كتاب عربي 21

السلفية في مصر.. أصابها ما أصاب الشيوعية!

1300x600
ليس في التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية، ما يدفع إلى احتفاء مم يصنفون أنفسهم على أنهم تيار الاستنارة الفكرية، إلا من حيث إضعاف تيار منافس لهم في الساحة المصرية، وهو التيار السلفي، وقد تراجعت "دولة المركز" عن تبنيها للسلفية!

الحديث الأخير لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عن موقف "الدولة السعودية" من أحاديث الآحاد، يمثل تطوراً للفكرة، وخطوة للخلف من قطيعة كلية لعلاقة الدين بالدولة في المملكة، إلى الاجتهاد داخل إطار هذه العلاقة. وقد اعتبره بعض الأفراد المعادين للتيار الديني أنه أصبح - بذلك - قريباً من شخوص مصرية تعرفهم بلحن القول، فهللوا لهذا وكبروا، وهم في تهليلهم وتكبيرهم، يأملون أن يستبدل أولو الأمر هناك زوجاً مكان زوج، وحلفاء بحلفاء، وأنهم - بحكم هذا التحول - صاروا مؤهلين لأن يكونوا هم رجال المملكة وليس الذين يتمسكون بحجية أحاديث الآحاد.

وكأن الذي يعطل الاستنارة الفكرية في مصر، هو التمسك بحجية هذا المستوى من الأحاديث، وهي أزمة تيار يعيش على إنتاج وأفكار ومعتقدات تيارات أخرى، فلا قدرة له على إنتاج مشروعه الخاص به، ولكنه يقوم بدور الناقد الأدبي لأدب الآخرين، في حين أن معركة حديث الآحاد هذه خاضها شيوخ ومفكرون إسلاميون، ودفعوا ثمن موقفهم الرافض للمشروع السلفي السعودي، من عافيتهم، ووقتهم، وصحتهم (الشيخ محمد الغزالي نموذجاً)، فهل تدين جماعات الاستنارة في مصر بالولاء لأفكار الشيخ الغزالي؟ وما هي جملة أحاديث الآحاد التي تقف عقبة في طريق بلوغ دعوة إبراهيم عيسى، وإسلام البحيري، مداها؟!

لقد وقع الضرر بهذا التحول السعودي على التيار السلفي في مصر، والذي يعتمد التقليد لـ"دولة المركز"، رغم أن مذهب أهل السنة والجماعة، لا يقر التقليد ويراه خاصاً بالمذهب الشيعي، لكن الواقع مختلف عن الأفكار. وهنا نتحدث عن القاعدة العريضة من هذا التيار، ولا يجوز الرد علينا بالاستثناءات التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها؛ وأن هناك عشرات ينتمون لما يسمى بـ"سلفيي كوستا" وضواحيها، نسبة للمقهى الشهير، وأن مثلهم من ليست لديهم مرجعية وهابية، لكن هل يمكن القول إنهم على مستوى البنيان الفكري، قد اختلفوا مع التراث المستورد من هناك إلا في بعض النقاط الهامشية؟!

وأزمة التيار السلفي المصري أنه لم يملك الشجاعة في الرد على ما قاله ولي العهد السعودي، مع أنه ينسف بنيان فكره نسفاً، فأظهر أنه يفتقد للمصداقية لدى الرأي العام، ولم يكن ابن سلمان يتحدث في صغيرة، ثم كانت الطعنة النجلاء في قوله إنهم تبنوا المذهب الوهابي كجزء من خطة غربية لتوظيف هذا المذهب الديني في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وبدت المدرسة الوهابية - إزاء هذا الاعتراف - بلا زعامات تذود عن حياضها، وتدافع عن تاريخها، وهذا وإن كان يمثل إضعافاً لها في "دولة المركز"، فإنه يمتد إلى روافدها. ودائماً فإن نقطة ضعف المذهب الفكري عندما لا تكون أفكاره نابعة من حركة المجتمع، ولكنها مستوردة، تستقوي بدولة مركزها، فتضعف إذا ضعفت!

