كتاب عربي 21

رجائي عطية.. وأصول الحكم!

1300x600
بوفاة رجائي عطية، نقيب المحامين المصريين، تذكرت كثيراً من الوقائع المرتبطة به، وبالنقابة، وبالسياسة في مرحلة الرئيس مبارك، ووجدت من المناسب كتابتها، فقد يمكن من خلالها الوقوف على أصول الحكم في مصر خلال هذه الفترة، ومن سماتها أن الأمور كانت بالغة التعقيد، وليست بسيطة يمكن الحكم عليها بحسب الظاهر من الأوراق.

كنت قد عدت إلى منزلي في ساعة متأخرة من الليل، بعد يوم مرهق، تابعت فيه انتخابات نقابة المحامين، لا سيما على موقع النقيب، حيث كانت المنافسة بين رجائي عطية وسامح عاشور، وعندما أُغلقت الصناديق في نهاية اليوم، لم أنتظر أن تأتيني النتيجة عبر الهاتف، وإنما ذهبت إلى محكمة جنوب القاهرة، حيث يتم الفرز وتعلن النتيجة، كما ينص القانون، الذي قضى بالإشراف القضائي على إجراء الانتخابات في النقابات المهنية، وهو القانون الذي استهدف منع سقوط النقابات تحت هيمنة الإخوان عليها، وقد دخلوها في البداية على أطراف أصابعهم، لكنها بدت سريعاً كما لو كانت دانت لهم.

وبهذا الإشراف تأجلت الانتخابات في نقابة المحامين لسنوات طويلة، وتم تجميد الوضع في نقابة الأطباء إلى أجل غير مسمى، استمر سبعة عشر عاماً، ولم تنقذه سوى الثورة، وإن كان الوضع المجمد أبقى النقابة بالمخالفة للقانون برئاسة نقيب قريب من السلطة (حمدي السيد)، ومجلس أغلبيته من الإخوان، لكن كان هذا هو الحل المثالي بالنسبة لأهل الحكم، لأن إجراء الانتخابات من شأنه أن يعيد الإخوان أغلبية في المجلس. وهذا الوضع غير القانوني يمثل أداة للسيطرة عليهم، ويجعلهم يشعرون أنهم إذا خالفوا قواعد اللعبة، فقد يحدث للأطباء ما حدث لنقابتي المحامين والمهندسين من فرض الحراسة القضائية!

وإذ عدت لمنزلي مرهقاً، فقد كنت راضياً مرضياً بالنصر الذي تحقق في هذا اليوم، فقد انحزت في هذه الانتخابات لسامح عاشور، وقد فاز على منافسه رجائي عطية، فنمت ليلتها مع شدة الإرهاق قرير العين، لأستيقظ في الصباح على اتصال هاتفي، كان على الجهة الأخرى مسؤول أمني، يهنئني بفوز سامح عاشور ويشكرني على الجهود التي بذلتها في ذلك، وإذ اعتبرت أننا انتصرنا على دولة مبارك وحزبه في هذه المعركة الشرسة، فكان أن شكرته على هذه الروح الرياضية، التي قبلت بالنتيجة، واستوعبت الرسالة، وذهبت تهنئ أطراف النصر، لكنه اندهش، وبدت دهشته لي مصطنعة، إذ كيف لا أعرف أنهم كانوا يريدون فوز سامح عاشور، وأنه بنص العبارة "تبعنا"!

لقد اعتبرت هذا الوصف "تبعنا" إنما كلمة هو قائلها، وهي "شيء لزوم الشيء"، وهو ما عُرف من الأمنيين بالضرورة، فدائماً يشعروك بأن البلد قبضتهم، وأن كل ما نراه من أداء هو من صنيعهم، وأن كل الرموز ولو من المعارضين تمامه عندهم، فقلت له ساخراً: "مفهوم كل البلد تبعكم.."، ولم أكترث بما قال، لكن حدث بعد ذلك ما أكد لي أن الأمر لم يكن على النحو الذي اعتقدته، وصُور لي أنه ضمن "الأسطوانة المشروخة" التي تتردد على ألسنة القوم!

قلعة الحريات:

لقد بدأ اهتمامي بنقابة المحامين مبكراً، ومنذ أن بدأت العمل في الصحافة في منتصف الثمانينات، محرراً تحت التمرين، فقد كان هناك عيد أسبوعي مساء كل خميس، حيث يعقد مؤتمر حاشد ليشارك فيه كبار المحامين ورموز العمل السياسي، بحسب طبيعة المؤتمر، لدرجة أنني كنت أعتقد أن أهالي القاهرة لا بد وأن يكونوا محظوظين بوجود هذه النقابة العريقة، التي كان يُطلق عليها "قلعة الحريات"، ولم يفصلها سوى سور عن نقابة وديعة ومستأنسة هي نقابة الصحفيين.

في مؤتمرات المحامين، شاهدت فتحي رضوان، وإبراهيم شكري، وعاطف البنا، وحلمي مندور، وأحمد نبيل الهلالي، واستمعت للشيخ صلاح أبو إسماعيل، وحسام عيسى (قبل التحول)، ومحمد فهيم أمين، ويوسف صقر، واهتزت قاعاتها بالهتاف بسقوط وزير الداخلية زكي بدر، بالهتاف لفلسطين، وبهتاف اليسار واليمين "عاش نضال الشعب العربي.. عاش نضال المصريين"!

