قضايا وآراء

أوامر ترامب التنفيذية في مواجهة الرياح الرقمية

1300x600

في وقت مبكر من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019 تمت تسمية تطبيق "TikTok" وعلى وجه التحديد من قبل أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي على أنه "تهديد محتمل للاستخبارات المضادة".

وفي شهر تموز (يوليو) من هذا العام، قال الوزير مايك بومبيو إن الولايات المتحدة تدرس فرض حظر على "تيك توك" وتطبيقات الوسائط الاجتماعية الصينية الأخرى"، وهو أول تلميح إلى أن تطبيقات أخرى بخلاف TikTok، مثل WeChat، قد تتأثر. وبمجرد أن أعلن وزير خارجية أمريكا هذا الأمر فقد أعطى المسألة بعدا سياسيا غير تقني.
 
وفي آب (أغسطس) 2020، أعلنت الإدارة الأمريكية عن تكثيف جهودها في إزالة التطبيقات الصينية "غير الموثوق بها" من الشبكات الرقمية وتم وصف كل من TikTok و WeChat على أنهما "تهديدات كبيرة"، حيث قال وزير التجارة ويلبر روس في بيان: "تثبت إجراءات اليوم مرة أخرى أن الرئيس ترامب سيبذل قصارى جهده لضمان أمننا القومي وحماية الأمريكيين من تهديدات الحزب الشيوعي الصيني بتوجيه من الرئيس، اتخذنا إجراءات مهمة لمكافحة العمليات الخبيثة من قبل الصين في جمع البيانات الشخصية للمواطنين الأمريكيين، مع تعزيز قيمنا الوطنية، والمعايير المستندة إلى القواعد الديمقراطية، والتطبيق الصارم للقوانين واللوائح الأمريكية".

وفي تصريح غير مفاجئ أعلنت إدارة ترامب يوم الجمعة 18 أيول (سبتمبر) 2020 أنها سوف تحظر خدمات TikTok و WeChat الصينية من متاجر تطبيقات الأجهزة المحمولة اعتبارًا من يوم الأحد 20 أيلول (سبتمبر) 2020، والتي تعتبر خطوة غير مسبوقة قد تزيد من تسارع التدهور في علاقة الولايات المتحدة مع الصين. وسوف يتبع هذا الحظر حظر أوسع على استخدام TikTok في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) ما لم تتمكن الشركة الأم الصينية ByteDance من إقناع المسؤولين الأمريكيين بأنه يمكنها حل مخاوف الأمن القومي.

ومن جهة أخرى ولمنح الحظر بعدا أمنيا وصفت وكالات الأمن القومي الأمريكية الحظر بأنه ضروري لحماية الأمن القومي الأمريكي ومنع بكين من استغلال التطبيقات لجمع بيانات المستخدم أو نشر الدعاية. لكن هذه الإجراءات أثارت انتقادات سريعة من عدة جهات مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية وحتى من منافس لمنصة TikTok مثل تطبيق إنستغرام بالإضافة للمستخدمين لهذه المنصات داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

فإذا كانت وكالات الأمن القومي الأمريكي تخاف من جمع المعلومات للمواطنين الأمريكيين من قبل التطبيقات الصينية وتتهم تلك التطبيقات بأنها تتبع لمؤسسات المخابرات الصينية، فقد كان الأحرى بها أن تقوم بالمنع قبل أن يبلغ عدد المستخدمين الأمريكيين لتطبيق TikTok مئة مليون مستخدم واستحواذ التطبيق على معلوماتهم الخاصة والدقيقة. 

 

وتعتبر الخطوة الأمريكية بحظر تطبيقات تقنية سابقة خطيرة من دولة تنصب نفسها المدافع عن حرية التعبير وتنصب نفسها شرطياً عالميا مدافعا عن حقوق الانسان وهي ممارسة أكثر شيوعًا في بلدان دكتاتورية الملامح مثل الصين

 



إلا أن أجهزة المخابرات الصينية والأمنية تنبهت لهذا الأمر منذ البداية بما يختص تطبيقات التواصل الاجتماعي الأمريكية وقامت بمنعها، وكان لها في حقيقة الأمر غايتين، الأولى منع استحواذ وكالات الأمن الأمريكية على معلومات المواطنين الصينيين، والثانية لها بعد أمني داخلي لمنع المواطنين الصينيين من التعبير والتجمع والتواصل من أجل منع اي تحرك جماهيري صيني معارض للنظام.

