قضايا وآراء

التطبيع المستجد جريمة بحق الشعب الفلسطيني والقدس

1300x600

عربُ التَّطبيع المُستجد يريدون باعترافهم بالصهاينة وتطبيعهم للعلاقات معهم، محاصَرة الشعب الفلسطيني مع مَن يحاصرونه، وعزله عن أمته لإجباره على التنازل عمَّا بقي له من أرض وحقوق وكرامة، وجعله يستسلم للصهاينة، وينهي قضيته العادلة ونضاله من أجل وطنه التاريخي فلسطين.
 
والعربُ الذين يعترفون بالعدو ويُطّبِّعون علاقاتهم معه اليوم إنما يشاركون في الحصار الصهيوني ـ الأمريكي المفروض على الشعب الفلسطيني منذ سنوات، وينفذون خطة الإرهابي العنصري نتنياهو الذي أعلن ويعلن أنه يعمل عليها منذ توليه السلطة في كيان الإرهاب والعنصرية والاحتلال "إسرائيل"، تلك التي يشاركه فيها العنصري، كاره العرب والمسلمين والملونين، المتصهين دونالد ترامب.. للوصول إلى فرض "سلام مقابل سلام" مع دول عربية تخذل الفلسطينيين وتعزلهم وتجعلهم ينصاعون لطلبات "إسرائيل" في مفاوضات هي عملية انبطاح تام واستسلام شامل، وتسليم للقدس والأقصى ولما تبقى من أرض فلسطين للمحتلين، ووأد لحلم الاستقلال الفلسطيني، وخيانة لشهداء فلسطين والأمة العربية على طريق القضية المركزية لنضال العرب الحديث، قضية فلسطين.. 

وهذا يندرج في مستوى خطورة اتفاقيات "كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو"، ويزعزع وحدة العرب أكثر مما هي مزعزعة، ويقسمهم إلى معسكرات متناحرة متنازعة، ويلحق دولاً من دولهم بمعسكر أعداء العروبة والإسلام جهاراً نهاراً، بما يملكون من مال وثروات طبيعية وسلاح راكموه، وإعلام يسخرونه لهذه الغايات. 

اصطفاف مع العنصرية والإرهاب

إن اعتراف دولة الإمارات العربية المتحدة بكيان الإرهاب والعنصرية "إسرائيل"، وتطبيعها لعلاقاتها مع ذلك الكيان في ما سُمي بـ"اتفاق إبراهيم"، اصطفافٌ مع العنصرية والإرهاب والاحتلال، وتنصُّل من الانتماء القومي، وطعنة للعدالة الإنسانية لأنه فتك بأعدل قضية عرفها العالم في العصر الحديث، وخروج على المبادرة العربية، مبادرة قمة بيروت 2002. 

وخطورة ما سُمي "اتفاق إبراهيم" الذي يتلفَّع زوراً بالسلام هو فتحٌ لباب "سلامٍ ما بعدَه سلام"، وفتح أبواب دول عربية غنية للمشاركة في حصار الفلسطينيين وإنهاكهم ليصل بهم الأمر إلى الاستسلام، تحت ضغط المال والسياسة والدبلوماسية والقوة والوحشية الصهيونية والإعلام الفاسد المُفسد، حيث ينضم كلُّ ذلك للعدو الصهيوني ويساند عدوانه واحتلاله وعنصريته ويشاركه برنامجه المتبع منذ عقود من الزمن الهادف إلى إبادة الشعب الفلسطيني مادياً ومعنوياً، في مسلسل إبادة منهجي بطيء يستهدف وجوده وقضيته بكل أبعادهما، ويجعل الوطن العربي يتراجع أكثر وأكثر أمام زحف الهيمنة الأمريكية ـ الصهيونية. 

والذين أقدموا على هذا الفعل الغادر لا يكتفون بخذلان الشعب الفلسطيني والانضمام لأعدائه بل يطعنونه في الظهر ويقفون على صدره ويحاولون خنقه، ويتظاهرون بأنهم قدموا له خدمة بوقف "الضَّم" وأعطوه فرصة للعمل؟! وما ذلك إلا ادعاء وتعمية واستغفال فصفقة ترامب وموافقته على ضم 30% من أرض الضفة الغربية إضافة إلى غور الأردن مُعْلَنة ومستمرة، ومن يقرأ تصريحات ساسة الصهاينة وعلى رأسهم نتنياهو، وتصريح الصبي جاريد الذي يتجرأ بوقاحة على كل من لا يؤيد الاتفاق من دول وشعوب، وتصريح فيدمان سفير ترامب في تل أبيب، ويتبصَّر في مضامين تصريحات مسؤولين اماراتيين، يتبين أن خطوة الإمارات لن تغير من المشروع الصهيوني شيئاً، وربما لن تجعل الإمارات تنجح في شراء طائرات أف35 لتخوض حروباً ليست في صالحها.. والزمن فيصل وغربال.