اليسار المصري وسقوط الاتحاد السوفييتي:

وقد مرت مصر بهذه التجربة عندما سقط الاتحاد السوفييتي، كدولة مركز للشيوعية بل وللأفكار الاشتراكية بشكل عام، ولم يعمل اليسار المصري حساباً لهذه اللحظة فتصدع، وإن حاول بعض الأفراد مقاومة الانهيار والحديث عن عظمة النظرية وخطأ التطبيق، لكن هذا لم يمنع من الشعور بالضياع، وكان أول الضائعين هم من تبنوا خيار المقاومة والتبشير بشيوعية جديدة، وبعد أن كان اليسار منافساً جاداً للتيار الإسلامي في الجامعات والساحة السياسية هُزم، لتخلو الساحة للتيار الديني، وتكون المنافسة بين الإخوان والجماعة الإسلامية!

ويروج اليسار أن السبب في اندثاره وانسحابه من المشهد، يرجع إلى استخدام التيار الإسلامي القوة البدنية في مواجهته، وإلى انحياز الدولة له. ولم يكن هذا صحيحاً، فاستخدام القوة كان متبادلاً، لا سيما في الجامعات، والقوة لم تمنعهم من الوجود، عندما كانت الأجهزة الأمنية تستخدم الشبيحة ضدهم، قبل "اختراع" الحرس الجامعي. ثم إن ترنحهم كان في عهد مبارك، وتبني الدولة للتيار الديني كان في عهد السادات حيث عصرهم الذهبي!

وهناك كلام كثير في موضوع تبني الدولة للتيار الديني، ليس هذا مجاله، ولست ممن يسلمون بدعاية اليسار في هذا الجانب، فما يهمني - الآن - أن الترنح كان عندما سقطت "دولة المركز" وتفككت، ومن هنا فقد ذهبوا لنظام مبارك يبغون عنده العزة، مقابل بعض المنح والهبات التي كانوا من قبل فيها من الزاهدين، وصار آخر طموح "المناضل" سابقاً أن يمن عليه النظام بعضوية البرلمان، أو ببدل تفرغ من وزارة الثقافة جنيهات معدودات، وإن كانت الغالبية اعتزلت السياسة والعمل العام، فقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي ضربة قوية أحدثت ارتجاعاً في المخ!

ولم تكن هي أزمة اليسار المصري وحده، بل كانت أزمة اليسار العربي بشكل عام، فلما وجد المجال مفتوحاً بفضل الربيع العربي، عاد معوقاً لعملية التحول الديمقراطي، لأنه عاد غريباً على المجتمع، فاعتصم بمن يملك القوة، ومن مصر إلى تونس، إلى السودان، يا قلب لا تحزن!

التشيع ودولة المركز:

وتأتي عملية التقليد أكثر وضوحاً في المذهب الشيعي، ومع وجود "دولة المركز"، فإن هذا مثل أزمة من نوع آخر، عند اعتبار التشيع في العالم العربي جزءاً من الملف الأمني، وقد قاومته الأجهزة الأمنية مقاومة عظيمة، وقد تأثرت بعلاقاتها مع السلفيين حتى فيما يتعلق بالنظرة للتصوف، واعتماد هذه القاعدة السلفية؛ بأن من تصوف فقد تشيع، ومن تشيع صارت إيران هي قبلته. وكان نظام مبارك قد بدأ - لهذا - التضييق على الصوفية؛ فبدأ في منع الموالد بحجة إنفلونزا الخنازير، وأحدث انشقاقاً داخل المجلس الأعلى للطرق الصوفية، لكن الزمن لم يسعفه فقامت الثورة.

