أخبار ثقافية

في رثاء نبيل فاروق: نعَم تأثَّرتُ به!

توفي الكاتب في التاسع من الشهر الجاري- أرشيفية


كنتُ في الثالث الابتدائي في مَطلع عام 1991، وقررَت مَدرَستي أن تقوم برحلة إلى معرض القاهرة للكتاب. كانت المرّة الأولى التي أجِدُ نفسي فيها أمامَ كُلّ تلك الكتُب المعروضة للبيع، وعُدتُ إلى البيت بكِتابَين: (لعنة الفراعنة) لمؤلّفٍ لا أذكرُه لأنني أقرضتُ أحدَهم الكتابَ لاحِقًا ولم يَرُدَّه، و(مدينة الأعماق)، العدد الثالث من سلسلة (ملفّ المستقبَل) لصاحبها د. نبيل فاروق.

أحاول بعد تسعةٍ وعشرينَ عامًا أن أعرفَ لماذا اخترتُ الكتابَ الأخير. قرأتُ في طفولتي قصّةً اسمها (بَيتُ القواقِع) عن عالَمٍ خياليٍّ في أعماق البحر، لكنه كان عالَمًا حلُميًّا ينتهي بمجرّد استيقاظ البَطَلَة، مبنيًّا على أنسَنَة الكائنات البحريّة وإقامة علاقاتٍ بينها وبين طفلةٍ في مثلِ عُمري آنَذاك. لكنّ (مدينة الأعماق) بدَت شيئًا مختلفًا تمامًا وأنا أتصفّحها، فالخيال فيها يتجسّد تكنولوجيا متقدّمةً وعِلمًا ربّما لن أحصِّلَه قبل الجامعة. كان محضُ اقتنائي لهذه الرواية يعني بالنسبة لي أنني كبرتُ دفعةً معتبَرَةً من السِّنين، وأنني مؤهَّلٌ للمناقشة مع الكِبار في موضوعاتٍ لن يتوقّعوا منّي الاهتمامَ بها فضلاً عن المعرفة ببعض خباياها. هذا إلى ما في مفردة المستقبَل التي تَدمَغ السلسلة بالكامل من سِحرٍ خاصٍّ بالنسبة لطفلٍ جاوزَ الثامنةَ بقليل.

بعد ذلك، ربما بثلاث سنواتٍ، أقدمتُ على شِراء كتابٍ من إحدى المكتبات التي اعتدتُ شراءَ أعداد (روايات مصرية للجيب) منها، ولا أذكُر إن كان هذا الكتاب هو المجموعة القصصية (الشيطان يَعِظ) لنجيب محفوظ، أم رواية (السُّهول البِيض) لعبد الحميد جودة السّحّار. ليلتَها هنّأني صاحبُ المكتبةِ بعُبوري إلى عالَم القراءة الجادّة، وللأسف كان لهذه التهنئة وَقعٌ سيّءٌ على علاقتي بتلك المكتبة، فقد كانت تعني أنّ كُلّ ما قرأتُه من قبل في (رجُل المستحيل) و(ملفّ المستقبَل) و(المكتب رقم 19) و(كوكتيل 2000) و(زُووم) و(فلاش)، فضلاً عن بعض كتُب د. مصطفى محمود، أنّ كُلّ ذلك لم يندرِج في رأي الرجُل ضِمنَ القراءة الجادّة. أهي تهنئةٌ أم إهانة؟!

أثناءَ استعدادي لخَوض امتحانات الشهادة الإعدادية عام 1996، كنتُ أختِم رحلتي مع (روايات مصرية للجيب)، فلم أقرأ بعد تلك السَّنة عددًا واحدًا منها. لكن... هل تجاوزتُها؟!

