ملفات وتقارير

مبادرة جديدة بالجزائر.. هل تنجح في إحياء مطالب الحراك؟

هناك من ينظر إلى مسألة توحيد الحراكيين على أنها فكرة طوباوية من الصعب أن تتحقق- جيتي

في قلب الحملة الانتخابية لاستفتاء الدستور الذي تعوّل عليه السلطة، أطلق سياسيون ونشطاء مبادرة جديدة تسعى لإحياء مطالب الحراك الشعبي وتحقيق السيادة الشعبية التي يعتبرونها مصادرة في الجزائر.


وعرض أصحاب مبادرة "22-2"، في سهرة أمس في بث مشترك على مواقع التواصل بين عشرات المشاركين، الخطوط العريضة لمطالبهم ووسائل تحقيقها وقدموا تصورا حول الوضع العام في البلاد منذ بدء الحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط 2019، مرورا بالانتخابات الرئاسية إلى غاية إعداد الدستور المعروض على الاستفتاء اليوم.


وتنوعت شخصيات المبادرة التي تناولت الكلمة، بين حقوقيين معروفين مثل مصطفى بوشاشي وعبد الغني بادي وشخصيات سياسية على غرار كريم طابو وسمير بلعربي وفاعلين في المجتمع المدني مثل رئيس جمعية "راج" عبد الوهاب فرساوي وأساتذة جامعة مثل ناصر جابي ولويزة آيت حمدوش، إلى جانب طلبة وإعلاميين ونشطاء ميدانيين، من توجهات سياسية وأيديولوجية مختلفة.


مطالب ووسائل المبادرة

ويتفق أصحاب المبادرة، وفق ما أعلنوه في بيانهم، على أن ثمة قناعة لدى الجزائريين بأنهم "لم يحققوا ما خرجوا من أجله في حراكهم الشعبي السلمي، الذي يعتبرونه فرصة تاريخية لا يجب أن تضيع منهم، لتحقيق الانتقال الديموقراطي المنظم والتحرر وفرض سيادتهم وممارسة حقهم في بناء مؤسسات شرعية تعبر عن إرادتهم".

 

ويبدي الموقعون على البيان في المقابل، رفضهم لمسار السلطة الحالي الذي يقدم الدستور على أنه بداية انطلاق الجزائر الجديدة، ويؤكدون على أن ما يحري ليس سوى استمرار للانتخابات الرئاسية الأخيرة التي تم حسبهم، فرضها "في ظروف استثنائية ومناخ مشحون ورفض شعبي واسع ومقاطعة غير مسبوقة".


ويرى أصحاب المبادرة، أن توحدهم يجب أن يكون على أساس مطالب متفق عليها، من أبرزها "تحقيق السيادة الكاملة للشعب في إطار نظام ديمقراطي اجتماعي مدني يمر عبر انتقال ديمقراطي سلس ومنظم"، و"أحقية الجزائريين والجزائريات في وضع عقد سياسي جديد ينبع من الإرادة الشعبية ويعبر عنها".


ويضاف إلى ذلك "الحق في إنشاء الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات والانخراط فيها بكل حرية، والمشاركة في تسيير ومراقبة الشأن العام"، و"ضمان حرية الرأي والتعبير والتظاهر والتفكير والضمير والإبداع واحترام التنوع والتعددية"، و"مكافحة الفساد السياسي والاقتصادي بكل أشكاله".

 

اقرأ أيضا : هل يريد "لودريان" دعم دستور الجزائر أم التشويش عليه؟


إلى جانب ذلك، تتضمن المطالب "احترام وضمان حقوق الإنسان في إطار دولة القانون تضمنها سلطة قضائية مستقلة والفصل والتوازن بين السلطات"، و"الحق في إعلام حر ونزيه برفع الضغوطات والقيود الممارسة على وسائل الاعلام العمومية والخاصة".


أما الأساليب التي يجب أن تتبع في الوصول إلى هذه المطالب، فهي "التمسك بالمسيرات السلمية والعودة إليها حين تتوفر الظروف"، و"المحافظة على سلمية الحراك وتقبل الاختلاف والتنوع الفكري واللغوي"، و"رفض الاستقطاب الأيديولوجي" و"الإصرار على رفض أي تدخل أجنبي في شؤونهم الداخلية"، و"رفض الابتزاز السياسي والاستغلال السيء للعشرية السوداء".