كانت مصر حية، وكانت روحها في نقابة المحامين، وكان النقيب أحمد الخواجة، ورغم أنه اختيار السلطة، بعد مرحلة النقيب المناضل عبد العزيز الشوربجي، إلا أنه كان كبيراً، فلم يسعَ للسيطرة على النقابة، ولم يكن مجمل أدائه مرضياً تماماً لهذه السلطة، لأنه كان من بقايا أقوام، يدركون معنى الجلوس على الكراسي الكبيرة، فتكون تصرفاتهم بحجم هذه الكراسي، وإن كان تأميمه للنقابة كان في اتجاه احتكار منصب النقيب، بالتحايل على القانون، وباستغلال علاقته بالسلطة في تغيير القوانين، بشكل يؤدي لبقائه نقيباً، وكانت السلطة ترضى بنصف العمى، مخافة أن تأتي للموقع شخصية أخرى يصعب السيطرة عليها، لتعيد مرحلة الصدام المباشر معها ومع رأسها!

وإذ ينص القانون على أن النقيب لولايتين، مدة الولاية أربع سنوات، فقد ظل الخواجة نقيباً لسبعة عشر عاماً بالتحايل، فقبل اكتمال الدورة الثانية كان حكم قضائي يصدر ببطلان الانتخابات، لتتم إعادة الدورة الثانية التي لم تكتمل أبداً، وكان خصومه يقولون إنه من يقف وراء هذه الدعاوى التي ترفع، وكانت خروقات تحدث في النتيجة يعلمها جيداً، تدعم الدعوى ليصدر الحكم على النحو الذي مكنه من النقابة إلى وقت فرض الحراسة عليها. ويتردد أنه لم يكن بعيداً عن دعوى فرض الحراسة، عندما أراد إخوان النقابة تهميشه، وتحويله إلى مجرد "طرطور"، فمنهم الرجل الثاني في النقابة وهو سيف الإسلام حسن البنا، ومنهم أمين الصندوق مختار نوح، ومن يسيطر على أمانة الصندوق في أي نقابة تكون عقدة النكاح بيده، فماذا بقي للنقيب وقد أصبحت يده مغلولة إلى عنقه بينما مختار نوح يداه مبسوطتان!

وقد استغلت دعوى فرض الحراسة، تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن وجود مخالفات مالية داخل النقابة، ليصدر الحكم بفرضها، وكان مقرراً أن يكون النقيب هو الحارس القضائي إلى حين أن تجرى الانتخابات!

لم يكن من الصعب أن يتوصل النقيب إلى تفاهمات مع سيف الإسلام البنا، فالأخير مع الخلاف السياسي، هو في النهاية "كبير" ينزل الناس منازلهم، لكن كانت المشكلة إخوانية، فمكانة نجل الإمام المؤسس داخل الجماعة رمزية، ربما أقل من مكانته لدى جموع المحامين، إذ كان الأعلى أصواتاً ومن النقيب نفسه، وتظهر الأصوات التي حصل عليها هي الأكثر بالمقارنة بغيره في قائمة الإخوان، لتؤكد أن الإخوان ومؤيديهم ليسوا فقط الذين ينتخبونه. ولم يكن للرجل من أداء نقابي يؤهله لذلك، إلا الوفاء "لعظم التُربة" لكونه ابن حسن البنا، وفي مرحلة بدا فيها البنا كما لو كان موضوعاً أكبر من أن تحتكره الجماعة بوضعها الحالي، فلم يكن موضوعاً للهجوم في صحف الحكومة أو منابرها!

واندفع البنا قريباً من الخواجة وبعيداً عن مختار نوح، إلا من خلال هذه التناطح الشعري مع النقيب في المؤتمرات العامة، عندما يستدعي أشعار حماسية قديمة تبدو موجهة ضد النظام، يعطيها حماسة صوته أهمية كما لو كان الحضور يقف على خط النار في المعركة الفاصلة، فيرد عليه الخواجة بأشعار أيضاً تنهى عن الصدام، وتزكي اللين، فتبدو المناظرة كما لو كانت جلسة سمر، لا يوجد فيها ما يؤكد على الخلاف أو يعكر الصفو!

خيال مآته:

لقد كان مختار نوح هو مندوب الإخوان في نقابة المحامين، وقرر أن يجعل من الخواجة "طرطوراً"، أو "خيال مآتة" مع أنه هو نفسه صنيعة الخواجة، ولم تغير هذه التفاهمات من طبيعة الأمر، إلا من حيث الصدام بين سيف البنا ونوح، وانتقل الخلاف على صفحات الصحف، ووصل الأمر إلى تهديد سيف نفسه بتقديم بلاغ للنائب العام، عن ما قال إنه فساد في النقابة ارتكبه أمين الصندوق، وبدا لي أن المنشور "فبركة صحفية"، لولا أن طرفي الخصومة ذكراه لي، عندما التقيت بهما كل على حدة!

