قضايا وآراء

إيران وترامب وتصعيد جديد

1300x600

في زمن كورونا، وبلوغه حد الذروة في الولايات المتحدة، مارست إيران سلوكا قرأته واشنطن على أنه استفزازي، من خلال إقدامها على تصرفين، يحملان دلالات وأبعادا مهمة في هذه الظروف، الأول هو محاصرة 11 زورقا تابعة للحرس الثوري سفنا حربية أمريكية قبل نحو أسبوعين في المياه الخليجية، والثاني إطلاق أول قمر صناعي عسكري إلى الفضاء، الأربعاء الماضي. 

في ما يتعلق بالتوتر البحري الجديد، فرغم حرب الروايات بين الطرفين بشأن الحادث، بين نفي وإثبات، إلا أن قيام الزوارق الإيرانية بمحاصرة سفينتين حربيتين أمريكيتين، بحد ذاته، ليس أمرا هينا، بغض النظر عن الأسباب. 

نعم! مثل هذه الاحتكاكات البحرية بين القوات الإيرانية والأمريكية ليست أمرا جديدا، ويمتد عمرها إلى ثمانينيات القرن الماضي، إبان الحرب الإيرانية-العراقية، وحرب الناقلات. وحتى بعد التوقيع على الاتفاق النووي لم تتوقف هذه المواجهات، ليعتقل الحرس الثوري الإيراني كانون الثاني (يناير) 2016، أي في شهر حلّ فيه موعد تنفيذ الاتفاق، 10 بحارة أمريكيين، دخلوا المياه الإيرانية في جزيرة "فارسي". 

إلا أن الاحتكاك الجديد جديد في أبعاده وأشكاله، فمنذ عامين تقريبا لم يحدث مثله، الأمر الذي عزاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال حزيران (يونيو ) 2018 إلى نجاح استراتيجيته ضد إيران في إجبارها على وقف مضايقة القطع البحرية الأمريكية، وقال حينها متباهيا في تغريدة، إن التحرشات الإيرانية بالسفن الأمريكية في عهده "قد انتهت"، لكن إذا انطلقنا إلى تفسير الحادث الأخير من هذا التصريح فهذا التحرش يفند صحة هذا النجاح، ويؤكد فشل الاستراتيجية، واتخاذ طهران موقف الهجوم في مواجهة استراتيجية الضغوط القصوى الأمريكية. 

 

ليس بعيدا التصعيد الإيراني المضبوط في هذا التوقيت من السعي إلى إحراج الرئيس الأمريكي أمام الناخبين الأمريكيين بغية التأثير على فرص فوزه للولاية الثانية، لذلك من المتوقع أن نشهد المزيد منه خلال الشهور المقبلة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

 



تتزامن محاصرة السفن الأمريكية مع ضغوط أخرى يمارسها حلفاء إيران في ساحات اشتباك إقليمية أخرى ضد القوات الأمريكية، وخصوصا في العراق، ما يضع التوتر الجديد في المياه في سياق استراتيجية إيران للمضايقة على هذه القوات، بغية دفعها لمغادرة المنطقة، حيث أعلنت إيران بعد اغتيال قائد فيلق القدس السابق، الجنرال قاسم سليماني، مطع العام 2020، أن ردها النهائي على الاغتيال هو العمل على إخراج القوات الأمريكية من المنطقة. 

طبعا من المبالغة الاعتقاد بأن تحقيق هذا الهدف سهل أو ممكن في الظروف الراهنة لأسباب كثيرة، لا مجال لشرحها في هذا المقال، فما تفعله إيران حاليا، من جهة، يأتي في إطار استنزاف الطاقات والقدرات الأمريكية في المنطقة، ومن جهة ثانية لتسجيل نقاط على حساب واشنطن ودفع الأخيرة إلى الكف عن محاولات تحجيم الدور والنفوذ الإيرانيين في المنطقة. 

وللحادث أيضا دلالة إضافية أخرى ترتبط بتحركات عسكرية أمريكية مشكوك في أمرها في المياه الخلجية وداخل العراق خلال الفترة الأخيرة، وسط توقعات بأن الإدارة الأمركية تحضر للقيام بهجمات مكثفة ضد حلفاء إيران في العراق، أي قوات الحشد الشعبي. اعتبرها آخرون محاولات لإخافة طهران وحلفائها وثنهم عن ممارسة الضغوط على القوات الأمريكية في المنطقة، لذلك يمكن النظر إلى الواقعة الأخيرة في هذا السياق، واعتبارها رسالة إيرانية بأنها مستعدة للذهاب إلى ما هو أبعد في حال تعرض مصالحها للخطر. 

أما بالنسبة لإطلاق قمر "نور" الصناعي العسكري إلى الفضاء، وهو أول قمر عسكري إيراني، وُضع بنجاح في المدار على بعد 425 كيلو مترا عن الأرض، فلا شك أنه الأكثر أهمية من الحادث الأخير في المياه الخليجية، لكونه ضمّ إيران إلى قائمة الدول التي أرسلت الأقمار العسكرية إلى الفضاء من جهة، ويظهر مدى التقدم الذي أحرزته البلاد في تطوير برنامجها الصاروخي، الذي يواجه انتقادات غربية متزايدة ويشكل أحد أهم عناوين الصراع الدائر مع الغرب والولايات المتحدة خصوصا. 

أما أن تقدم طهران على هذه الخطوة في هذا التوقيت بعد عامين تقريبا من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وما تبعه من ضغوط أمريكية هائلة، فيبدو أنها تريد من خلالها التأكيد على أن هذه الضغوط والحرب الاقتصادية التي فرضها دونالد ترامب بغية إجبارها على التنازل في ملفات عدة، أتت بنتائج عكسية، وأن العقوبات لم تحدث خللا في سياسات إيران، أقله هذا ما حاولت الأخيرة قولها في الوقت الراهن من خلال إطلاق الصاروخ، فضلا عن أن أبعاد ودلالات الأمر على المدى البعيد الاستراتيجي تتجاوز ذلك بسبب طبيعة أنشطة القمر ودوره في الحربين الأمنية والألكترونية. 

ليس بعيدا التصعيد الإيراني المضبوط في هذا التوقيت من السعي إلى إحراج الرئيس الأمريكي أمام الناخبين الأمريكيين بغية التأثير على فرص فوزه للولاية الثانية، لذلك من المتوقع أن نشهد المزيد منه خلال الشهور المقبلة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. لكن ترامب الذي لا يمكن التكهن بسلوكه وسياساته، وهو يواجه اليوم بفعل كورونا أزمة مستعصية قد تعرقل وصوله إلى الولاية الثانية، ليس مستبعدا أن يلجأ إلى تصعيد الصراع مع طهران خلال الفترة المقبلة لتصدير أزمته الداخلية وتسجيل نقاط واضحة قبل حلول الانتخابات.