كتاب عربي 21

القوميون.. وهم العروبة وزيف المقاومة

1300x600

احتلّت الفكرة القومية مساحة هامة من الفضاء السياسي والمعرفي العربي منذ بدايات القرن الماضي إلى حدود انفجار ثورات الربيع. ومثّلت الأطروحات القومية بمدارسها المختلفة الناصرية والبعثية والجماهيرية مرجعا فكريا وسياسيا وحزبيا لطيف كبير من المثقفين في أرجاء الوطن الكبير بل إنّ المرجعية القومية قد حكمت عددا كبير من البلاد العربية في مصر والعراق وليبيا وسوريا مثلا على مدار عقود من الزمن. 

كانت شعارات الوحدة والمقاومة ومحاربة الرجعية والإمبريالية مدار الخطاب القومي الخارج للتو من سياق معارك التحرر الوطني التي غادر على إثرها الاحتلال العسكري الأجنبي بلاد العرب بعد أن زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة. لم يحقق القوميون الذين حكموا أقطارا واسعة من الوطن العربي أيّ شعار من شعاراتهم ولا هم نجحوا في بناء الأوطان ولا طرد المحتل ولا تحرير فلسطين لكنهم نجحوا في التأسيس لأبشع الأنظمة الاستبدادية في الأقطار التي حكموها في مصر مع عبد الناصر وفي سوريا مع الأسد وفي ليبيا مع القذافي وفي العراق مع صدّام. 

ثم جاءت ثورات الربيع لتُسقط آخر أوراق التوت عن حصاد القوميين العرب فكرا وممارسة بأن تحوّلوا إلى ألدّ أعداء الثورات والشعوب التي كانوا يدّعون تحريرها كما رأينا في مصر وسوريا وليبيا خاصة. أين الخلل إذن؟ وكيف تحولت الفكرة الجميلة والشعارات الرنانة إلى حبل مشنقة التفّ حول رقبة الشعوب؟ 

وهم العروبة 

بقطع النظر عن الصيغة العرقية إن لم نقل العنصرية للتسمية وهي تُلغي أو تكاد بقية المكونات الأخرى للأمة فإن كثيرين يرون في فكرة العروبة نفسها تحويلا لمنطق الرابطة الحضارية التي حكمت بلاد المسلمين منذ عقود. ليست العروبة إذن هدفا لذاتها بقدر ما كانت وسيلة لإقصاء كل روابط الانتماء الأخرى التي تتجاوزها في العمق التاريخي وفي الحِمل الحضاري. صحيح أنّ البلاد بلاد العرب لكن فكرة العروبة تضيّق من مجال الأمة وتفصلها عن بقية المكونات الشعبية التي صاغت معها كل تاريخ المنطقة مشرقا ومغربا. بل إنّ المقولة نفسها قد حفّزت النزعة الانطوائية عند عدد من الشعوب والأقليات غير العربية التي شاركت في بناء الأمة وفي كل حروبها ومعاركها التحررية منذ قرون.

 

انتهت الممارسة القومية للسلطة إلى تسلسل الحكم العسكري الدامي في مصر وتنازل إرث الناصرية عن فلسطين وعن السودان وعن غزة وحتى عن سيناء. أما في سوريا فقد تحول الفكر الانقلابي القومي إلى حكم وراثي يمرر فيه الأب السلطة لابنه بعد أن تمكنت الطائفة من إحكام قبضتها على الدولة وصار القذافي في ليبيا ملك ملوك إفريقيا حتى انفجرت ثورات الشعوب.

 



كان شعار العروبة وشعار الوحدة العربية مندرجا في سياق الردّ على اتفاقية سايكس بيكو التي مزّقت أواصر الوطن الكبير وتقاسم الغزاة إرث الرجل المريض ممثلا في الخلافة العثمانية لكنّ الرابطة الجديدة لم تكن لتحلّ في محلّها دون إسناد خارجي. فقد ساهمت القوى الاستعمارية مساهمة مركزية في تصفية الأنظمة الملكية التي كانت تحكم المنطقة في ليبيا وسوريا ومصر والعراق ومكّنت فيها لأنظمة انقلابية عسكرية رفعت لواء الفكرة القومية.

لا يمكن إذن الفصل بين ظهور فكرة العروبة شعارا وممارسة عن السياق الجديد الذي أنشأه خروج المستعمر العسكري بعد تقسيم المنطقة إلى دويلات منعزلة وتنصيب الأنظمة الاستبدادية العسكرية في السلطة لكي تحكم باسم العروبة نفسها. 

القوميون والسلطة 

قد لا يختلف اثنان في حصاد الأنظمة التي رفعت شعار العروبة والقومية والمقاومة ومحاربة الرجعية. ولا يتنازع اثنان في أنّ وصول القوميين المشبوه إلى السلطة بعد تصفية الأنظمة الملكية كان فاتحة انهيار الأقطار التي كانت مخوّلة لدفع قاطرة التحرر والنهضة. 

إنّ أهمّ ما يميز طريقة وصول الأنظمة القومية إلى السلطة هو أنها وصلت جميعها بطريقة واحدة عبر الانقلابات الدامية بالقوة العسكرية التي نزعت عنها كل شرعية بل فتحت المنطقة على طور من الانقلابات داخل الانقلابات مثلما حدث في مصر ضدّ محمد نجيب أو في العراق أو في سوريا. اللافت أيضا هو أن القوى الانقلابية الفاقدة للشرعية عملت كلّها على تجميل جريمة الانقلاب بتسميات ثورية مثل الحركة التصحيحية في سوريا أو ثورة الضباط الأحرار في مصر أو ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا. 

في مرحلة موالية أرست هذه الأنظمة أسس الحكم الاستبدادي ووضعت شروط الحكم القمعي الذي تمحور حول فكرة الزعيم القائد فصار هو الدولة وهو المجتمع وهو النظام نفسه. صُودرت الأحزاب وصُفّيت المعارضة وانتهت الحياة السياسية التي كانت زمن الحكم الملكي وأحكم الاستبداد العسكري المؤسس على الفكرة القومية قبضته على المجتمع والاقتصاد والثقافة والسياسة. 

بعد أن تمكنت الأنظمة القومية من بسط نفوذها على الأقطار التي حكمتها بالحديد والنار والانقلابات انطلقت في مغامراتها الخارجية وأحجمت عن بناء الدولة وحفظ السيادة، فقد بددت الثروات وتسببت في أعظم الهزائم في تاريخ الأمة. ثم تحول مرض الزعامة إلى مصدر للتناحر بين الزعماء أنفسهم فتناحر البعثان في سوريا والعراق وغزت مصر اليمن وأمعن القذافي في مغامراته الخارجية الدامية شمالا وجنوبا.  

القوميون وثورات الشعوب 

انتهت الممارسة القومية للسلطة إلى تسلسل الحكم العسكري الدامي في مصر وتنازل إرث الناصرية عن فلسطين وعن السودان وعن غزة وحتى عن سيناء. أما في سوريا فقد تحول الفكر الانقلابي القومي إلى حكم وراثي يمرر فيه الأب السلطة لابنه بعد أن تمكنت الطائفة من إحكام قبضتها على الدولة وصار القذافي في ليبيا ملك ملوك إفريقيا حتى انفجرت ثورات الشعوب. 

رغم بعض الرصيد الضئيل الذي لا يزال في جعبة الفكر القومي فقد كانت الثورات آخر الأدلة على توحش هذه الأنظمة وعلى إجرامها النادر. فبعد أن انتهى البعث في العراق إلى ما انتهى إليه الحكم الاستبدادي هناك من استعمار عسكري مباشر ودمار للبلد واجهت الأنظمة القومية شعوبها المطالبة بالحرية بالرصاص والنار والبراميل المتفجرة والمرتزقة من كل أصقاع الأرض فارتكبت ولا تزال إلى اليوم أبشع المجازر والجرائم التي لم يرتكبها الاستعمار نفسه. 

تحالف القوميون مع العسكر الذين هم في الحقيقة الوجه الآخر للعقيدة القومية وللفكر الانقلابي ثم تحالفوا مع كل التشكيلات الانقلابية اللبرالية والدينية المتطرفة من المداخلة والجامية والسلفية وحتى التشكيلات اليسارية في سبيل الإطاحة بالمُنجز الثوري. وهو الأمر الذي حدث في تونس وليبيا ومصر وسوريا بأن كان القوميون في طليعة المشروع الانقلابي بعد أن انقلبوا على كل الشعارات الزائفة التي تاجروا بها طيلة عقود من الاستبداد. هكذا دقّ القوميون آخر المسامير في نعش الفكرة القومية والممارسة القومية التي تحولت إلى لعنة جماهيرية أطاحت بآمال الأمة في أشدّ منعرجاتها التاريخية خطورة. 

 

لا يمكن إذن الفصل بين ظهور فكرة العروبة شعارا وممارسة عن السياق الجديد الذي أنشأه خروج المستعمر العسكري بعد تقسيم المنطقة إلى دويلات منعزلة وتنصيب الأنظمة الاستبدادية العسكرية في السلطة لكي تحكم باسم العروبة نفسها.

 



تحالف القوميون مع المشروع الإيراني الفارسي باسم العروبة وتحالفوا مع الغزاة الروس ومرتزقتهم باسم المقاومة متخفّين تحت شعار محاربة الإسلام السياسي الذي قدّموا محاربته على كل أولويات التحرر مع الاستبداد والاستعمار والفساد.

إنّ طيّ المرحلة القومية من تاريخ الأمة الحديث يشكل أعظم مكاسب العقل العربي والإسلامي التي ستُلغي واحدا من أخطر العقبات في تاريخها المعاصر. وإنّ انكشاف زيف الشعارات والنظريات المفخخة يمثّل مدخلا جديدا لصياغة مشروع التحرر المنعتق من أسر الأيدولوجيا ومن جرائم الاستبداد المغلّفة بغلاف المقاومة والممانعة.