أثناءَ نقاشي مع رفاق الكتابة منذ حوالَي عشرة أعوامٍ صدمَني استخدامُ مفردة التجاوُز في حديثِهم عن علاقتِهم بكتابات بعض الشعراء والمفكّرين، فكان هناك مَن تجاوزَ (نزار قبّاني)، ومَن تجاوزَ (محمود درويش)، ومَن تجاوزَ (عبد الوهاب المسيري)، ومَن تجاوزَ (باولو كويلو)، إلى غير هؤلاء. ولمّا رجَعتُ إلى نفسي بدَهَتني حقيقةٌ معجميّةٌ تبدو ساذَجَةً، لكنّها طبَعَت موقِفي من قراءاتي القديمةِ إلى الآن. لا! بل طبَعَت موقِفي من كُلّ مُدخَلاتي الثقافيّة تقريبا. أعني أنّ هناك جذرَين لغويَّين متجاوِرَين تمامًا في المُعجَم: (ج و ر) و(ج و ز). إذَن فالفارِقُ بين التجاوُر والتجاوُز خُطوةٌ واحدةٌ، من الراء إلى الزاي! واكتشفتُ أنّني – بمعنىً ما- لم أتجاوَز قراءات الطُّفولةِ ولا وقعَها عليّ، فمازال لـ(بيت القواقع) سِحرُ الأحلام، ومازالَ في (الثُّلوج الساخنة)/ العدد 39 من (ملفّ المستقبل) إلهامٌ يُلِحُّ علَيَّ، يتعلّق بأسطورة الرّايخ الرابع النّازيّة، ومازالَت لأوّل قصيدةٍ إيروتيكيّةٍ حفِظتُها لنزار قبّاني رِعشَةٌ لذيذةٌ محرَّمَةٌ تختلِجُ في تلافيف عقلي. ربّما أكونُ تجاوزتُ مرحلةَ الانكبابِ على (ملفّ المستقبَل) من ناحية السِّن، لكنّ رواياتِه (متجاوِرَةٌ) مع ما قرأتُ لاحِقًا في أنواع الأدب وحقول المعرفة الأخرى. ربّما لم يُوجَد بَعدُ الأثرُ الأدبيُّ القابلُ للتجاوُز التّامّ؟! ما أوقِنُ منه أنّ في التجاوُر مِن أواصِر المَوَدّة والقُربَى المعرفيّةِ ما هو أقربُ إلى تكويني الوجدانيِّ ممّا في التجاوُز من قسوةٍ وقطيعة. وإلاّ، فكيفَ سَمَّى العالِم الذي اكتشفَ أحدَ الجينات المسئولة عن تفاضُل وتكاثُر وتخصُّص الخلايا الأوّليّة لنسيجِ القَلب، لماذا سمّاهُ (رَجُلَ الصفيح Tinman)؟! لقد استدعى الشخصيّةَ مِن قصّة الأطفال (ساحر أُوز) لأنّ رَجُل الصفيح بلا قلب، والجين يَظهَر قبلَ ظهور أوّل الخلايا القلبية. لقد ألهمَه التجاوُر والقُربى المعرفيّة بين قراءاتِه كطِفلٍ ومعارفِه كباحِثٍ متحقِّق. وما هو إلا مِثالٌ واحدٌ لعمليةٍ كثيرًا ما تتكرر.

وعَودًا من استطرادنا الطويل، أستطيعُ الآن أن أرى بعَين خيالي نقاطًا تُومِضُ في مُخّي حِين أذكُرُ بابَ (لقطات من العالَم) الثابت في أعداد سلسلة (زووم) لنبيل فاروق. في ذلك الباب ذي الفقرات القصيرة عرفتُ لأوّل مرّةٍ شيئًا عن قُدرة التحريك عن بُعد Telekinesis التي تُعَدُّ مبحثًا مهمًّا في الباراسيكولوجي، وعرفتُ شيئًا عن الأوجُه البشريّة التي تحملُها أوراقُ الأنواع المختلفة من زهرة الأوركيد. ونِقاطٌ أخرى تُومِضُ حين أذكُرُ باب (طِبّ ولكن .. جنائي)، حيثُ التقيتُ على الورَق بالحكايات الحقيقية لعباقرة الطبّ الجنائيّ الذين توصّلوا إلى حَلّ ألغاز جرائمَ كانت تبدو مستغلقةً تمامًا بفضل معارفهم المتشعّبة، وسحَرَني هذا الحقلُ من حقول الطبّ، إلى أن التحقتُ بالكلّيّة، وتآمرَت عواملُ كثيرةٌ على إثنائي عن دخولِه!