مناورات سياسية مكشوفة

وأخال أن هناك لعبة متفقاً عليها، إذ إن اندفاع الإمارات العربية المتحدة في هذا الاتجاه أو دفعها إليه، أمر متَّفق عليه، وهو لا يشكل سبراً للوضع الفلسطيني والعربي، لا سيما على الصعيد الشعبي وحسب، بل وإلى إحكام الطوق حول الشعب الفلسطيني بتواطؤ عربي يعزز التواطؤ الأمريكي المكشوف ضده.. والاتفاق من الباطن أن يتم تأييد خطوة الإمارات بتصريحات قوية وفي الوقت ذاته يُرفع الصوت بعدم التنازل عن المبادرة العربية باستحياء، وكأن الأمرين يتكاملان ولا يختلفان، وأن الخطوة الإماراتية لا تعارض ذلك، وأنها في الطريق الصحيح وتكمل ذلك النهج أو تصب فيه؟! 

هذه مناورات سياسية مكشوفة، ولا يمكن أن تنطلي على الشعب العربي الذي جرَّب واكتوى بنار سياسة المناورات، حتى لو دارت في فَلَكِها دول وحكومات وسياسات ووسائل إعلام، وساندتها هجمات من التأييد السياسي والدبلوماسي الخارجي الغربي وسواه، ووصفها بأنها خطوة تقرِّب المنطقة من السلام، وأنها فرصة للسلطة الفلسطينية، مع زمن إضافي، لتفكر وتقرر وتقبل بتفاوض يؤدي إلى تنازلها واستسلامها، وإلى التوسع الاستيطاني، وقتل الشباب والأطفال باستخدام قوة الجيش الصهيوني المُجرد من الأخلاق.. وبهذا يبقى المُحتل محتلاً، ومشروعه لابتلاع فلسطين وحقوق شعبها مستمراً، ومسار المقاومة الفلسطينية والعدالة الدولية والسلام العادل خاملاً ومختلاً..؟!

 

خطوة الإمارت لا يمكن أن تكون قد اتخذت من دون تنسيق وتشاور مع السعودية سواء أكان ذلك من تحت الطاولة أو من فوقها، فالإمارات لا تتجرأ على ذلك حتى لو وقفت معها إسرائيل وابتسمت لها الولايات المتحدة بفم كوشنر، لأن تحدياً من هذا النوع مكلف لها جداً ولا يقوم به إلا مَن لا يرى أبعد من أنفه.

 



وفي إطار العبث الصهيوني بالساسة العرب، واستخدام الوقيعة والتشكيك بالثقة المتبادلة بينهم، لا سيما في دول عربية خليجية بهدف حفزها على ركوب قارب الإمارات العربية أو دفعه إلى الأمام.. تقوم الصحافة الصهيونية والغربية وتلك المسيطر عليها صهيونياً وغربياً، والتابعة بإمَّعيَّة ومصْلَحيَّة متورِّمَة، بدور المحرّض وباذر الخلاف وناقع السم، فقد نقلت وكالة "بلومبرغ"، أن كامران بخاري من مركز السياسة الدولية في واشنطن قال: "إن اتفاق التطبيع مع إسرائيل منح الإمارات الفرصة لتتزعم الدبلوماسية في العالم العربي، وأن تكون الدولة الراعية في المنطقة"، وأن محللاً في الوكالة كتب تقريراً جاء فيه: "إن على السعودية أن توازن بين القلق الجيوسياسي المتمثل بتراجع نفوذها في المنطقة، والقلق الإيديولوجي، المتمثل بمكانة المملكة في العالم الإسلامي، لاتخاذ قرار سريع بشأن الموقف من إسرائيل".

إن الدفع بهذا الاتجاه يستهدف دولاً خليجية على رأسها السعودية للإسراع باتخاذ مواقف علنية وخطوات عملية صريحة مؤيدة ومنضمَّة للتطبيع الذي قامت به الإمارات العربية المتحدة.. وهذا يصب في ويحرض على تنفيذ ما قاله الصبي جاريد: "إن التطبيع بين السعودية وبين إسرائيل حتمي والقضية قضية وقت".. 