إن كلاً من مختار نوح وسامح عاشور فازا في الانتخابات على قائمة الخواجة في البداية، بعد تغيير قانون النقابة واستحداث مقعدي الشباب في المجلس، فكان الأول إخواني، والثاني ناصري، واستمر الأخير جزءا من قائمته، أما الأول فقد قررت الجماعة غزو النقابات ليجد له عزوة أخرى، ويتمرد على الخواجة!

وكان الخواجة يتسم بالقدرة على الاستيعاب، فقد كان مفتوحاً على المحامين من التيارات الأخرى، وإذ بدأ تيار إسلامي آخر ينمو في صفوف النقابة، ومثلته جماعة المحامين الإسلاميين، وهو أقرب للجماعة الإسلامية، فقد كان أقرب إليهم من قرب الإخوان، وعندما طلبوا حضور الدكتور عمر عبد الرحمن لمؤتمر بالنقابة اعترض مختار نوح، لكنهم نجحوا في دعوته من خلال النقيب!

ولضمان استمراره، فقد عُدل القانون ليسمح بانضمام محامي القطاع العام والهيئات الحكومية للنقابة، على أن يكون لهم مقعد في المجلس، وكان هذا المقعد لأكثر من دورة من نصيب تهاني الجبالي، المحامية بالشؤون القانونية في جامعة طنطا، قبل أن تعين قاضية في المحكمة الدستورية العليا!

وكان الخواجة تعبيراً عن نقابة، هي قلعة الحريات، فتجده في القضايا الكبرى مثل القبض على مناهضين للتطبيع مع إسرائيل، مترافعاً، تماماً كما كان على رأس هيئة الدفاع عن المتهمين باغتيال السادات، ومثل قضايا أخرى تتهم فيها تنظيمات أخرى من هذا التوجه أو ذاك!

بيد أن الذين عاصروا عبد العزيز الشوربجي لم يكونوا ليعتبروا مثل هذا الأداء الذي يثير الدهشة بالمقارنة بما جاء بعد ذلك، من الأمور المهمة، فلا يمثل قيمة مضافة للخواجة!

وقبل الحضور الإسلامي قاد الدكتور محمد عصفور، وأحمد ناصر، معركة لإسقاط الخواجة بالدعوة لجمعية عمومية غير عادية، وتم الاعتصام في النقابة، قبل إلقاء القبض على المتمردين ومعهم أحمد ناصر، وكان كل من عصفور وناصر ينتميان للوفد، الذي يدعي الخواجة وصلاً به، في حين أن الدعاية المضادة تؤكد أنه عضو في الحزب الوطني. وعندما واجهته في مقابلة صحفية بهذا الاتهام، قال إنه يتحدى أن يخرج أحد مستندا يفيد بعضويته في هذا الحزب، وأكد أنه وفدي عريق، رغم أنه كان عضواً في تشكيلات حزبية صنعها عبد الناصر مثل التنظيم الطليعي، لكن لم يكن الوفد يثير هذا الانتماء، فالباشا فؤاد سراج الدين تمسك بعضوية نعمان جمعة في الوفد، رغم احتجاج الوفديين القدامى على ذلك، لأنه عضو في التنظيم الطليعي أو منظمة الشباب، ليشهد الحزب أول استقالة بعد تأسيسه الثاني كانت بسبب ذلك، ثم إن أحد نجومه في البرلمان هو علوي حافظ، أحد الضباط الأحرار، والذي عمل مديراً لمكتب السادات عندما كان رئيساً لمجلس الأمة!

كان الخواجة يدرك إنها حرب يقودها ضده الباشا، لأنه يراه منافساً محتملاً على رئاسة الوفد في المستقبل، فعمل على حرقه بهذا الدعاية، وبهذا التمرد ضده!

فرض الحراسة:

لقد مات الخواجة بعد فترة قصيرة من فرض الحراسة، وعلى الرغم من أن الحكومة قامت بإقرار قانون ضمانات ديمقراطية النقابات، فقد كانت تخشى من إجرائها في نقابة المحامين، وكذلك نقابة المهندسين والتي كانت أول نقابة تعرف هذه الإجراء البغيض؛ "فرض الحراسة"!

كانت دعاية إعلام السلطة، أن الأقلية المنظمة هي التي سيطرت على النقابات، ولاستدعاء الأغلبية المبعثرة كان القانون الذي اشترط ألا تكون الانتخابات بمن حضر، ولكن بأغلبية أعضاء الجمعية العمومية، وبنصاب محدد، ثم أعطت رئيس محكمة جنوب القاهرة رئاسة اللجنة المشرفة على الانتخابات، التي لا تكون إلا تحت إشراف قضائي، وكان هذا هو الباب الذي دخل منه الشيطان، إلى أن أبطلت المحكمة الدستورية العليا شرط الإشراف القضائي على نقابات الأصل في تشكيلها أنها حرة، وصدر الحكم قبيل الثورة!

وإذ أصبحت عقدة النكاح بيد رئيس محكمة جنوب القاهرة، فقد كان تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى بقرار منه، تغير رؤساء المحكمة بالإحالة للمعاش، ولم يتغير القرار، الذي هو تجميد النقابة باستمرار الحراسة، ويحدث بين الحين والآخر جدل بيزنطي، فرئيس المحكمة يقول إنه في انتظار الكشوف، فترسلها الحراسة فيرفض استلامها بحجة أنه لم تتم تنقيتها، فتعلن لجنة الحراسة (محامون) أن التنقية ليست من اختصاصها قانوناً، ومن اختصاص المحكمة، فترد المحكمة بالعكس!

