قضايا وآراء

شَرُّ البَليَّة.. بَيْنَ.. إشْقاءٍ وإشْقَاء

1300x600

عَشَراتُ الآلاف وربما الملايين من الناس قضوا على طريق بناء الصروح والمنشآت الكبيرة التي أَصبحت معالم حضارية وأماكن جذب سياحيّ تدرُّ مالاً على من ورثوها عمّن بنوها: الأهرامات، ومقابر الملوك في الأُسَر المصرية القديمة على الضفة الغربية للنِّيل الخالد، سور الصين العظيم الذي يمتدّ مسافة عشرة آلاف "لَيْ" = 5000 كم"، بين الحدود الشرقية والغربية للصين، أَي من أَعماق الداخل المَنغولي إلى ساحل البحر الأصفر، مقابر تشينغ الأول في مدينة "شي آن"، برج بابل، طروادة، تدمر، الأكروبول، المعابد الكبرى لأتباع الديانات، القلاع والحصون وأسوار المدن، قصور الأباطرة والملوك، قناة السويس، وقناة بَنَما.. الخ.. 

كلٌّ كلَّف الكثير من المعاناة والدم والتّضحيات والمال والوقت، وحياة عشرات بل مئات الآلاف من البشر الذين قضوا في تلك المواقع التي نراها آثاراً ونرى بقاياها أو معالمها اليوم، ونقف ذاهلين عن أنفسنا حيالها، معجبين بمن أَمر بأن تُشاد وبمن أبدع فيما أشاد!؟ إنها جهد البشرية الخالد وعظمته ومردوده الأمني والمالي والحضاري على من ورث واستفاد ويستفيد من جهة، وهو موت لبشر وشقاء وإشقاء لهم وغمسهم في البؤس على نحو مديد من جهة أخرى.. 

وكان معظم ذلك لكي تبقى أسماء وأُسَر وشخصيات وقيادات "آمرة، وهانئة، وساطعة، و"خالدة؟!"، رغم فشل غلغامش في البحث عن نبتة الخلود، وليبقى أولئك في نعيم مقيم ولو على بُسُطٍ تمتد فوق الجماجم التي تنزف الأنين عبر السنين، وتروي قصص الفقر المدقع والعذاب وسيول الدموع والدماء التي يتردد رجع صداها في أذن الزمان.. بُسُطٌ عجيبة تَروي خيوطُها المنسوجة بخلايا الأجساد ومعاناة الأرواح، تاريخ شقاء بشري استثمره مَن أتوا من بعد ربما ليشقوا أيضاً بمن يشقي الخلق!؟. 

تلك معالم ظاهرة باهرة تجعلك تقرأ تاريخاً وتلمسه على نحو ما، وترى فيه رأياً سلبياً أو إيجابياً.. 


ضحايا الحروب المجنونة


لكن في الجهة الأخرى من صفحات التاريخ، أو في الشاطئ الآخر وعلى الضفة الأخرى من نهر الحياة المتدفق، وفي سجل الشقاء البشري الظاهر الباهر والباطن القاهر، هناك مئات الملايين من البشر قضوا في الحروب المجنونة، ودمروا ما دمروا من معالم العمران والحضارة والحياة التي بناها الإنسان، وسببوا الكوارث والشقاء والبؤس وفقدان الأمل لمليارات من البشر عبر الحِقب، من دون أن يتركوا أثراً ظاهراً باهراً يمكن أن ينطوي على تمجيد للجهد البشري الخلاق أو أن يفيد بشراً بخبرة وتِرياق.. 

وحَبَّر التاريخُ سجلاتٍ وتواريخ ووقائع وأمجاداً كتبها المنتصرون أو كُتبت لهم في حروب ليست عادلة، وأيُّ الحروب الوحشية تكون عادلة؟!.. وفي السجلات المُحبرة بالدماء هناك شذرات أخرى وشبه نفثات مَخفيّات لمهزومين قد يَعثر عليها باحثون مؤرخون أو مُنقِّبون في آثار الأولين وتشير إلى حقائق مهزمة!.؟
 