وفي تقديري أن المملكة العربية السعودية تدرك موقعها خليجياً وعربياً وإسلامياً، وتعرف مصالحها، وليس من السهل استدراجها إلى مواقف متسرعة معلَنة، فهي تعمل على نار هادئة، وتحرِّك غيرها أكثر مما تتحرك هي، ومن غير المستبعد أن تكبح جماح من قد تستثير حماستَهم واندفاعهم ما نقلته وكالة "بلومبرغ" فيسعون إلى تطبيع تنافسي مع الإمارات حفاظاً على الزعامة في دول الخليج.. فتلك الزعامة فيما علمنا وخبرنا زعامة ثابتة، ومقاربة هذا الأمر من هذا الباب غير مجدية، وعلى من يقومون بها أن يدركوا بالنتيجة أنهم يحرثون في البحر أو في الرمل.. ومن المُرجح أن خطوة الإمارات لا يمكن أن تكون قد اتخذت من دون تنسيق وتشاور مع السعودية سواء أكان ذلك من تحت الطاولة أو من فوقها، فالإمارات لا تتجرأ على ذلك حتى لو وقفت معها إسرائيل وابتسمت لها الولايات المتحدة بفم كوشنر، لأن تحدياً من هذا النوع مكلف لها جداً ولا يقوم به إلا مَن لا يرى أبعد من أنفه.

إنه في الخلاصة، وفي كل الأحوال، نرى أنه على الدول والساسة والمسؤولين والمحللين والإعلاميين الذين يعملون على بيع هذه البضاعة الفاسدة، بضاعة التطبيع، للجماهير العربية وللرأي العام العالمي، ويروجون لاستسلام فلسطيني وعربي شامل للعدو الصهيوني، وللسكوت على من يعترفون به ويطبِّعون علاقاتهم معه، وعلى من يتخذونه حليفاً استراتيجياً لهم، ويروجون لإرهابه وإجرامه وهيمنته.. عليهم أن يدركوا أن هذه البضاعة كاسدة، وأن العدو هو العنصرية والإرهاب والجريمة والخداع والمكر والخبث ونقض العهود ومن قتل الأبرياء والأنبياء، وأنه عدو السلام والأمن والقيم الإنسانية والأخلاق، وأنه ألدّ أعداء العدل والحق والعروبة والإسلام.. 

وأنهم حين يتحالفون مع هذا العدو إنما يساندون العدوان الصهيوني المستمر، واحتلاله لفلسطين والقدس والأقصى، وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني الممتدة على مدى قرن من الزمان، ويعقدون معه صفقات تعاون تصبُّ في مصالحه أولاً وفي مصالح راعيه وحاميه وشريكه ومسانده، الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه إذا بقي لأولئك اللاهثين وراءه شيء من "مصالح"، فهي مصالخ للأبرياء والمظلومين والمضطَهدين الذين لن يناموا على الظلم والضيم والعدوان إلى ما لا نهاية.. وأنه إذا بقي لهم شيء فإنما هو فُتات لساسة ذوي طموحات شخصية، وأزمات ذاتية، ورؤى أقل ما يُقال فيها وعنها إنها عجاف وخناجر في ظهر الأمة والعدل والحق والحرية، وهي في أحسن الأحوال والتقديرات والظنون مصلحة أنظمة تخاف على نفسها من شعوبها، وتلغي الرأي الآخر، وتقمع المعارضين لها والأحرار في دائرة نفوذها، وتوظِّف الأموال والإعلام و.. و.. لتزيين قبيح الأفعال.. وتشتري وتبيع في الشعوب والأوطان، في العقول والضمائر، في الدِّماء والمصائر.

وإن ذلك لن يدوم، ولن يدوم، ولن يدوم.. فالشعب باقٍ، والشعب قادر، والشعب ينتصر.. والحُكام والأحكام، والساسة والظُّلام، والحكومات والظُّلُمات.. كلٌّ إلى تحوُّلٍ وتبدُّلٍ وزَوال.. ويبقى المشرق وحده، والخالد وحده هو وجه الله تعالى، نورُ السَّماوت والأرض. والحكيم الفَطِن مَن اتَّعَظ بسواه.
والله المُسْتَعان وهو وليُّ الصابرين.