وقد كتبت مقالات كثيرة على مدى هذه السنوات أندد فيها بهذه الحراسة، وأدعو إلى سرعة إجراء الانتخابات، كان المحامون يملّون ولا أملّ، وإذا جمعت هذه المقالات الآن، فسوف تصلح كتاباً من الحجم الكبير!

وإزاء هذا خرجت الرسائل من جماعة الإخوان تطمئن السلطة بأنها استوعبت الدرس ولن تخوض الانتخابات على قاعدة المغالبة، وأنها لن تنافس على مقعد النقيب وسوف تلتزم بأي مرشح للسلطة، وسيكون مرشحوها لعضوية المجلس في حدود ما يتم الاتفاق عليه، وبدت الحكومة قد ارتاحت للتجميد!

إدراك الجميع أن الحراسة قرار حكومي، فلا ترفع إلا بقرار من الحكومة، جعلهم في حالة استسلام وفي حدود الطلب أو الرجاء أو الاعتصام بين الحين والآخر، لكن محامية (شابة) وقتها لم تستسلم لذلك، حيث أقامت فاطمة ربيع دعوى قضائية بعد سنوات من الحراسة لتكون المفاجأة صدور حكم يلزم اللجنة القضائية المشرفة بتحديد موعد الانتخابات ورفع الحراسة، فأسقط في يد السلطة!

محامي أسرة الرئيس:

وكان قد برز اسم رجائي عطية، وهو إن كان محامياً كبيراً، يدبج المقالات في "الأهرام" ويؤلف الكتب، إلا أنه لم يعرف عنه توجه سياسي معين، ولم يكن جزءاً من أي حراك نقابي، والتف حوله المحامون لإنقاذ النقابة، سواء كانوا مستقلين أو من ذوي الاتجاهات السياسية، وقد دخل السياسة من باب أنه محامي أبناء الرئيس مبارك!

كانت إحدى المطبوعات التابعة للشركة السعودية للأبحاث المالكة لجريدة "الشرق الأوسط"، قد نشرت تقريراً عن نجلي الرئيس، وكان اسم علاء، وليس جمال، هو الذي يتردد في الشارع المصري كالطبل، مرتبطاً بالفساد المالي، وقيل إنه يفرض الشراكة على أصحاب شركات كبرى، استغلالاً للنفوذ، وكيف أنه طلب من صاحب توكيل بيجو، وأحد الضباط الأحرار (وجيه أباظة)، أن يقبله شريكا له، فلما اتصل بمبارك شاكياً، سأله عن كم ولد لديه، فلما أجابه قال له: اعتبر علاء ابنك الثالث!

وهكذا من كلام، انتشر في طول مصر وعرضها انتشار النار في الهشيم، أسمع الحكاية في القاهرة، فأجددها تتردد في الصعيد عندما أسافر إليه، والعكس، وذلك على الرغم من أن الصحافة لا تنشر شيئاً من هذا تصريحاً أو تلميحاً!

وانتشرت نكتة تقول إن صاحب صندوق لتلميع الأحذية، شكا من أن علاء مبارك شريكه في الصندوق. وفي هذه الفترة عرفت محافظة القاهرة بلاط الشوارع الأحمر، الذي يستخدم في الأرصفة، وما أن تنتهي المحافظة من رصف شارع، حتى تقوم بخلع البلاط وتدميره، وإعادة رصفه من جديد، وقيل أيامها -والحال كذلك- إن شركة البلاط مملوكة لعلاء مبارك!

وكتب الوزير السابق والأمين العام لحزب العمل، الدكتور حلمي مراد، مقالاً في جريدة "الشعب"، لسان حال الحزب، مندداً بما تفعله المحافظة من إهدار المال العام، وألمح إلى ملكية علاء مبارك لهذه الشركة!

والرجل كان يكتب مقطوعة قانونية في كل أسبوع، تبدو كلماتها مختارة بعناية، ويبدو المقال كحيثيات لحكم أصدره في بدايته أو من خلال العنوان، ولهذا كان التلميح لا التصريح، فمن يملك مستندات على هذه الملكية؟! ومع هذا كان لا بد أن يدفع الثمن لتطاوله على الباب العالي!

كان الدكتور مراد يقود حملة عنيفة مدعمة بالمستندات ضد فساد قطاع البترول، ومع أن مبارك كان قد قام بتعديل وزاري، أبقى فيه على الوزير عبد الهادي قنديل، فقد أقال الوزير في وقت لاحق وبشكل منفرد، كان مفهوما منه أنه بسبب هذه الحملة. وبعد نشر مقال البلاط الأحمر، تقدم الوزير المقال ببلاغ ضد الدكتور حلمي مراد يتهمه بالسب والقذف في ملف فساد البترول، وحققت معه نيابة أمن الدولة وقررت إخلاء سبيله بضمان مالي!

وقد جرى العرف أنه إذا لم تكن هناك سلطة للنيابة للحبس الاحتياطي في قضايا النشر، فالبديل أن يصدر القرار بالكفالة المالية في آخر النهار، فلا يتم إخلاء السبيل إلا بعد دفع الكفالة، ولانتهاء موعد العمل فقد أغلق الموظف الخزينة وغادر، والمعنى هو النوم في القسم لليلة كاملة فالصباح رباح!

