قضايا وآراء

سبعون عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

1300x600

قبل سبعين عاماً، وتحديداً في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر من عام 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يعد واحداً من أعظم ما أنتجته الإنسانيةً مجتمعةً عبر تاريخها الطويل؛ للتأصيل لقيم الحرية والكرامة والمساواة وتجريم الاضطهاد والاستعباد لكل الناس.

تنص مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، ولا يجوز التمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي، وأن لكل فرد حق الحياة والحرية والأمان، ولا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، أو إخضاعه للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الحاطَّة بالكرامة. كذلك لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً، ولكل فرد الحق في حرية التنقل وفي مغادرة بلده والعودة إليها، ولكل إنسان الحق في حرية التفكير والوجدان والدين والرأي والتعبير، ولكل شخص حق الاشتراك في التجمعات السلمية، وله الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرةً أو عبر ممثلين يختارهم في حرية، وأن السلطة يجب أن تكون ممثلةً لإرادة الشعب من خلال انتخابات نزيهة ودورية واقتراع سري، ولكل شخص حق تقلد الوظائف العامة في بلده دون تمييز، ومن حق كل فرد الضمان الاجتماعي في وطنه، وأن يحظى بمستوى المعيشة الكافي لتأمين الاحتياجات الضرورية له ولأسرته، من مأكل وملبس ومسكن ورعاية طبية، وتأمينه من الغوائل الخارجة عن إرادته، من مرض وبطالة وترمل وشيخوخة.

هذه المبادئ لا تزال نظريةً غالباً، إلا أن دخولها حيز الوعي البشري يمثل خطوةً إلى الأمام، إذ إنها حتى في حالتها النظرية، فإنها تعزل أفعال الاستعباد وسفك الدماء والظلم وتظهرها غير طبيعية

 

بين إعلانين

 

بإقرار هذه المبادئ، تبدو الإنسانية وكأنها تقترب من رسالات الأنبياء التي عمادها أن يقوم الناس بالقسط وألا يطغوا في الميزان، وألا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، وإن كانت هذه المبادئ لا تزال نظريةً غالباً، إلا أن دخولها حيز الوعي البشري يمثل خطوةً إلى الأمام، إذ إنها حتى في حالتها النظرية، فإنها تعزل أفعال الاستعباد وسفك الدماء والظلم وتظهرها غير طبيعية ، وهي الأفعال التي صبغت دهراً طويلاً من عمر البشرية على هذه الأرض.


إن هذه المبادئ هي كتاب البشرية الذي تدعى اليوم إلى اتباعه: ".. كل أمة تدعى إلى كتابها..".

لعل من موافقات القدر أن عام 1948، الذي شهد ولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو ذات العام الذي شهد ولادة دولة الاحتلال على أنقاض البلدات الفلسطينية المدمرة، وعلى أساس التطهير العرقي لشعب فلسطين. وإن كان الإعلان الأول يمثل ارتفاع صوت الفطرة الإنسانية وتجلي الخير الذي أودعه الله في جوهر هذا الكائن، فإن الثانية تمثل الامتداد الطبيعي لحقبة الهيمنة والاستعباد والإبادة الجماعية. وإشارة هذا الالتقاء هو أننا في عالم تتدافع فيه قوتان؛ القوة الأخلاقية التي تجاهد من أجل تكريس مبادئ العدل والمساواة والحرية والكرامة لكل البشر، والقوة الاستعلائية التي لا تؤمن بالمساواة، وتجعل أهل الأرض شيعاً منهم السادة ومنهم العبيد. وفي سبيل نيل الامتيازات الخاصة للسادة، توقد (القوة الاستعلائية) نيران الحرب، وتسفك الدماء، وتفسد في الأرض وتستعبد الشعوب وتنهب خيراتها، وتشرع لنفسها شرائع خاصةً تؤمن بمنطق القوة لا بمنطق الأخلاق.

