تقارير

إبراهيم طوقان شاعر فلسطين الأول ورائد النهضة الأدبية (2من2)

إبراهيم طوقان.. أسهم في التأريخ للقضية الفلسطينية شعرا- (أرشيف)

شهدت حياة الشاعر إبراهيم طوقان معارك أدبية وسياسية مع الانتداب ومع الصهاينة الذين استوطنوا فلسطين وكانوا يكيدون له المكائد في الإذاعة التي انطلق منها إلى عمله الوطني ومعاركه الأدبية والسياسية. ويمكن القول إن القضايا التي رافقت مسيرة "شاعر فلسطين" إبراهيم طوقان أثرت في مساره وفي القضية الفلسطينية.
 
وتنبّه القائمون على الإذاعة إلى أمره، حيث إن القسم العربي يتعمّد إغفال الدعاية للحكم القائم، واختياره بعض القصص التراثية التي تصف واقع الحال من "كليلة ودمنة" لابن المقفّع، ومن "كتاب الاعتبار" لابن منقذ، كما تصدّى لهم إبراهيم حين أرادوا فرض اللهجة العامية على البرامج العربية.

أما القضية القاصمة، فكانت قضية السموأل (الشاعر العربي اليهودي الموصوف بالوفاء)، حيث أثبت بدراسة شاملة أن قصة السموأل من "إسرائيليات" الشعر العربي، أدخلها حفيده دارم بن عقال المعروف بأنه ناقل غير ثقة، وهنا أخذها الأصفهاني في كتابه الكبير "الأغاني".. وتعرض بسببها لهجوم كبير من صحافة العدو، وردود تتهمه باللاسامية، وتحرض سلطة الانتداب ضده.. حتى أُقيل من عمله.

تنبّه الدكتور عمر فروخ لدور طوقان والتشابه الغريب مع أبي القاسم الشابي، في المولد والوفاة والإبداع والدور الريادي في التأثير على الشعب بالشعر.. 

وثّق إبراهيم طوقان الثورة في شعره. وإن كان نوح إبراهيم قد سبقه في الأهازيج العامية والمشاركة الميدانية في الثورة، فإن طوقان لم يكن يرضى أن يرتجل دون تمحيص، فكان الشاعران يجسدان الأحداث، غير أن العناصر الفنية في شعر طوقان أكثر عمقاً وإحساساً من الشعر الشعبي لنوح إبراهيم. 

كان شاعرنا شديد الاهتمام بشعره وتنقيحه، فكان يرفض نزول مستواه، فكان ـ كما يقول شقيقه أحمد في مقدمة الديوان ـ يشطب بعض القصائد ويكتب عندها "قصيدة مفككة الأوصال باردة العواطف"، وأحياناً يشطبها دون تعليق فني، بل لأن مناسبة القصيدة لا تستحق التخليد.

وتراوحت موضوعات شعره بين التجربة الذاتية والتجربة الوطنية الواسعة، وهو عندما يكتب شعراً ذاتياً فإن لهجة شعره تجيء رقيقة متوهجة العاطفة. أما عندما يكتب عن التجربة الوطنية فإن لهجة هذا الشعر تتراوح بين مستوى الاحتفال البلاغي بالبطولة والشهامة والتضحية ومستوى السخرية الهازئة، إذ يهاجم المثبطين في الوطن وتلك النفوس الصغيرة التي عملت على انتهاك حرمة الجهاد وقدسية التضحية.

وطوقان هو أحد أبرع الشعراء المعاصرين في لجوئه إلى السخرية اللاذعة كوسيلة للهجاء السياسي قبل مظفر النواب ـ كما تقول أخته الشاعرة فدوى في كتابها "أخي إبراهيم" ـ ولكنه ظل في الوقت نفسه أكثر حفاظاً على جماليات الشعر وتهذيبه، حتى في أشد قصائده تصويراً هزلياً..

التوثيق شعراً

لا نعني بالتوثيق شعراً، أن شعره كان سردياً أو وصفياً لمعركة أو حادثة، بل إن شاعرنا كان لا يفوّت حدثاً إلا ونظم فيه ما يلهب أنفاس الجماهير وقلوبهم وعقولهم.. وقد شهدت المنطقة في حياة إبراهيم طوقان تطورات وتقلبات جذرية أدّت بعد وفاته إلى النكبة. وكانت مساعي بريطانيا واليهود واضحة له يومها، ولم يكن بحاجة إلى خبير أو كاشف أسرار.