وهذه العلة مكنت من الاختطاف الحرفي للدكتور حلمي مراد ولاثنين من الصحفيين، لقد ظل البحث عن مكان احتجازهم دون جدوى، فقد تم حجزهم في قسم شرطة النزهة الذي لا يقع في نطاق نيابة أمن الدولة، ولا تدفع الكفالة إلا في حضورهم، وظلوا يومين أو ثلاثة أيام في الحجز!

وكان الجو شديد البرودة، ولم يتم مدهم الغطاء اللازم، واضطر الدكتور حلمي مراد أن يخلع الجاكت ليجلس عليه، ليقيه شدة البرد المنبعث من الأرض، أو ليخفف من حدته في حدود المستطاع! ولم يكن أحد يجهل أنها رسالة من مبارك، بأنه وأهل بيته، لا يجوز في حقهم التصريح ولا التلميح، وأنه لا كبير على التنكيل!

وبعد هذا بسنوات كان تقرير المطبوعة السعودية عن نجلي الرئيس، ويحتوي على ما يتردد عن فساد علاء مبارك في الشارع المصري!

وكان النشر غريباً، فالعلاقة بين المملكة ومبارك كالسمن على العسل، فهل كان النشر لأن هناك سحابة صيف تعكر صفو العلاقة بين البلدين؟!

وأقام رجائي عطية دعوى قضائية أمام محكمة عابدين بالقاهرة نيابة عن جمال وعلاء مبارك، ضد الشركة السعودية وملاك الجريدة، ودفع السعوديون بمصريين، فكاتب التقرير هو سيد عبد العاطي الصحفي في الوفد، ومن أجازته للنشر في لندن هي الصحفية المصرية فوزية سلامة. واصطياد السعوديين بدا أنها رغبة النظام المصري، الذي طغت على فكرة الانتقام على النشر، وعندما اتصل أحد وجهاء الوفد بالنظام حتى لا يتم الانتقام من سيد عبد العاطي، تلقى جواباً بأن الصحفيين المصريين ليسوا موضوعهم!

وجاء رجائي عطية:

وقد تخطى محامي نجلي الرئيس الرقاب في موضوع نقابة المحامين، معلناً رغبته في الترشح لمنصب النقيب، فقد اعتبرها كثيرون أنها رمية بغير رام، وكان قولي لمن أعرف من المحامين المهتمين بالأمر، فلتطمئن السلطة إلى أن الجميع مع مرشحها، وعندما يفتح باب الترشيح ساعتها يكون لكل حادث حديث!

وما أن فتح باب الترشيح، وترشح رجائي عطية، حتى أعلن الحزب الوطني الحاكم، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العمل النقابي في مصر، أن رجائي عطية هو مرشح الحزب، واعتبرت أن هذه كارثة لا تقل عن كارثة فرض الحراسة، ومن ثم كان اتخاذ القرار بالنسبة لي سهلا، فهذا رجل النظام، ومرشح الحزب الحاكم، وليس فقط الدولة المصرية، فلا بد من الوقوف ضده، وانحزت لسامح عاشور، فهو في الأخير صاحب تاريخ نقابي، وهو ينتمي للمعارضة الرسمية باعتباره ناصرياً!

واعتبرتها قضية حياة أو موت، أتابع المعركة الانتخابية عن كثب ليلا ونهاراً، لتكون موضوع زاويتي اليومية "كلام في الهواء" بجريدة "الأحرار"، وكانت حملة سامح عاشور توزع المقال، وهو إطلاق رصاص يومي على مرشح الحزب الوطني، وكان التوزيع المسائي من "الأحرار" يختفي ولا نعثر له على جرة، ولا أعلم إن كان هذا بفعل حملة رجائي عطية، فتقوم بشراء المطبوع بمجرد نزوله في الأسواق، أم أن هذا كان بتواطؤ مدفوع الأجر مع التوزيع والباعة! لكن الحملة عرفت طريقها لمطابع الأحرار، في كل ليلة للحصول على نسخة لتوزيع المقال عبر تصويره وإرساله بالفاكس لمكاتبها في المحافظات، وكان يقوم بإحضار النسخة محامي صديق!

وفي يوم الانتخابات كانت آخر رصاصة موجهة عن قصد للإخوان تأنيباً وتعنيفاً، إذ كيف يقبلون بهذه الدنية في أمرهم، وينحازون لمرشح الحزب الحاكم، الذي سجن رموز العمل النقابي من الإخوان، وكانت قرارات الاعتقال قد أصابت الصف بالارتباك، وأعتقد أن المقال دفع المتذبذبين إلى حسم خيارهم بضرورة رفض مرشح السلطة!

فلما أطلقت رصاصتي الأخيرة، ورأيت أثرها في هذا الفوز الذي حققه سامح عاشور، اعتبرت أنني انتصرت في معركة الجهاد الأكبر، ولم آخذ بجدية كلام المسؤول الأمني الذي يمكن أن تعاد صياغته إلى "نشكرك على حسن تعاونك معنا"!