"محتوى سياسي وفكري للحراك"

وفي قراءته للبيان السياسي المنبثق عن المبادرة، يشدد الإعلامي عثمان لحياني على وجود عدة إيجابيات تمكن حسبه من تلافي الأخطاء السابقة التي وقع فيها الحراك الشعبي.

 

وأوضح لحياني في تصريحه لـ"عربي21"، أن الوثيقة تعطي محتوى سياسيا وفكريا للحراك الشعبي، وتضعه مجددا ككتلة مقاومة سلمية أمام مسارات السلطة الجارية.

وأبرز المتحدث أنه في حال تجدد المظاهرات أو فعاليات الحراك وهو المنتظر، سيكون هناك إطار منظم يعبر سياسيا عن الحراك وفق أكبر قدر ممكن من التوافق على المطالب.

وأضاف لحياني أن المكسب الهام في اعتقاده هو حصول توافقات حول المشروع الديمقراطي وتجنب الاستقطاب بين النخب وما يشكله ذلك من آثار سلبية على أهداف الحراك ومطالبه.

وتبدو هذه المبادرة، بمثابة ردّ على تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون الأخيرة، لجريدة نيويورك تايمز الأمريكية التي قال فيها إن "الحراك انتهى" ولم يعد موجودا في الواقع.

كما يظهر توقيتها على أنه محاولة لإعادة وضع النقاش حول مواضيع السيادة الشعبية وإقامة دولة القانون، في صلب النقاش الشعبي، موازاة مع حملة الاستفتاء على الدستور التي يقاطعها أصحاب المبادرة.

"استدراك تجارب سابقة"
وعلى الرغم من تأكيد أصحاب المبادرة على أنهم لا يسعون لتمثيل الحراك الشعبي، إلا أن مسألة عدم وجود وعاء سياسي يستطيع حمل مطالب الحراك، رآها كثيرون في الماضي نقطة ضعف أضرت هذه الحركة الشعبية غير المسبوقة في التاريخ الجزائري الحديث.

وذكر عبد الرحمن صالح، وهو محام وحقوقي، أن من دوافع إيمانه بهذه المبادرة، هو تفادي ما حدث قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عندما التفت السلطة حسبه على المطالب الشعبية، مستغلة عدم وجود جهات يمكن لها أن تترجم هذه المطالب الشعبية في صورة برنامج أو أهداف.


وأشار صالح في تصريح مع "عربي21"، إلى أنه خلال السنة الماضية، ظهرت عدة محاولات قادتها شخصيات وجمعيات وأطراف ناشطة وفاعلة في الحراك، من أجل إطلاق مبادرات سياسية، غير أن موجة الاعتقالات والقمع أخلت بتوازن هذه المبادرات إضافة إلى عدم وجود فضاءات أو وسائل تنظيم وتعبير عن هذه المبادرات.


والجديد في المبادرة الحالية، وفق المتحدث، أنها استفادت من التجارب السابقة، من خلال حمل رسالة لا تقصي أحدا، وطرح خارطة طريق لعملية انتقال ديمقراطي هادئ وسلس وسلمي وعدم الاكتفاء بالاعتراض على ما تطرحه السلطة.


"استحالة توحيد الحراك"

غير أن هناك من ينظر إلى مسألة توحيد الحراكيين، على أنها فكرة طوباوية من الصعب أن تتحقق، بالنظر إلى الاختلافات السياسية والأيديولوجية الكثيرة التي تميز نظرة كل طرف للأزمة، حتى وإن كان هناك اتفاق على ضرورة تغيير النظام.


وفي رأي نوري دريس الأستاذ الجامعي المتخصص في علم الاجتماع، فإن قضية توحد الحراكيين هي فكرة نظرية فحسب غير قابلة للتطبيق، على اعتبار أن الحراك ليس حزبا أو حركة سياسية.


وقال دريس في تصريحه لـ"عربي21"، إن الحراك هو حركة شعبية ناتجة عن منع الجزائريين من ممارسة السياسة، وهو يضم كل فئات وتيارات المجتمع.


واعتبر المتحدث، أن الحراك كحركة ثورية يمكنه أن يستمر، ولكنه لا يمكن أن ينتظم كحزب سياسي أو كهيكل أيا كان نوعه، نظرا لعدم تجانس تركيبته، مضيفا أن "الالتقاء في الحراك لا يعني إمكانية التقاء الحراكيين في تنظيم واحد".