تقارير

توفيق زياد.. شاعر الأرض في يوم الأرض

توفيق زياد هو الشاعر الذي فجر يوم الأرض ليصبح يوما وطنيا فلسطينيا

بعد القرارات المجحفة التي اتخذتها سلطات الاحتلال في فلسطين في آذار (مارس) 1976 بضمّ الأراضي ومصادرة آلاف الدونمات من أراضي القرى العربية لخنقها وتركيع أهلها، قرر رؤساء البلديات العربية في فلسطين الاجتماع لبحث أمر قرار الإضراب في مركز بلدية مدينة شفاعمرو. اجتمع رؤساء البلديات في 27 آذار (مارس) 1976، واحتشدت الجماهير العربية حول مركز البلدية وهي تهتف بالروح والدم للحفاظ على الأرض العربية، وتهاجم الاحتلال الصهيوني وتطالبه بالرحيل. 

أثناء ذلك، كانت قوات الاحتلال قد رتّبت أمرها مع عدد من رؤساء البلديات المتواطئين، كي لا ينجح قرار الإضراب، واستغرق الاجتماع ساعات من النقاش والجماهير تنتظر، بدون أي اتفاق بين المجتمعين على الإضراب ضد ممارسات الاحتلال.

فخرج رئيس بلدية الناصرة إلى شرفة البلدية، وأطلّ على الجماهير، وصاح فيهم، قائلاً: "الشعب قرر الإضراب". وهدرت هتافات الجماهير في المكان فانصاع رؤساء البلديات، واندلعت المواجهات مع شرطة الاحتلال التي اعتدت عليهم فجرحت المئات واعتقلت العشرات.

رئيسُ البلدية الذي أعلن ما يريده الشعب، وخرج من نبض الشعب، ليس غريباً أن يكون شاعراً ـ وليس بعيداً أن يكون هو الشاعر الكبير توفيق زياد، وهو نفسه سبب يوم الأرض الفلسطينية في 30 آذار (مارس) من كل عام.

لقد فجّر هذا الشاعر يوماً وطنياً فلسطينياً تعمّم على الداخل والشتات ليصبح أهمّ مناسبة وطنية فلسطينية تحمل العزم والإصرار على التمسك بالوطن.

 



ولم يتوقف توفيق زياد عن هذا الحد، بل أصبحت قصائده وأناشيده من أشهر أغاني الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وعلى رأسها "أناديكم" للفنان أحمد قعبور، وقصيدته الشهيرة "باقون".

حين برزت الحركة الأدبية والشعرية تحت الاحتلال، برزت ثلّةٌ من شعراء فلسطين الذين طبعوا المرحلة بأشعارهم، وهم توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم.. ورافقهم أيضاً سالم جبران وراشد حسين وآخرون.

وقد كان توفيق "كبيرهم الذي علّمهم الشعر"، فسبقهم في السن وفي الشعر، عايش فترة المخضرمين (بين النهضتين الثانية والثالثة)، حتى قال عنه عز الدين المناصرة في دراسة كتبها كمقدمة لديوانه "إن شعر توفيق زياد الملتزم امتدادٌ للشعر الكلاسيكي والرومانسي في الثلاثينيات والأربعينيات، وكذلك هو امتداد لشعراء الواقعية الاشتراكية العرب في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، بل هو مزيج بينهما".

ورغم أنه من المخضرمين إلا أنه لم يُحسب عليهم، بل قاد النهضة الثالثة مع رفاقه. 

غير أن ملاحظتي الأساسية عليه أنه أبرز التزامه الفكري والسياسي الأممي على حساب الجانب الفني في الشعر، وربما على حساب الجانب الوطني، فنراه يخصص مجموعةً شعرية كاملة بعنوان "شيوعيون"، ومنها قصيدة "على ضريح لينين" التي تفوّقت على القصائد الصوفية والقبورية في انبهارها بصاحب القبر، فيقول "أمامه وقفتُ خافضَ الجبينْ.. ضريحُكَ الذي يعيش في القلوب يا لينين".