كان الإخوان مع مرشح السلطة رجائي عطية، التزاما بتفاهمات قديمة تجددت بأنهم لن ينافسوا على انتخابات النقيب من ناحية، ولن يقفوا سوى مع مرشحها من ناحية أخرى، لكن كانت المفاجأة أن رجائي عطية ليس مرشح السلطة، لكن شُبّه لهم ولنا!

كانت جبهة مراكز القوى في عهد النظام السابق، لا يحبون من يخترق دائرة الرئيس التي كان يقف حارساً عليها زكريا عزمي، رئيس ديوان الرئاسة، وقد قامت قيامتهم لأن الدكتور محمد علي محجوب اخترق هذه الدائرة وصار مبارك يألفه، ليستمر أطول وزراء الأوقاف عمراً، وقد تنبأ بذلك الشيخ صلاح أبو إسماعيل في حوار أجريته معه لجريدة "الوطن" الكويتية، في السنة الأولى للوزير في الوزارة، لأن محجوب يملك مهارات لا يملكها غيره ممن تولوا هذا المنصب، وقد نجح في اختراق قلب مبارك، لكن سدنة المعبد تآمروا عليه، ونجحوا في إبعاده بمؤامرة ولهذا قصة طويلة يطول شرحها!

إن أزمة رجائي عطية أنه ليس مرشحهم ولكنه مرشح مبارك، ومن بالتالي لن يكون لهم عليه سلطاناً، وإذا كان هذا مقبولاً في مرحلة سابقة، ورث فيها مبارك دولة السادات بكل مشتملاتها، فليس مقبولاً الآن بعد نهاية هذه الدولة برحيل أحمد الخواجة، ومع تمدد نفوذهم هم، فضلا عن أن رجائي عطية هو بطبيعته رجل صدامي وعنيف، لا يسيطر على تصرفاته بسهولة، وقد ساعده على ذلك الإحساس بأنه فقيه قانوني لا يشق له غبار، وأنه أستاذ في مهنته، وينبغي أن يكون سيداً في قومه، فكان عدوانيا في كثير من ردود فعله، فماذا لو كان يتعامل مع موظفي دولة مبارك، وعلاقته مباشرة بالرئيس!

وكان هناك ثلاثي في السلطة يعتقد أن النقابة تقع ضمن اختصاصهم الوظيفي، هم رئيس البرلمان فتحي سرور، باعتباره محامياً في الأصل وأستاذ القانون، ووزير العدل المستشار فاروق سيف النصر، والرجل القوي في الحزب الوطني كمال الشاذلي، وكان خيارهم أن يكون النقيب من خارج السلطة لكي يكون هم من يلجأ إليهم، ولا يوجد خط اتصال بينه وبين الرئيس مباشرة، ولهذا انحاز صفوت الشريف بصفته رئيس مجلس الشورى ورئيس مجلس الأعلى للصحافة، لوجود جلال عارف، مرشح تيار الاستقلال النقابي لنقابة الصحفيين، واطمأن له أكثر من وجود إبراهيم نافع أو مكرم محمد أحمد أو أي مرشح آخر للسلطة، وقدمه لمبارك. وحصلت النقابة في عهده على امتيازات للنقابة بدون طلب منه، لم يحصل عليها أحد قبله، تماما كما كان يتمنى نجاح ضياء رشوان وسقوط مكرم محمد أحمد بعد ذلك!

وعلى ذات القواعد انحاز الثلاثي أعلاه لفكرة نجاح سامح عاشور، وكان لا بد من ضرب التحالف بينه وبين الإخوان المسلمين (القوة الضاربة)، فارتبكوا وإن لم يعلنوا تغيير الدفة، لأنهم لم يتمكنوا من فهم ما يحدث، فقد نسقوا مع مرشح الحزب الوطني بحسب بيان صادر منه، ومحامي نجلي الرئيس مبارك، ومع ذلك يعتقل من قادوا عملية التنسيق معه ممثلين للإخوان هما مختار نوح وخالد بدوي، وكان الاتهام الموجه لهما غريباً، وهو التخطيط لخوض الانتخابات بنقابة المحامين، وحوصر مقر الاجتماع قبل القبض عليهما مع عدد آخر من المحامين الإخوان، كما لو كان مخبأ لتجارة السلاح!

وكانت الرسائل لا تخطئ العين دلالتها؛ لقد فشلت كل مساعي رجائي عطية للإفراج عن حلفائه، والذين تم تكديرهم بملء الزنزانة بالمياه في شهر الشتاء، لتسمح الأجهزة الأمنية للمرشح سامح عاشور بزيارتهم، وقبول وساطته من خلال السجن المريح وإدخال البطاطين لهم!

وهذا الثلاثي يستغل دائما أن مبارك لا يهتم بالتفاصيل، ثم إن لديه ما يشغله دائما بعيداً عن العمل الجاد، فهو يعيش في شرم الشيخ، يشاهد البرامج التلفزيونية ليتحدى الملل، ولأنه يستيقظ مبكراً كعادة ضباط الجيش، فقد صنعوا له خصيصاً برنامج "صباح الخير يا مصر"، وإن كان رجائي عطية هو مرشحه، فإن الاتصال به ليس متاحاً دائماً للشاكي من التصرفات الأمنية، ومن مؤامرة اللوبي!