ومن أبرز الأحداث التي شغلت بال طوقان، وعد بلفور (1917)، وأحداث البراق (1929)، واستشهاد الشيخ القسام (1935)، والثورة الكبرى (1936 ـ 1939)، الحرب العالمية الثانية (1939)، وهكذا كانت الأحداث المتسارعة تؤثر في تغيير شعبنا بطريقة غير مباشرة. وكانت أهم المسائل التي شغلت بال الفلسطينيين في تلك الفترة بيع الأراضي، والمعارك، والهروب من المعركة، والجواسيس والعملاء، وظاهرة التعصب للأحزاب، وشجاعة المجاهدين، وكثرة الشهداء. ولم ينسَ أن يصور مأساة فلسطين ودقائق أسبابها ووسائل علاجها، تجنباً لسوء العواقب، بل للنكبة التي تنبأ بها قبل وقوعها:

أمامَكَ أيُّها العربيُّ يومٌ.. تَشيبُ لِهَولِهِ سُودُ النَّواصِي  

ومن قصائده التي وثق بها الأحداث، قصيدته الشهيرة "الثلاثاء الحمراء" التي ألقاها في حفل نهاية العام الدراسي في مدرسة النجاح الوطنية حيث درّس فيها (1929 ـ 1930). ففي حزيران 1930 صدر حكم الإعدام على الأبطال الثلاثة محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. وأثناء تنفيذ حكم الإعدام تزاحم الثلاثة على التقدم إلى المشنقة. وهنا صور طوقان ساعات الإعدام في قصيدة ما زال يرددها الناس عن مصارع الشهداء الثلاثة وسماها "الثلاثاء الحمراء". وألقاها قبل مضي عشرة أيام على استشهادهم، وغاب وعيه عن الجمهور واندمج بالإلقاء، فألقاها بجسده وروحه وأعصابه، فما إن انتهى ونظر إلى الناس حتى رآهم في حالة بكاء شديد، ثم تدفقوا إلى خارج القاعة في هياج شديد، فقيل يومئذ "لو أن إبراهيم ألقى قصيدته في بلد فيه يهود، لوقع ما لا يحمد عقباه".

قدم طوقان في قصيدته بحوار بين الأيام ونوائبها، ويعدد بعض الأيام المهمة في التاريخ الإنساني، حتى يصل إلى يوم "الثلاثاء الحمراء"، ثم يتحدث باسم ساعات الإعدام الثلاثة، عن الشهداء، حيث أعدم الأبطال في ثلاث ساعات متوالية.

ونقتطف من كل "ساعة" مطلعها، وتقول الساعة الأولى؛ "ساعة" الشهيد فؤاد حجازي:

أنا ساعة النفس الأبية
الفضل لي بالأسبقية
أنا بِكر ساعات ثلاث
كلها رمز الحمية
بنت القضية إن لي
أثراً جليلاً في القضية

وتقول الساعة الثانية؛ "ساعة" الشهيد محمد جمجوم:

أنا ساعة الرجل العتيد
أنا ساعة البأس الشديد
أنا ساعة الموت المشرف
كل ذي فعل مجيد
بطلي يحطم قيده
رمزاً لتحطيم القيود

وتقول الساعة الثالثة؛ ساعة الشهيد عطا الزير:

أنا ساعة الرجل الصبور
أنا ساعة القلب الكبير
رمز الثبات إلى النهاية
في الخطير من الأمور
بطلي أشدَ على لقاء
الموت، من صُمّ الصخور

ولم يتوقف أمام قضية الشهداء الثلاثة عند هذه القصيدة فقط، بل كرّمهم بقصيدة أخرى في الذكرى الرابعة لاستشهادهم، بقصيدته الأشهر بعنوان "الشهيد"، التي ردد الكبار والصغار أبياتها:

عبسَ الخطبُ فابتسم
وطغى الهول فاقتحم
رابط الجأش والنهى
ثابت القلب والقدم
لم يُبالِ الأذى ولم
يُثنه طارئ الألم