وهنا والآن، في زماننا الغاص بالعدوان والصراعات الدامية والبُهتان، هناك من يقاتل ويقتل ويدمر ويتسبب بموت مئات الآلاف من البشر، وبكوارث وشقاء وتشريد لملايين من الناس، ليحقق منفعة ضيقة، أو ليروي شغفاً مريضاً ممرِضاً بعَظَمة هي عَظْمَة منخورة، وليدخل التاريخ بصفحات من الدم البشري.. إنه يبدِّد الأرواح كما يبدد الأموال والثروات لينتصر في حرب قد تكون على الأمة والذات ليسجَّل في تاريخ البؤس بصفة منتصر.. ومن أسف أنه يجد من يقلب له الحقائق والوقائع، ويزيّن له الشنائع، ويرفع فعلَه وصورته ليجيئ وقت يصبح فيه "مقدَّساً أو شبه مقدَّس؟!" في مهبِّ هبادٍ هو وما كان وما قيل وما كُتب ومن كَتَب، تذروه رياح الشر عَمى في الأبصار والبصائر!؟.

 

إنَّ شَر الإشقاء والبليَّة قومٌ يقتلون ذويهم والأقربين، ويُشقون المنتمين والصالحين والطيبين، ويستبيحون الأوطان والمواطنين بذرائع شتى، وحين تواجههم تجد أنك تضعف نفسك ووطنك، ويشلُّك عن مقابلة شرهم بشر إدراكُكَ أنك تفتك بذاتك إذ تفعل بينما هم لا يرتدعون عن فعل ذلك حتى لو أدركوا

 


ولِي مثلما لغيري من البشر أن أَسأل: من الذي وما الذي يصنع ذلك الفعل الجرمي الخالص ويوحي به ويزيّنه لبشر من البشر؟! أهو العقل البشري يا تُرى أم توهم المصابين من البشر بأدواء لا علاج لها؟! هل يفعل ذلك الأباطرة ومن هُم في حكمهم، أم يفعله رجال الدين باسم الدين وبتأثيرهم على الآخرين، أم يؤسس لفعله المتزلِّفون المُؤلِّهون للطغاة البغاة والمجرمين العُتاة، أم تراه فعل جنرالات الحرب ممن تأخذهم شهوة الدم والقهر والنصر، أم تُرى تفعل ذلك جموع الطائشين الهتَّافين والمنافقين والانتهازيين والمُرتزقة والطّبالين والزّمارين السائرين في ركاب المُعتلين رقابَ الناس عبر تاريخ الظلم والحرب والقهر، أم تُراه اختصاص حصريٌّ لأولئك الذين يتأكَّد لهم جنون العظَمَة وشهوة التسلط على الناس ويستبدُّ بهم الجشع المادي غير المحدود ولا المحمود، وتستبد بهم شهوة الأمر والنهي بغِي وبَغْي، أم يزدَلِفُ إليه الذين يتطلعون إلى مواقع متقدّمة في السلطة والمجتمع على حساب الأخلاق والقيم والدين والناس والحياة ذاتها، فيفسدون كل شيئ، ويتفاعل الفساد إلى أن يصبح انهيارات وكوراث كُبْرى ومسالات دماء وشقاء وإشقاء.!؟ 

هل يدرك الأباطرة والملوك والقادة ومن هم على شاكلتهم، والسائرون في ركابهم ممن يجرُّون الويلات على غيرهم وعلى أنفسهم.. هل يدركون فَداحة كلَّ ما يجري على أيديهم وفي عهودهم، وما يسببونه للناس من مآس ومظالم وكوارث، وهل يعرفون عُقم هذه الأفعال وعبثيتها وعقابيلها الوخيمة ومردودها السيء على الإنسان؟! وهل يعرفون موقع ذلك من الخير والشر، من النَّفعِ والضَّر، ووقعه على المرء في الدنيا والآخرة؟! هل يعلمون يا تُرى أم أنه لا يعنيهم أن يعلموا، أم أن ذلك مما تُغَيِّبه البصائر وتلفُّهُ الأسوارُ والأسرار، ولا يُراد له أن يٌرى أو يُسمَع في ليل أو نهار، وممّا لا يجوز نبشُه ولا فَلْشُه ولا أن يصل إلى علم بشر، ولا أن يزعج الأسماع المرهفة للعظماء الذين يبنون مجدهم بالجماجم والجثث والدم وبالمآقي المتجمدة موتاً وقهراً، ويتطلعون إلى " خلودٍ هو العدم ورماد الرِّمَم.؟!". 