وعلى مدى أربع سنوات كان سامح عاشور عند حسن الظن، فقد أخرج نقابة المحامين من معادلة السياسة، وقام بتأميمها بالكامل لصالح السلطة، وصار هو الخيار المناسب أفضل من تأميم لجنة الحراسة القضائية، وعندما شهدت مصر الحراك السياسي الكبير، كان موقعه نقابة الصحفيين وسلالمها. كان مبنى نقابة المحامين خارج إطار الخدمة، ومن يزايد على ناصري أو يساري، إذ صار أداة في يد السلطة وفي يد أجهزتها الأمنية؟!

علاج الخطأ:

فلما كانت انتخابات 2004، وجدت أن الفرصة مناسبة لإصلاح الخطأ، الذي ارتكبته، فلم أتوقف خلال السنوات الأربع عن محاولة إصلاحه، بكشف هذا التأميم للنقابة العريقة على يد من كنا نحسبه على المعارضة، فاذا هو أخلص للسلطة من رجالها!

وقد ترشح رجائي عطية للمرة الثانية، فقد كنت وصلت إلى حالة من اليقين، بأن رجال الدولة هم أفضل من رجال الأمن، وأن من علاقته بمبارك سيكون أفضل ممن هم يعملون في الخدمة بالبيوت، وإن ادعوا أنهم ينتمون للمعارضة الوظيفية، لا سيما وإن كان الاختيار بين الصنفين!

وفي الحقيقة قبلت رجائي عطية على مضض، وعندما تحدث معي مجموعة من المحامين الأصدقاء عن صحيفة يريد أن يصدرها تعبر عنه وعن النقابة، وضعت شروطي التي تعني أنه القبول بأبغض الحلال، وعصرت على نفسي ليمونة، وقد بدوا لي مثلي، فهم نقابيون، يشغلهم استقلال النقابة، ومنهم يساريون وقوميون وإسلاميون بل وناصريون أيضاً، كانوا يعتبرون سامح عاشور هو من حرض أحمد الخواجة في معركة محمد عصفور وأحمد ناصر على شطب عضويتهما التي عادت إليهما بحكم قضائي!

ولأنهم مارسوا على ضغوطاً بحكم الصداقة، والموقف النقابي الواحد الذي يتمحور حول فكرة الاستقلال، فقد وضعت شروطي، وهي أن أشرف مهنياً على الصحيفة بدون أن أضع اسمي عليها، وألا يتدخل أحد في العمل الصحفي، وألا أتعامل مع رجائي عطية أو يتعامل معي، على أن تشكل منهم هيئة مستشارين يكون التعامل معها!

ومما قلته في رفضي للتعامل معه، إن فيه من صفاتي، كلاناً صدامي، وكلانا معتز بنفسه، وكلانا يرى نفسه "أسطى" في مهنته، ومع هذه الصفات فإذا وقع الصدام، ومن المؤكد أنه سيقع سريعاً لهذه الصفات المشتركة، فسوف ينتهي بأحدنا في السجن والثاني في الدار الآخرة، وهو ما قلته لهم مازحاً.

وكان لي ما أردت، ولحساسية التعامل المالي لدى الجميع، فقد كان المخول بذلك محامياً من مكتبه، كان شخصاً صعيدياً راقياً، لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولا شأن له بالسياسة التحريرية، وإن كان مصدر ثقة لدى جميع هيئة المستشارين، لأنهم كانوا يعرفونه عن قرب ولم أكن أعرفه قبل ذلك!

وزار رجائي مقر الجريدة مرتين أو ثلاث مرات، وبدا ودوداً على غير ما يشاع عنه، وربما حمل نفسه على أن يكون كذلك، لأن رسالة هذا الشخص الصدامي مثله قد نقلت إليه، ولم يتدخل في السياسة التحريرية سوى مرة، بدا ضجراً منا، فقاله ملاحظته بطريقة أضحكتنا جميعاً، لكن لم نستجب لها!

كانت سياستنا هي الانفتاح على كل المرشحين لعضوية المجلس، بحسب صيتهم، ومن هنا وجد حازم أبو إسماعيل، المرشح لأول مرة، طريقه لهذه الجريدة، فكلفت أحد الزملاء بأن يجري حواراً معه، ولم يكن مشهوراً في أوساط المحامين أو الأوساط العامة، لكن للسبب الذي نقله له الزميل على لساني، من أجل والده المرحوم الشيخ صلاح أبو إسماعيل!

ولم تكن في هذه السياسة مشكلة، لكن المشكلة أن ما كان يجمعنا هو رفض سامح عاشور، ومن داخلنا لم نكن متحمسين في قرارة أنفسنا لرجائي عطية، دون أن نعترف لأنفسنا بذلك، ولأنه وضع يده على الجرح فقد أضحكنا بشدة يومئذ، مع أنه يتدخل في السياسة التحريرية رغم اتفاقنا المبدئي، وإن بدا في كلامه حساساً فقال قبل طرح الملاحظة إنه لا يتدخل في سياسة الجريدة!