أمّا (رجُل المستحيل) بالتحديد، فهو يُحيلُني إلى ذكرى وفاة د. أحمد خالد توفيق في 2018، حيثُ دُعِيتُ للكتابة عنه ضمن ملفٍّ اشتركَ فيه عددٌ من الكُتّاب، وكان هناك تيّارٌ ينتصر لـ(خالد توفيق) على (نبيل فاروق) من خلال مقارنةٍ بين شخصيّتَي (رفعت إسماعيل) بطل سلسلة (ما وراء الطبيعة)، و(أدهم صبري) بطل (رجُل المستحيل). كان رفعت إسماعيل إنسانًا عاديًّا لا يتمتّع بمهاراتٍ استثنائيّة، إلا أنه كان منذورًا للمعرفة، أي أنه كان يُشبه قرّاءَه دُودَ الكتُب بشكلٍ ما. بينما (أدهم صبري) ضابط مخابراتٍ متعدد المهارات الفائقة، من إجادته لستّ لغاتٍ حيّةٍ إلى قدرته على قيادة جميع أنواع المركبات، إلى تمكُّنه من كل فنون القِتال وفنون التنكُّر، أي أنه شخصٌ ينتمي إلى الشريحة الأعلى على الإطلاق من شرائح الأبطال الخياليِّين. والحَقُّ أنّ هذا التيّار الذي يحُطُّ من مُنجَز (نبيل فاروق) لم يَرُقني، فقد كنتُ ومازلتُ أرى أنّ رسمَ المثال الكامل الذي لا سبيلَ في الواقع إلى تحقيقه مهمٌّ كرَسم النموذج البشريّ العاديّ الذي يمكنُنا جميعًا أن نتوحّد معه. وأهمّيّة المِثال الكامل تكمُن ببساطةٍ في أنه مِثال! أعني أنّه يجسّد ضُروبًا من المستحيل تظلُّ تُطارد الإنسانَ شطرًا مِن حياتِه قد يطول وقد يقصُر، وتُلِحُّ عليه أن يحقق ما يَقدر على تحقيقه منها. بالتأكيدِ لم يُلِحّ علَيَّ أبدًا أن أُجيد فنون التنكُّر، ولا أن أُجيد قيادةَ الغوّاصات! لكنني حاولتُ لفترةٍ وجيزةٍ جِدًّا مِن حياتي مع أحد فنون القِتال، وربما لم يَبقَ معي من هواجسِ المثال إلى الآن إلاّ إجادةُ اللُّغات. الشاهِدُ أنّ لرسم المِثال المستحيلِ التحقُّقِ علاقةً حقيقيّةً بمَقولة "ما لا يُدرَكُ كُلُّه لا يُترَكُ جُلُّه". وأخيرًا فإنّ النُّفور مِن نموذج (أدهم صبري) يذكّرني – مع اختلاف الدرجة بالطبع - بدارس الفلسفةِ الذي يُعرِض عن قراءة أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانْت وهيجل لأنهم أقاموا أنساقًا فلسفيّةً كاملةً لم تترُك مبحثًا مهمًّا من مباحث الفلسفة إلا استكشَفَته، فالاقتداءُ بمُنجَزِهم يكاد يكون مستحيلاً في عصرنا المُحتفي بالتخصُّص، أو بالمؤمن بديانةٍ ما، الذي يُعرِض عن الشخصيات المحورية في ديانتِه لأنهم كامِلون، ويميل إلى مَن عُرِف عنهم الخَلطُ بين الصلاح والسُّوء لأنهم أسهلُ في الاحتذاء!

 

اقرأ أيضا: بالذكرى السابعة لوفاته: قراءة لأغنيتين لـ"أحمد نجم" (استمع)