ولم يكن طوقان يداهن المنتفعين والنافذين، بل إنه كرّس الكثير من قصائده وأنشطته لهجائهم وتنبيه الشعب من شرّهم، بل كان يسخر منهم وينتقد طمعهم، وفي قصيدة رائعة، يقارن بين انتفاع اليهودي (تجاري وصيرفي) وانتفاعنا نحن منها (مولدنا وحياتنا ومدفننا).. ويقول:

أعداؤنا منذُ أن كانوا صَيارفةٌ .. ونحنُ منذ هبطنا الأَرضَ زُرَّاعُ
لَمْ تَعكسوا آيةَ الخلاَّقِ بل رجعت .. إلى اليهودِ بكم قُربى وأطباعُ
يا بائعَ الأرضِ لم تحفِلْ بعاقبةٍ .. ولا تعلَّمتَ أنَّ الخصم خدّاعُ
لقد جنيتَ على الأحفادِ وا لهفي .. وهم عبيدٌ وخُدَّامٌ وأتباعُ
وغرك الذهبُ اللماعُ تُحْرزُهُ .. إن السَّرابَ كما تدريه لمَّاعُ
فكَّرْ بموتكَ في أرضٍ نشأتَ بها .. واتركْ لقبركَ أرضاً طولها باعُ

وصبّ نقمته على سماسرة الأراضي، وأعلن عليهم الحرب داعياً إلى التخلص منهم في قصيدة يقول فيها:

أمَّا سماسرةُ البلاد فعصبة.. عارٌ على أهل البلاد بقاؤها
إبليسُ أعلن صاغراً إفلاَسه .. لمَّا تحقَّق عنده إغراؤها
يتنعَّمون مُكرَّمين كأنَّما .. لنعيمهم عمَّ البلاد شقاؤها

وكثيراً ما انتقد الحزبية التي كانت تتنازع الفلسطينيين، وانتقدهم في قصائده:

ما لكم؟ بعضكم يمزق بعضاً.. أفَرَغتم من العدو اللدودِ؟
اذهبوا في طولِ البلادِ وعرضِها.. وانظروا ما لخصمِكم من جهودِ

ويقول فيها ساخراً:

أنتم المخلصون للوطنيَّةْ .. أنتمُ الحاملون عبءَ القضيَّةْ
أنتم العاملون من غير قولٍ .. باركَ اللهُ في الزنود القويَّةْ
وبيانٌ منكم يعادل جيشاً .. بمعدَّات زحفه الحربيَّةْ
واجتماعٌ منكم يَرُدُّ علينا .. غابرَ المجدِ من فتوح أُميَّهْ
وخلاصُ البلادِ صار على الباب وجاءت أعيادُه الورديَّة
ما جَحَدنا أفضالكم غير أنَّا .. لم تزل في نفوسنا أُمنيَّةْ
في يدينا بقيَّةٌ من بلادٍ .. فاستريحوا كيلا تطير البقيَّةْ

ولم يسكت طوقان عن هجرة اليهود إلى فلسطين، فقد أدرك كغيره خطورة تزايد أعدادهم في فلسطين، وأنها تصب في مشروع الدولة اليهودية، فكانت قصيدته التي نظمها بعنوان "1000"، وهو عدد له علاقة بقدوم اليهود إلى فلسطين:

أرى عدداً في الشؤم لا كثلاثةٍ .. وعشر ولكن فاقَه في المصائبِ
هو الأَلفُ لم تعرف فلسطينُ ضربةً .. أشدَّ وأنكى منه يوماً لضاربِ
يهاجر ألفٌ ثم ألفٌ مهرباً .. ويدخل ألفٌ سائحاً غير آيبِ
وألف جوازٍ ثم ألف وسيلةٍ .. لتسهيل ما يلقونه من مصاعبِ
وفي البحر آلافٌ كأنَّ عبابَه .. وأمواَجه مشحونةٌ في المراكبِ

ولم ينسَ طوقان القضايا العربية، فنظم قصائده في دعم القضايا العربية وثورات الاستقلال في بلادنا (يضيق المجال عن ذكرها). وقد أثبت طوقان درجة عالية من الوعي السياسي واستشراف الأحداث قلّ نظيرها بين الأدباء والشعراء.

 

إقرأ أيضا: إبراهيم طوقان شاعر فلسطين الأول ورائد النهضة الأدبية (1من2)

* كاتب وشاعر فلسطيني