كنا نصوب المدفعية الثقيلة على سامح عاشور، باستخدام كل فنون العمل الصحفي، وبالمناورة الصحفية أيضاً، فلا نكتب عن مخالفات مالية إلا بمستند، ولا نتعرض لسياسة إلا في حدود القانون، لأننا في النهاية في عش الدبابير، ولن يرحمنا الطرف الآخر إذا وقعنا تحت طائلة القانون، وفي المهارة الصحفية ما يكفي لتعويض المباشرة في كثير من الأمور بسبب هذه المحاذير!

نسينا رجائي

وقال رجائي عطية: لقد اقتنع الناس أن سامح عاشور "ابن ستين في سبعين"، طيب انقلوا على أنه رجائي عطية "حلو"..!

يا الهي، لقد نسينا أنه مرشح، ولم يكن يعنينا إلا أن يسقط سامح عاشور، لكن لم نهتم بنجاحه هو، وهو من الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها أي حملة انتخابية، لأنه عندما لا تتبدل سيئات الخصم إلى حسنات لدى المرشح المنافس، فسوف يعتمد الناس سياسة من نعرفه أفضل ممن لا نعرفه. وبالفعل نجح سامح عاشور للمرة الثانية، ليقود النقابة في اتجاه المزيد من التأميم، وعدلت السلطة القانون من أجله، على نحو يمكنه من الترشيح لدورة ثالثة، على النحو الذي فعله السيسي بالتعديل الدستوري، فلا تحسب الدورة السابقة للتعديل، ليخوض الانتخابات للمرة الثانية، فتكون النتيجة ليست على البال أو الخاطر، فلم يسقطه فقيه قانوني بحجم رجائي عطية، وإنما أسقطه من جاء من المجهول، وإن كان نقيب فرعية الجيزة، وهو حمدي خليفة، تحقيقا للقاعدة التي تقول إن الله يضع أحياناً سره في أضعف خلقه!

كانت من الدعايات المضادة ضد رجائي عطية، فضلا عن أنه مرشح السلطة، ومحامي أسرة مبارك، أنه ضابط جيش سابق، لنفي الانتماء الأصيل والخالص للقانون وأهله. ولعله كان يدرك هذا، فبنى نفسه بنفسه ليثبت أنه رجل قانون، وزعيم في مجاله، وأن فترة الجيش هذه كانت عابرة في تاريخه!

ومن سخريات القدر، أن تغير الحال بعد الانقلاب العسكري، وبدأ كثيرون ينشرون صورهم أيام مرحلة التجنيد الإجباري بالملابس العسكرية، ومن يفخر بأن والده، أو جده، أو خاله، أو عمه، كان ضابطاً في الجيش، ولو ضابط مخلة، امتثالاً لقاعدة "إذا فاتك الميري تمرغ في ترابه". في هذه الأجواء جاء رجائي عطية يذكر بخلفيته العسكرية، لكن أصحاب الخلفية العسكرية كانوا مع سامح عاشور، الذي بنى دعايته بأن خصمه رجائي حليف قديم للإخوان، وهذا صحيح، ورد رجائي بالهجوم على الإخوان، والقول بأن سامح هو حليفهم، وهذا صحيح بدرجة ما في فترة سابقة، وبالغ في الهجوم حتى قال إن تاريخهم كله مليء بالاغتيالات!

لكن قلب السلطة كان مع سامح عاشور، فالخادم في بلاط العسكريين أفضل من أصحاب الانتماء العسكري المباشر، لأن طبيعة رجائي عطية تجعله في قرارة نفسه يرى أنه بحسب تقاليد الجيوش هو الأهم من السيسي بمعيار الأقدمية، وإن كانت الرتبة تجبها، فهو في المقابل فقيه قانوني، بما يجعله في حكم الأستاذ المعلم!

ولم يكن بالإمكان أن يجهر بذلك، لكن من يعرفونه يدركون أن هذا هو إحساسه الداخلي، ليكون نفس مقاييس مراكز القوى في عهد مبارك هي الحاكمة ضده، لكن كانت المفاجأة هي سقوط سامح ونجاحه، وهو نجاح جاء متأخراً، لأنه جاء في نهايات العمر، فكشف ملف الفساد، وأوقفه، وتقدم به لجهات التحقيق. لكن سامح محمية طبيعية وقد أسبغ النظام عليه حمايته بمنحه الحصانة البرلمانية وتعيينه عضواً في مجلس الشيوخ، ولم يعين النقيب المنتخب، في رسالة واضحة الدلالة!

وذهب رجائي عطية بعيداً لإثبات الولاء، فأكد على سعودية تيران وصنافير، لكن لم يتقبل منه، فسامح عاشور هو خيار أولي الأمر، وإذ نجح رجائي فلا مانع من التعامل معه على مضض، للانتخابات القادمة، لكن يد الموت كانت أقرب، فيموت في المحكمة، بينما في طريقه للدفاع عن محامين معتقلين، وهو أمر لم يكن لسامح عاشور أن يقدم عليه في الظرف السياسي الحالي، ولن يجد من يزايد عليه، فمن يزايد على يساري أو ناصري!

إن رجائي عطية جزء من تاريخ نقابة، وبلد، وحكم، كانت له أصوله التي يجهلها كثيرون، لتكون وفاته بهذه الطريقة مبعث ضيق من خصومه، وكأنه قرر أن يذكره التاريخ بهذه النهاية مكايدة فيهم!

فيثاب المرء رغم أنفه!

twitter.com/selimazouz1