وتعتبر الخطوة الأمريكية بحظر تطبيقات تقنية سابقة خطيرة من دولة تنصب نفسها المدافع عن حرية التعبير وتنصب نفسها شرطياً عالميا مدافعا عن حقوق الانسان وهي ممارسة أكثر شيوعًا في بلدان دكتاتورية الملامح مثل الصين ، حيث يُحظر Facebook و Google و Twitter والتطبيقات الغربية الأخرى.
يأتي الحظر قبل أسابيع فقط من انتخابات رئاسية أمريكية مثيرة للجدل كانت الصين فيها هدفًا متكررًا للرئيس ترامب والمرشح الديمقراطي جو بايدن، من المناقشات حول جائحة فيروس كورونا إلى التكنولوجيا والتجارة والأمن القومي. وتأتي هذه الخطوة أيضًا بعد أشهر من الإجراءات الأمريكية الهادفة إلى مواجهة الصين على جبهات متعددة، وربما تمثل أقوى علامة حتى الآن على تخلي الولايات المتحدة عن سياسة التواصل مع الصين التي استمرت لعقود.

ما هي التطبيقات المحظورة؟

TikTok هو تطبيق للهواتف الذكية لإنشاء ومشاهدة مقاطع فيديو قصيرة تحظى بشعبية بين المراهقين والشباب، تعتمد على مزامنة الشفاه أو الرقص أو إضحاك الناس. بلغ عدد المستخدمين في الولايات المتحدة الأمريكية 100 مليون مستخدم أمريكي ومليار مستخدم حول العالم وتم تنزيله ملياري مرة حول العالم. 

هذه المنصة لديها ثقافة خاصة وتعتمد على ما يسمى "المؤثرين" من صناع المحتوى الخاص بها، ولهذه المنصة بعد اقتصادي يمكّن الناس من كسب لقمة العيش من خلال نشر مقاطع الفيديو على الخدمة واستضافة إعلانات من كبرى الشركات العالمية والأمريكية. ووصف الرئيس الامريكي ترامب تيك توك بأنها "شركة رائعة" و"تحظى بشعبية كبيرة". 

تلتقط TikTok تلقائيًا مساحات شاسعة من المعلومات من مستخدميها، بما في ذلك الإنترنت ومعلومات نشاط الشبكة الأخرى مثل بيانات الموقع وتاريخ التصفح والبحث. يهدد جمع البيانات هذا بالسماح للحزب الشيوعي الصيني بالوصول إلى المعلومات الشخصية والمملوكة للأمريكيين ـ مما قد يسمح للصين بتتبع مواقع الموظفين والمقاولين الفيدراليين، وبناء ملفات للمعلومات الشخصية للابتزاز، وإجراء تجسس على الشركات.

WeChat هو تطبيق يركز على المراسلة ويعمل في الولايات المتحدة بمثابة شريان حياة للأصدقاء والعائلة والعملاء وجهات الاتصال التجارية في الصين. بلغ عدد المستخدمين على هذه المنصة أكثر من مليار مستخدم شهريا معظمهم في الصين، حيث إنه تطبيق متعدد الأغراض يستخدم في كل شيء من الرسائل النصية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والتجارة الإلكترونية، وفواتير الخدمات، وحجز سيارات الأجرة، للرسائل ومكالمات الصوت والفيديو والأخبار والألعاب وتوصيل الطعام ومشاركة الرحلات والمزيد ولديه أكثر من 200 مليون مستخدم خارج الصين. 

وينص الأمر المتعلق بحظر WeChat على أنه يجمع أيضًا "مساحات شاسعة من المعلومات" التي تسمح للحزب الشيوعي الصيني بالوصول إلى المعلومات الشخصية والخاصة بالأمريكيين. "كما يزعم الأمر أن CCP يستخدم WeChat لالتقاط المعلومات ومراقبة المواطنين الصينيين عندما يزورون أمريكا.
ماذا سيحدث لكلا التطبيقين في 20 أيلول (سبتمبر)؟

فيما يتعلق بكل من TikTok و WeChat، فإن وزارة التجارة أعلنت أنه اعتبارًا من 20 أيلول (سبتمبر) 2020 أن كلا التطبيقين سيختفيان من iOS App Store و Google Play Store لنظام Android ، حيث لا يُسمح لكل من Apple و Google بتوزيع هذه التطبيقات في الولايات المتحدة. وهذا الإجراء لن يؤثر هذا على أي شخص أتم تنزيل هذه التطبيقات بالفعل ولكن سيجعل من المستحيل تحديث هذه التطبيقات في المستقبل للوصول إلى ميزات جديدة أو تحديثات الأمان.

الأوامر التنفيذية والقضاء

ذهبت مجموعة تسمى تحالف مستخدمي WeChat في الولايات المتحدة إلى المحكمة بشأن الأمر التنفيذي، حيث قالت قاضية إنها ستكون على استعداد لمنح أمر قضائي لوقف الحظر على أساس أن الأمر التنفيذي الخاص به غامض للغاية. ومع ذلك، لم يتم اتخاذ قرار نهائي بشأن هذه المسألة، وقد تغير التوضيحات الصادرة حديثًا من وزارة التجارة هذا الأمر.

ماذا يعني الحظر للمستخدمين؟

بالنسبة لمستخدمي WeChat، لن يمنع المستخدمين الفرديين من إرسال رسائل نصية أو إجراء مدفوعات. ولكن يمكن أن يلغى مفتاح الربط في عمليات WeChat ويجعل من الصعب على التطبيق الاستمرار في العمل في الولايات المتحدة عن طريق حظر الخدمات التقنية الهامة التي تقدمها الشركات الأخرى.

أما بالنسبة لمستخدمي TikTok الذين قاموا بالفعل بتنزيل التطبيق، يجب أن يظل يعمل بشكل طبيعي في الوقت الحالي. ومع ذلك ، قد يتم حظر المستخدمين من الحصول على تحديثات برامج التطبيقات المهمة التي تعمل على إصلاح الأخطاء والثغرات الأمنية. 

هل هناك حلول تقنية للتحايل على قرار الحظر؟

قبل ساعات من بدا سريان الحظر، بدأ الناس يسارعون إلى تنزيل WeChat حيث صعدم WeChat من رقم 1385 الى رقم 100 بعد ظهر يوم الجمعة بين تطبيقات iPhone المجانية في متجر تطبيقات Apple في الولايات المتحدة وفقًا لمزود البيانات Sensor Tower   

من الممكن تجاوز الحظر والوصول لتطبيق TikTok لعرض الخدمة على شاشة الويب الرئيسية، ولكن لن يتمكن المستخدمون من إنشاء مقاطع فيديو ـ مما قد يعني في النهاية عددًا أقل من مقاطع الفيديو الأمريكية الصنع الجديدة لمشاهدتها.

كما ويمكن لمستخدمي التطبيق محاولة استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة، أو الشبكات الظاهرية الخاصة، لإخفاء مواقعهم والتظاهر بأنهم في بلد آخر. لكن هذا يثير مخاوف أمنية إضافية خاصة للمستخدمين الذين يتعاملون مع مزود VPN مجاني أو رخيص لم يتم فحصه بعناية، مما يفاقم الوضع الأمني الذي بالاساس بني قرار الحظر عليه. ويمكن للمستخدمين أيضًا استخدام الحيل لتجاوز عملية متجر تطبيقات Apple وAndroid ، ولكنها أيضًا تشكل مخاطر أمنية قد تصل الى درجة كبيرة من الخطورة.

والمعضلة هنا أنه إذا لم يكن هناك تحديث للتطبيقات ولنظام التشغيل الخاص بالهاتف المستخدم فهذا يمثل مخاطرة أمنية اضافية، إنه يضع المستخدمين في موقف أمني خطير.

هل للأوامر التنفيذية بحظر التطبيقين آثار رقمية على منصات التواصل الاجتماعي الاخرى؟

أثارت القيود انتقادات من أحد الشخصيات البارزة في وادي السيليكون. غرد رئيس إنستغرام آدم موسيري أن الحظر الكامل "سيكون سيئًا للغاية على Instagram و Facebook والإنترنت على نطاق أوسع."

هل ستصمد الأوامر التنفيذية بحجب المنصتين؟

نظريا أنا أعتقد أن هذه الأوامر التنفيذية سوف تصمد فقط حتى انتهاء الانتخابات الأمريكية، أما تقنيا فأنا أعتقد أن هذه الأوامر عقدت المشهد أمنيا وخلطت الأوراق وأن هذه الأوامر سقطت تقنيا وأنها كسرت منذ صدور تلك الأوامر التنفيذية. 

*خبير في أمن المعلومات والإعلام الجديد