كتاب عربي 21

العودة حقي وقراري

1300x600

حملة "العودة حقي وقراري" التي أطلقها مركز العودة الفلسطيني في لندن تشكل الرد الشعبي الأهم والأوضح على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتصفية القضية الفلسطينية عبر تذويب حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم، وتسليم مدينة القدس إلى الاحتلال الصهيوني وجعلها عاصمة أبدية للإسرائيليين. 

 

الحملة الشعبية العالمية تلقى تجاوبا واسعا وملموسا في أوساط اللاجئين الفلسطينيين، وأهم ما فيها أنها بدأت من الأردن التي يريد ترامب أن يعتبره وطنا بديلا لهؤلاء اللاجئين، فيما تلقفت لجنة فلسطين في البرلمان الأردني هذه الحملة واحتضنتها وتبنتها، لا بل كان لافتا أن عددا من أعضاء البرلمان في الأردن سجلوا مقاطع فيديو يعلنون فيها انضمامهم للحملة وتبنيهم لها وتمسكهم بحق العودة إلى فلسطين، وهو ما كان رسالة محملة بالعديد من الدلالات البالغة الأهمية مفادها أن اللاجئ الفلسطيني وإن وصل إلى ما وصل في المنافي فإنه لا يمكن أن يتخلى عن حقه في العودة إلى بلده فلسطين.

 

الحملة التي لا تزال تجمع التواقيع من اللاجئين الفلسطينيين حول العالم، والتي يتوقع أن تستمر لأسابيع أو لشهور قادمة، وتنتقل من دولة إلى أخرى، تشكل أول رد شعبي فلسطيني عملي على "صفقة القرن"، وهي أيضا الرد الأقوى، إذ منذ إعلان ترامب ونتنياهو لمشروعهم فإن الرفض الفلسطيني ظل محصورا في التظاهرات والاعتصامات التقليدية، وكذلك التصريحات والبيانات الرسمية المعهودة، بينما تشكل هذه الحملة ما يشبه الاستفتاء الشعبي العالمي على فكرة التخلي عن حق العودة، وهو ما يعني أننا أمام تحرك بالغ الأهمية. 

 

الحملة الشعبية التي تحمل اسم "العودة حقي وقراري" هي المبادرة الأهم التي يطلقها مركز العودة الفلسطيني في لندن، وهي تستحوذ على أهميتها هذه انطلاقا من جملة محددات، أهمها: 

 

أولا: هي استفتاء شعبي فلسطيني عابر للحدود يتضمن ردا عمليا على "صفقة القرن" المشبوهة التي يريد ترامب ونتنياهو تمريرها لتصفية القضية الفلسطينية، وهذه الصفقة وإن كانت مرفوضة من كافة الأطراف الفلسطينية إلا أن المزاج الشعبي بخصوصها مهم، وموقف اللاجئين تجاهها بالغ الأهمية أيضا، والسبب أنها تقوم على إلغاء حق العودة.

 

ثانيا: بدأت الحملة من الأردن وهذا أهم ما فيها، إذ إن الأردن هو أكبر بلد مستضيف للاجئين الفلسطينيين، والبلد العربي الأكثر تعرضا للضغوط هذه الأيام، وهي ضغوط تمارس عليه من واشنطن وتل أبيب ودول عربية عديدة، وتهدف كلها لدفعه إلى الموافقة على الصفقة المشبوهة، ولو بالسكوت والتغاضي عنها. ومعنى أن تنطلق هذه الحملة من الأردن وتلقى هذا التجاوب والاحتضان فهذا تأكيد جديد على الموقف الرسمي الأردني من جهة، وتأكيد على موقف الشريحة الأكبر من اللاجئين وهم المقيمون على أراضي المملكة الأردنية.

 

ثالثا: للحملة رمزية كبيرة ودلالة مهمة، فهي التي تنطلق في العام 2020، أي بعد 72 عاماً على نكبة فلسطين، ما يعني أنها تخاطب اللاجئين من أبناء الجيل الثاني والجيل الثالث وليس الذين تم تهجيرهم، وهو ما يُمثل تأكيدا جديدا على أن الشعب الفلسطيني لا ينسى حقوقه ولا يُسقطها بالتقادم، بل يورث المطالبة بهذه الحقوق لأبنائه جيلا بعد آخر، فأغلب اللاجئين الموجودين في الأردن ولدوا هناك وما رأوا فلسطين في حياتهم، وأغلبهم أيضا لم يعد يسكن في المخيمات التي بنتها "الأونروا" ورغم ذلك كله فلم ينىس هؤلاء أنهم فلسطينيون، ولم يتوقفوا عن المطالبة بحقهم في العودة والتعويض.

 

نعلم ويعلم الجميع، ويعلم مركز العودة صاحب المبادرة، أن لإسرائيل لا تكترث إلى حملة شعبية ولا إلى استفتاء ولا انتخابات ولا تحترم القانون الدولي لأنها تتبنى سياسة القوة وفرض الأمر الواقع وتمارس أبشع احتلال عرفه البشر في التاريخ الحديث.. احتلال يقوم على اقتلاع شعب بأكمله لإحلال شعب آخر مصطنع مكانه، لكن هذا لا يمكن أن يكون مبررا للتوقف عن المطالبة بالحق الفلسطيني وفي مقدمته حق العودة المبني على قرار الأمم المتحدة رقم (194).  

 

حملة "العودة حقي وقراري" تمثل استفتاء مهما حيث أنها وإن لم تنجح في إعادة اللاجئين إلى بلادهم، فإنها رسالة مهمة مفادها أن الفلسطينيين في العالم بأكمله يرفضون "صفقة القرن" وأن أي رئيس قادم للسلطة سوف لن يكون مسموحا له أن يقبل بها، وأن الشعب الفلسطيني سوف ينتفض يوما ما للمطالبة بحقه الذي سيعود له وإن طال الزمان.