كان في روايات (رجُل المستحيل) و(ملفّ المستقبَل) و(فارس الأندلُس) – وكلّها لكاتبنا الراحل- طابَعٌ يحتفي بالهُوِيّة الوطنية المصرية، والهويّة القومية العربية، والهويّة الإسلاميّة. لقد اختارَ في (ملف المستقبل) عالَمًا مستقبليًّا تتكوّن فيه دولةٌ عربيةٌ متّحدةٌ تتجاوزُ الحدود الجغرافيّة التي صنعَها الاستعمار الأوربّي في منطقتنا، وفي (رجُل المستحيل) رفعَ جهازَي المخابرات الحربية والعامّة المصريَّين إلى منزلةٍ يتفوّق فيها على السي آي إيه الأمريكي، وفي (فارس الأندلُس) جعلَ بطلَه يذودُ عن آخِر حصون العالَم الإسلاميّ في الأندلُس قبل سقوط غرناطة، متجاوزًا بذلك كُلّ اللغَط الدائر في أوساط النُّخَب المتثاقفة العربية، والذي يَعتبرُ الوجود العربيّ في إيبيريا لثمانية قُرونٍ احتلالاً أثيمًا، وطردَ أمراء أراجون وقشتالة وغيرها من إمارات إيبيريا للعرب شكلاً من أشكال استرداد الأرض بيد أصحابِها. ربّما يُعَدُّ هذا الخِطاب الذي يكرّس ما هو قائمٌ بالفعل بين العامّة مِن إعلاءٍ لمفاهيم الهُوِيّة الجَمعيّة، أقولُ ربّما يُعَدُّ أحدَ دوافِع التيّار الذي حَطّ مِن مُنجَز (فاروق). فهو خلافٌ أيديولوجيٌّ في جُزءٍ منه في تقديري، يتستّر وراءَ السخرية من سطحيّة تناوُل رواياتِه لأحداثِها، رغم أنّ الجمهور المستهدَف عَلَنًا من رواياته هو اليافِعُون والمراهقون، والكتابة للمراهِقين واليافِعين لا يمكن أن تكون على نفس درجة عُمق الكتابة للناضِجين، وإلاّ لَما كان هناك معنىً للتصنيف!

وهناك دافعٌ آخَر، أظنُّه يتمثّل في ظهور بعض التراكيب والتعبيرات - التي طالما استخدمَها (فاروق) في سَردِه – في سَرد كثيرٍ من الكُتّاب الذين قرأوا له في طفولتهم وصِباهم. بشكلٍ شخصيٍّ أذكرُ أنّي رأيتُ تنويعاتٍ على عباراتٍ مثل: "ازدردَ شَطِيرتَه في نَهَم"، "هزَّ كتفيه في لا مبالاة"، "رمقَه بنظرةٍ ذاتِ مَغزى"، "أحسَّ بقبضةٍ باردةٍ تعتصِرُ قَلبَه"، "كالَ له لَكمة"، رأيتُها وقد تسلَّلَت إلى سَرد عددٍ من رفاق الكتابة المصريين مِن جيلي، وأعترفُ أنّي أحيانًا لا أجد أفضلَ منها للتعبير في موقفٍ معيَّنٍ خلالَ تجربةٍ قصصيّةٍ لي، كما أذكُرُ سخريةَ بعض الكُتّاب من تلك التعبيرات، ربما باعتبار بعضِها حذلقةً فارغةً، أو زُخرُفًا لفظيًّا يتستّر على ضَعف بِنيَة العمل السّردِيّ أو سخافة مضمونِه. لكنّني في الحقيقة فشِلتُ في العثور على رابطةٍ متينةٍ بين استخدام تنويعاتِ مِثلِ تلك التعبيراتِ وبين الاتّهاماتِ الموجَّهَة إلى مَن يستخدمونها. لا توجد رابطةٌ منطقيّةٌ في الحقيقة، كما لا يوجد لديَّ أدنى شَكٍّ في أنّ (نبيل فاروق) لم يكن أوّلَ مَن أتى بها إلى بَياض الصفحة، وإنما غزارةُ إنتاج الرَّجُل هي المسئولةُ عن ربطها بشخصِه!

ختامًا، أعتبِرُ نفسي مَدِينًا بالكثير للرّاحِل د. نبيل فاروق. لم أهتمّ كثيرًا في الحقيقة بالوقوف على مَدى أصالةِ مُنجَزِه الإبداعيّ، ولا ما إذا كان قد اقتبسَ بعض الأفكار من أعمالٍ أجنبيّةٍ في الخيال العلميّ أو أدب المغامرات، فقد كان لي في غزارة إنتاجِه وتنوُّعِه – وإن جاء كلُّه ضِمن سياق الكتابة الموجَّهَة إلى المراهِقين – كان لي فيهما غَناءٌ عن تتبُّع عورات ذلك المُنجَز الكبير. وأظنُّ أعمالَه المُتاحة إلكترونيًّا ستبقى رافدًا مهمًّا لتثقيف أجيالٍ من الأطفال واليافِعِين، وإدخالِهم مملكةَ الكِتاب. كما أعتقِد أنّ نظرةَ مَن يَحُطُّون مِن قدرِه ستختلف كثيرًا إذا فكّروا في قسوة وقطيعة التجاوُز، في مقابلِ الثّراء والدِّفء المعرفيّ الذي يَعِدُ به التجاوُر.