ولم يكن وجود "دولة مركز" للسلفية مانعاً من تحالف أمني- سلفي، ذلك بأن هذه الدولة كانت على وفاق مع النظام المصري، ولدرجة أن مبارك عندما كان في بداية حكمه ساعياً إلى عودة العلاقات المصرية- السعودية، والتي أصابها ما أصابها في عهد السادات، فإن "عربون المحبة"، الذي تقرب به لـ"دولة المركز" للفكر السلفي، تمثل في القبض على من أطلقت عليه الأجهزة الأمنية "تنظيم منكري السنة"، بقيادة الدكتور أحمد صبحي منصور، شيخ القرآنيين الآن! وهو الأزهري الذي بدأ حياته سلفيا، في جماعة أنصار السنة المحمدية، قبل أن يخرج منها مع الدكتور السيد رزق الطويل منشقاً ليؤسس جماعة سلفية أخرى هي "جماعة دعوة الحق الإسلامية". وفي هذه المرحلة كانت رسالته للدكتوراة بجامعة الأزهر عن "أثر التصوف في العصر المملوكي"، وكان كتابه العمدة "أحمد البدوي الحقيقة والخرافة"، والذي تبنته الدوائر في "دولة المركز" وروجت له، ولا تزال بعض الأصوات السعودية تذكر الكتاب بمعزل عما صار عليه صاحبه، لأنه يطعن في شخصية البدوي، بدراسة تاريخية معمقة، ليسهل بالتالي ضرب التصوف في عمومه!

وبالانتصارات التي حققها حزب الله على إسرائيل، كادت الجماهير في مصر أن تهزم القبضة الأمنية، وصارت صور الشيخ حسن نصر الله تعلق على زجاج السيارات، تحدياً من ناحية، وإثباتاً للولاء من ناحية أخرى. وراجت فكرة التشيع السياسي، وكان حسن نصر الله من الذكاء بمكان فلم يتحدث عن المذهب ولكن قدم نفسه على أنه نبت عربي أصيل ومقاوم، وكانت دعاية للمذهب أكثر تأثيراً من التبشير المباشر به!

وفي مؤتمر حاشد بنقابة الصحفيين، وقف زميلنا عزازي علي عزازي، الناصري (ومحافظ الشرقية بعد الثورة) ليقول إنه شيعي، وسط تصفيق حاد من الحاضرين، وذكر أسماء لرجال دين إيرانيين شيعة لهم فتوى مناهضة لإسرائيل، وقال إنه على مذهب هؤلاء!

كانت حالة لا بد وأن تكون قد تسببت في إرباك الأجهزة الأمنية، لكن كل هذا تلاشى لحسابات خاصة بـ"دولة المركز"، من العراق إبان الاحتلال الأمريكي، ثم كانت قاصمة الظهر، بالإعدام الذي جرى للرئيس صدام حسين يوم عيد الأضحى للمسلمين السنة، وقيل إن هذا كان لحسابات تخص الشيعة، وتبخر أثر ما حدث، ولم يكن ينتظر حسابات "دولة المركز"، وحسابات الحزب التابع في لبنان من الثورة السورية!

الوجود البعثي في مصر:

وانتهى القلق الأمني، ولم يكن قائماً مع "الحالة السلفية"، مع وجود "دولة المركز"، لأن الحسابات الأمنية تتحدد وفق علاقة "دولة المركز" بالنظام المصري. وفي أيام العسل بين النظامين المصري والعراقي، كان طه ياسين رمضان، رئيس مكتب مصر في حزب البعث، يأتي للقاهرة ليطمئن على حال البعثيين المصريين، الذين كانت النصيحة لهم بالانضمام للأحزاب القائمة!

بل إن هارباً من بلاد البعث، هو سليمان فرحات، تعرض للاعتقال والتنكيل في مصر، لأنه وضع كتاباً عن تجربته في حزب البعث، وعملية تجنيد المصريين هناك، ومُنع صدور الكتاب والذي لم يصدر إلا بعد انقلاب النظام المصري على النظام العراقي على خلفية احتلال الكويت، وصدر الكتاب يحمل عنوان: "يوميات بعثي سابق"!

ثمة أمر آخر لن يدفع في التحول الأمني من السلفيين على المذهب السعودي السابق، هو أن الفكر السلفي بطبيعته داعم للاستبداد، وضد الثورة على الطغاة. ثم إن الدعاة السلفيين فقدوا الكثير من أنصارهم بعد انخراطهم في السياسة بعد الثورة، وبسبب انحيازهم للاستبداد بعد الانقلاب العسكري!

لكن هذا الترحيب الأمني لا يعني استمرار تمدد النموذج السلفي كما كان عليه الحال قبل تخلي "دولة المركز"، وبعد أن تبين أنه جزء من التوظيف الغربي في معركة القوم على زعامة العالم، وهي معركة لم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل!

"هارد لك" يا شيخ!

twitter.com/selimazouz1