كما خصص لكل القضايا الماركسية في العالم قصائده، بدءاً من الثورة البلشفية في موسكو حتى كوبا وفييتنام، مروراً بالإضرابات العمالية في أنحاء العالم. وهذه مسألة فكرية واجهها غيره من الشعراء الملتزمين من التيارات القومية والإسلامية، بخصوص تقديم الوطني على الفكري في شعرهم (شعراء الدعوة الإسلامية وشعراء القومية والواقعية الاشتراكية)، بل حتى في نضالهم (حرب اليمن وحرب أفغانستان).

سيرته الذاتية

ولد الشاعر توفيق أمين زياد في مدينة الناصرة عام 1929، ودرس الابتدائية والثانوية في مدارس المعارف الحكومية. بدأ نضاله مبكّراً، فانضم إلى الحركات الوطنية في داخل الأرض المحتلة، وانتسب للحزب الشيوعي، وانتُخب رئيساً لبلدية الناصرة ستّ مرات حتى وفاته.

كتب المقالة والبحث والشعر، واهتمّ بالأدب الشعبي.. وعايش قضايا شعبه ونزل إلى الميدان في الانتخابات البلدية. مُنح وسام القدس عام 1990، وتوفي في حادث سيارة مروّع عام 1995.

من مؤلفاته:

"أشد على أياديكم"، 1966. "أغنيات الثورة والغضب"، 1969. "ادفنوا أمواتكم وانهضوا"، 1969. "أم درمان المنحل والسيف والنغم"، 1970. "شيوعيون"، 1970. "كلمات مقاتلة" 1970. "عن الأدب الشعبي الفلسطيني"، 1970. "عمان في أيلول"، 1971. "تهليلة الموت والشهادة"، 1972. "سجناء الحرية"، 1973. "ممنوع وقصائد ممنوعة أخرى"، 1973. "صور من الأدب الشعبي الفلسطيني"، 1974. "حال الدنيا"، 1975.

وقد جُمِعت أشعاره في "ديوان توفيق زياد"، 2000.

نماذج من شعره

باقون

كأننا عشرون مستحيل
في اللدّ والرملةِ والجليلْ
هنا.. على صدورِكم، باقونَ كالجدارْ
في حلوقِكم،
كقطعةِ الزجاجِ، كالصبّارْ
وفي عيونِكم،
زوبعةٌ من نارْ،

هنا.. على صدورِكم، باقونَ كالجِدارْ
نجوعُ.. نعرى.. نتحدّى
ننشدُ الأشعارَ
ونملأُ الشوارعَ الغضابَ بالمظاهراتْ
ونملأُ السجونَ، كبرياءْ
ونصنعُ الأطفالَ.. جيلاً ثائراً وراء جيلْ
كأننا عشرونَ مستحيلْ
في اللدِّ والرملةِ والجليل

إنا هنّا باقون
فلتشربوا البحرا..
نحرسُ ظلَّ التينِ والزيتونْ
ونزرعُ الأفكارَ، كالخميرِ في العجينْ
برودةُ الجليدِ في أعصابِنا
وفي قلوبِنا جهنمٌ حمرا
إذا عَطِشنا نَعصرُ الصخرا
ونأكلُ الترابَ إن جُعنا ولا نرحلْ
وبالدَّمِ الزَكِيِّ لا نَبخل.. لا نبخل.. لا نبخل
هنا لنا ماضٍ.. وحاضرٌ.. ومستقبل

جسر العودة

أحبّائي.. برمشِ العينِ،
أفرشُ دربَ عودتِكم
برمشِ العين
وأحضنُ جرحَكم
وألُمُّ شوكَ الدربِ،
بالكفَّين.
ومن لحمي..
سأبني جسرَ عودتِكم،
على الشطَّين!!

أنــاديــكم

أناديكم
أشدُّ على أياديكُم..
أبوسُ الأرضَ تحتَ نعالِكم
وأقول: أفديكم
وأُهديكم ضَيا عَينيَّ
ودفءَ القلبِ أُعطيكُم
فمأساتي التي أحيا
نصيبي من مآسيكُم

أناديكُم
أشدُّ على أياديكُم..
أنا ما هُنتُ في وطني
ولا صغّرتُ أكتافي
وقفتُ بوجهِ ظلاّمي
يتيماً عارياً حافي
حملتُ دمي على كفّي
وما نكّستُ أعلامي
وصنتُ العُشبَ فوقَ قبورِ أسلافي
أناديكُم .. أشدُّ على أياديكم

 

 

*كاتب وشاعر فلسطيني