سنويا في الفترة الأولى يتخللها في بعض الأحيان زيادة معجلة أو مرتفعة، ثم يأخذ معدلات تصل في بعض الأحيان إلى 10٪ أو أكثر.

كما أنه يتسم بخاصية الكيفية ـ وليس الكمية ـ في أسبابه بمعنى أنه ليس ناتجا عن زيادة الإصدار النقدي أو الائتمان المصرفي، ولكنه مرتبط بديناميكية السلوك الاجتماعي للطبقات، أي الضغوط التضخمية التي تمارسها القوى الاجتماعية في الاقتصاد الرأسمالي، كما أنه يتسم بخاصية النمو وارتباطه بمكانيزم النمو الاقتصادي، فهو مرتبط بمراحل النمو الاقتصادي.

أما التضخم العنيف فهو نتاج اشتعال لهيب التضخم الزاحف، وهو نوع من التضخم أكثر عنفا وأقوى درجة حينما تدخل حركة الارتفاع في الأجور والأسعار في حلقة مفرغة من الزيادات الكبيرة والمتتالية، ويرى (وليام آرثر لويس) الاقتصادي الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1979م أن معدلا تضخميا بمقدار 5٪ سنويا لمدة أربع سنوات متتالية مثالا للحدود القصوى للتضخم الزاحف.

ومن ثم فإنه إذا تجاوز التضخم تلك الحدود سوف نصل إلى التضخم العنيف الذي تفقد معه النقود وظائفها الأساسية وخاصة ما يتعلق باعتبارها مخزنا للقيمة ووحدة للحساب كما حدث لألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى من انهيار النظام النقدي تحت ضغط نفقات ما بعد الحرب وتسديد الديون وإعادة التشييد حيث بلغت قيمة المارك الذهبي الألماني لعام 1914م حوالي 100 مليار مارك ورقي عام 1923م.

ويجب أن لا نغفل أن أخطر مؤثرات التضخم الضارة هو الأثر الاجتماعي الذي يضرب المجتمع ذاته من خلال إعادة توزيع الدخول وتحول القوة الشرائية من جانب أصحاب الدخول البسيطة والثابتة من عمال وأصحاب المعاشات وصغار المدخرين لصالح أصحاب الدخول المرتفعة والمستثمرين وأصحاب المشروعات والمهن الحرة، وهو ما يعمل على اضطراب العلاقات الاجتماعية وتعميق الصراع بين القوى الاجتماعية المختلفة، بل وانهيار نظم حكم، وقيام ثورات.

 

آن الأوان للدول الإسلامية أن تستفيد من أزماتها وما يدور في العالم من حولها من وقود الحروب، فتسعي لتغيير هياكل اقتصادياتها الريعية لتكون إنتاجية بصورة حقيقية، بما يلبي حاجتها من الغذاء واللباس والدواء والسلاح ونحوها،

 



ويذكر التاريخ العثماني حادثة سميت باسم "البيلرباك" أو "البكلربكي"، حيث تم تخفيض قيمة العملة في عام 1585 ـ 1586م في عهد السلطان مراد الثالث، فتمرد الإنكشارية ـ الذين كان يقبضون رواتبهم بها ـ وطالبوا بإعدام كبار الموظفين الرسميين المسؤولين عن هذه السياسة النقدية وقد قبلت مطالبهم من قبل السلطان بما امتلكوه من قوة السلاح فقدم كبشين فداء لذلك، حيث تم  إعدام بيلرباك الرومللي محمد باشا، الذي كان مسؤولا عن الإصلاح المالي، وسعى للحصول على دخل إضافي لمواجهة النفقات المرتبطة بالإصلاح المالي، وإعدام أمين الخزينة محمود أفندي .
  
لقد آن الأوان للدول الإسلامية أن تستفيد من أزماتها وما يدور في العالم من حولها من وقود الحروب، فتسعي لتغيير هياكل اقتصادياتها الريعية لتكون إنتاجية بصورة حقيقية، بما يلبي حاجتها من الغذاء واللباس والدواء والسلاح ونحوها، والانتقال بنظامها النقدي من نظام يتاجر في النقود إلي نطام يتاجر بالنقود، ومن ثم يحافظ على وظيفتها ولا يحولها لسلعة تباع وتشترى، وتنتفي معها كونها وسيطا للتبادل ومقياسا ومخزنا للقيمة.

فضلا عن أهمية تحقيق التوازن بين كمية السلع والخدمات وكمية النقود، والعمل على توفير عملة رقمية مغطاة بالذهب تتحقق فيها وظائف النقود، إضافة إلى تدخل الدولة بقوة للرقابة على الأسعار لمنع الطغيان بالاحتكار، وأن تبتعد ـ في الوقت نفسه ـ كل البعد عن الإخسار حتى لا يتحول الانخفاض بالقوة الجبرية في الأسعار بما يقل عن سعرها العادي أو العادل إلى تضخم مكبوت يكون مصيره الانفجار، مع أهمية البدء بإرادة سياسة جماعية لإنشاء اتحاد إسلامي بين الدول الإسلامية وما يتضمنه من اتحاد اقتصادي: نقدي ومالي وهيكلي تنتعش معه آمال الشعوب الإسلامية نحو الوحدة الإسلامية الشاملة.

 

إقرأ أيضا: التضخم بين الرابحين والخاسرين (1-2)