لِي أَن أسأل ولك أن تسأل، ولنا الغَصَّة في الحَلْق والدَّمْعَة المتجمدة في المُؤَق.. ولن يغير ذلك من الأمر شيئاً.. إن معظم البشرية تعاني بسبب من يحكُم ومن يملك ومن يظلم ومن يستبد ويبطش ومن يحرِم الناس من الحقوق والحريات ومن رفع الصوت حتى عند الذّبح.. والبشرية تعاني الويلات ليبقى الكبار في مأمن ورفاه واطمئنان وسعادة، وليدخل كل منهم مدخل "خلوده المُضحِك؟!".. 

معظم البشر يعانون أمَّا أولئك المتعالون فلا يكفون عن أن يحولوا نزواتهم وشهواتهم وطيشهم وحتى جنونهم وفجورهم إلى أفعال وأمجاد يكرسها الأتباع ويكسِبُها التأكيد ومرور الزَّمن والتطبيل والتزمير والتزييف والتجميل والتبجيل قشرة " قَداسة؟!" وترفع حقائق على أعمدة من تعاسة الجموع، ومن ثم يسوّغها طول خضوع الناس لها ولأصحابها إلى طبيعة لدى أولئك الذين يزعزع أركانَهم الرّعب وتسحقهم القوة، ويجرّون الأنيار، ويقادون إلى حتوفهم بالحاجة، ويسحقهم موت الكرامة في كياناتهم لكثرة المعاناة وفقدان الأمن من جوع وخوف، وتراهم يُصَعِّرون خدودهم للقوة العمياء والقمع الوحشي خوفاً من العذاب وسوء المآب والبطش، أو رغبة من البعض منهم في الانتفاش ولو كان ذلك بين خشبتي نَعش!!

 

شر الابتلاء


ألا إن شَر الابتلاء ابتلاء العباد بالعباد، وشر الأدواء ما ليس له دواء، وشر الخلق من ظلم وفَسَد وأفسد في الأرض، وجرَّ الخلق إلى الفِتَن والحروب وإراقة الدماء، ومَن قتَل في الناس أرواحهم وأنفسهم وأجسادهم بالكُفران والنكران والنيران.. ألا وإن شرَّ الشرور ضلال ذو ظلال يُفضي إلى فُجور وبَغي وغِي وإفقارٍ وقهر وظلم وسفك دماء.. ألا وأنه ما أفلح مَن ضل وأضل، ولا من تفاخر وافترى وسلب ونهب، وولَغ في الإثم والدم، وعَذَّب الناس وأشقاهم سواء أكان ذلك بالاستبداد والاستعباد والسخرة والعيش المُر والحرمان، أو بإشقاء الأنفس بالأنفس على طريق إبادة البشر بعبثية موصوفة. ومن نكد الدنيا أن نضطر إلى النظر في تفاضل وفروق بين الإشقاء بالبناء والإشقاء بالإبادة. 

أَلا وإنَّ شَر الإشقاء والبليَّة قومٌ يقتلون ذويهم والأقربين، ويُشقون المنتمين والصالحين والطيبين، ويستبيحون الأوطان والمواطنين بذرائع شتى، وحين تواجههم تجد أنك تضعف نفسك ووطنك، ويشلُّك عن مقابلة شرهم بشر إدراكُكَ أنك تفتك بذاتك إذ تفعل بينما هم لا يرتدعون عن فعل ذلك حتى لو أدركوا.. ويكون حالك معهم حال الشاعر الجاهلي الحارث بن وَعْلَة الجَرْمي الذي قال "لأُمَيمة" التي تطلب منه الثأرَ من قتلة أَخيه:
 
قَومي همُ قَتلوا، أُمَيْمَ، أَخي        فإذا رَمَيتُ يُصيبُني سَهمي
فلئن عَفوتُ لأَعفُونْ جَللاً           ولئنْ سَطَوتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي