قضايا وآراء

صورة بنت الشيخ الغزالي وافتعال معركة الحجاب

1300x600

بين الحين والآخر يخرج موقف، أو فعل معين، يثير معركة في النقاش حول حجاب المرأة وبخاصة في مصر.. في هذا الأسبوع حدثان أثارا الموضوع بشكل مفتعل وليس طبيعيا، ولا عقلانيا للأسف، كشأن كثير من معارك التواصل الاجتماعي، والتي تأخذ الناس بعيدا عن جوهر الموضوع، وبعيدا عن حجمه الحقيقي.

الحادث الأول: فتاة في الجامعة خاطبتها دكتورة في الجامعة معلقة على لبسها، بعبارات حمالة أوجه، يمكن تفسيرها بالسيئ، ويمكن تفسيرها بغير ذلك، يمكن أن تقبل العبارة لو خرجت بصيغة أمومة لابنتها، لو كانت علاقة الطالبة بالدكتورة تسمح لها بذلك، ويمكن أن تكون مسيئة وغير مقبولة، لو كانت في صيغة تنمر، أو احتقار، وهو أمر مرفوض خلقا ودينا.

الحدث الثاني: نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لابنة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، في يوم عرسها، وفي الصورة زوجها الأستاذ محمد عبد القدوس، والأستاذ المرحوم إحسان عبد القدوس، والغزالي، وقد بدا مقدمة شعرها، وهي بفستان العرس، لتشتعل بعض صفحات التواصل الاجتماعي، فرحة مهللة بالصورة، ما بين مادح للغزالي في هذا الموقف، وما بين معلق بقوله: انظروا إلى الزمن الجميل، قاصدا بذلك أنه زمن اللاحجاب!!

الذين هللوا للصورة، متخذين منها دليلا على عدم وجود الحجاب في هذه الفترة، وأنه وافد من دول البترودولار، وأن الوهابية هي التي جلبته لمصر، التي لم تعرف الحجاب يوما إلا على أيديهم، وهو كلام فارغ ينطلق من جهل بالدين الإسلامي أولا، ثم بتاريخ مصر.

موقف من يدعي أن زمن خلع الحجاب، هو الزمن الجميل، هو موقف لا يقل سوءا عمن يتنمر من خالعة الحجاب، بل أكثر سوءا، لأنه يصف زمن الحجاب بأنه زمن الظلام، وأن مرتدية الحجاب مصدر ظلام، وهو كلام يحمل تطرفا ضد واجب إسلامي تعلم مرتدية الحجاب أنها تؤدي واجبا أو فريضة، وعدم المرتدية المؤمنة بوجوبه تعلم أنها تمارس معصية، تدعو من داخلها بأن تتجنبها، وهذا حال المسلم بوجه عام مع أي تقصير، سواء في الواجبات، أو السنن.

الذين فرحوا بصورة ابنة الغزالي، نزعوها من سياقها، ومن سياق موقف الشيخ نفسه، ثم موقف الإسلام من القضية، وهو ما يمارس كثيرا للأسف من هذا الفصيل في مثل هذه القضايا، فلا نعلم ملابسات الصورة كاملة، فهل كانت ابنة الغزالي غير محجبة وقتها؟ أم أنها كعادة بعض الفتيات المحجبات في هذه الفترة من الزمن، أنها تقوم بالتزين، ثم تلتقط لها صورة عائلية خاصة، أم ماذا؟ كل هذه أسئلة لم يكلف أحد ممن هلل بالصورة نفسه بالتفكير فيها.

 

موقف من يدعي أن زمن خلع الحجاب، هو الزمن الجميل، هو موقف لا يقل سوءا عمن يتنمر من خالعة الحجاب، بل أكثر سوءا، لأنه يصف زمن الحجاب بأنه زمن الظلام، وأن مرتدية الحجاب مصدر ظلام، وهو كلام يحمل تطرفا ضد واجب إسلامي تعلم مرتدية الحجاب أنها تؤدي واجبا أو فريضة، وعدم المرتدية المؤمنة بوجوبه تعلم أنها تمارس معصية،

 



ثم ما المشكلة في وجود ابنة شيخ غير محجبة، هذا إذا كانت ابنة الغزالي فعلا كذلك، بل يحسب للغزالي عدم الإجبار على ما يعلمه للناس ويؤمن به، وهو فرضية الحجاب، ونظر إلى أولويات أخرى في النقاش مع ابنته، كما فعل ذلك مع نساء غير محجبات، كما حكت لي ذلك الأستاذة كريمان حمزة، وقد كانت مذيعة في التلفزيون المصري، وكانت غير محجبة، بل كانت ترتدي ميكرو جيب، وكانت تتردد على مكتب الغزالي والشيخ عبد الحليم محمود وزير الأوقاف آنذاك، وقالت لي: كنت أرى في تعاملهما معي، رسالة لي، ودعوة في ذات الوقت، بأن أرتدي الحجاب، وهو ما حدث فيما بعد.

ثم موقف الغزالي نفسه، معروف ومشهور في معركة دخلت فيها الصحافة ضده، وذكر تفاصيلها في كتابه: (معركة المصحف في العالم الإسلامي)، وقد دار نقاش وجدال بين الغزالي وأعضاء الاتحاد الاشتراكي، وكان الغزالي ساخطا على مستوى الأزياء في الشوارع، ورأى استفزازا من بعض الأعضاء في حديثه عن لباس المرأة، ثم خرج رسام الكاريكاتير والشاعر صلاح جاهين رحمه الله، فرسم عدة رسومات يسخر من الغزالي، ومن موقفه من الحجاب، فهل نسي من رأوا صورة ابنته هذا التاريخ، أم جهلوه؟!

وموقف الغزالي من حجاب المرأة، ورأي الإسلام فيه، منشور في كتبه ومقالاته، في أكثر من كتاب، منها على سبيل المثال: قضايا المرأة، والسنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ومائة سؤال عن الإسلام، وغيرها من الكتب والمقالات التي يبرز فيها موقف الرجل من القضية، والتي يبين فيها موقف الإسلام ذاته، وما يؤمن به.

ومنذ متى وأفعال المشايخ، أو أبنائهم، أو بناتهم، كانت دليلا على فعل شرعي، أو فعل المشايخ أنفسهم؟ المشايخ وعائلاتهم في الإسلام مثلهم مثل أي إنسان، كل سيحاسب أمام الله بعمله، ولا فضل له على غيره، إلا بمدى قربه من ربه سبحانه وتعالى، وهذا معيار لا يتفاضل فيه شيخ على غيره، بل الفضل في ذلك بالعمل، والحجة على الناس والمشايخ: الشرع الإسلامي نفسه.

أما أن نختطف تعليقا سريعا، على صورة، أو صور أخرى، مستندين في ذلك إلى أن مصر لم تعرف الحجاب إلا في فترة زمنية معينة، فهو كلام يدلس على الحقائق، مصر لم تخل من الحجاب على مدار تاريخها، حتى الفترة الملكية، والناصرية، إذا خلت منه في مناطق من مدينة كبيرة كالقاهرة، فقد كان في مناطق معينة منها، لكن بقية القاهرة، وبقية المحافظات المصرية كان الحجاب سلوكا وتدينا لأهلها، مسلمات ومسيحيات معا.

لسنا من المنادين بإجبار النساء على الحجاب، ولا على الفرائض، ولكننا ضد التدليس على تاريخ أمتنا وديننا، وليس يقلقنا النقاش العلمي النزيه حول قضية ما، لكن الخطورة عندما يمارس كل منا دور الوصاية، أو التعالي والاحتقار للمخالف، سواء من باب غرور التدين، أو من باب التنوير الفارغ المصطنع. 

Essamt74@hotmail.com