الإعلان الأول يمثل ارتفاع صوت الفطرة الإنسانية وتجلي الخير الذي أودعه الله في جوهر هذا الكائن، فإن الثانية تمثل الامتداد الطبيعي لحقبة الهيمنة والاستعباد والإبادة الجماعية

جوانب مشرقة. ولكن

 

بعد سبعين عاماً، لا تزال القوة الاستعلائية تجاهد في سبيل المحافظة على إرث قرون الهيمنة والاستعباد. فإسرائيل لا تزال قائمةً على أنقاض حقوق شعب آخر، ولا تزال تمارس التطهير العرقي، وترفض تطبيق القرارات الدولية بعودة اللاجئين وتعويضهم وإنهاء احتلالها. وهي تفعل ذلك بغطاء دولي يمدها بأسباب القوة والنصرة، ما يعني أنها لا تمثل حالةً معزولةً، بل تعبر عن منظومة دولية منحازة. وليست إسرائيل وحدها التي تمثل القوة الاستعلائية، فهناك كثير من بقاع العالم التي تنشط فيها علاقات الظلم والهيمنة والاستعباد، سواءً بالتدخل الخارجي كما فعلت أمريكا في العراق وروسيا في سوريا وفرنسا في أفريقيا، أو بالاستبداد الداخلي الذي تعبر عنه أنظمة شمولية تحكم شعوبها بالخوف والقهر ودون احترام لكرامة الإنسان وحقوقه. وذروة سنام هذه العلاقات المختلة يتجلى في مجلس الأمن الذي يشرعن القوة بدل الحقوق، وتفرض فيه الدول الكبرى كلمتها تبعاً لمصالحها الخاصة، وليس تبعاً لمبادئ العدل وحقوق الإنسان.

الجانب المشرق، وإن كان يمنحنا الأمل في غد أفضل، إلا أنه لم يقو حضوره بالقدر الكافي ليكون قادراً على هزيمة منظومة الاستعلاء

في الجانب المشرق، هناك تجارب عديدة لشعوب نجحت في إقامة مجتمعات العدالة والرفاه الاجتماعي، وعززت سلطة القانون وأطلقت الحريات، وقوَّت القدرة التمثيلية للشعب في اختياره حكومته، وهناك مجتمع مدني حقيقي يرصد انتهاكات حقوق الإنسان ويعلي صوت الإنسانية في مواجهة منطق القوة والهيمنة. وهناك حركات احتجاجية تنحاز إلى العدالة حول العالم باتت تكتسب مساحات أكبر لإسماع صوتها، لكن هذا الجانب المشرق، وإن كان يمنحنا الأمل في غد أفضل، إلا أنه لم يقو حضوره بالقدر الكافي ليكون قادراً على هزيمة منظومة الاستعلاء؛ وفرض واقع عالمي جديد تكون فيه الكلمة العليا للعدل والحقوق.

 

ليست ملكا لأحد

 

في حالتنا العربية، هناك من يهاجم الأمم المتحدة ولا يفرق بينها وبين الولايات المتحدة، وهو موقف نابع من غلبة نظرية المؤامرة على التفكير، وليس نابعاً من تقييم موضوعي للأشياء. فالمبادئ العظيمة التي أقرتها الأمم المتحدة عبر مؤسساتها لم تكن لعبةً ولا مسرحيةً، بل كانت تجلياً حقيقياً للخير والعدل المكنون في الفطرة الإنسانية، وبحثاً جاداً من المجموع الإنساني عما هو أهدى وأقوم. والمشكلة ليست في هذه المبادئ العالمية، بل في غياب القوة القادرة على تنفيذها، لذلك فإن الخطاب الحكيم هو الذي يركز على المطالبة بتطبيق المبادئ الحقوقية الدولية وإيجاد آليات عملية ملزمة لتنفيذها، وليس الذي يهاجم هذه المبادئ.

ما أصَّلته المبادئ العالمية من قيم وحقوق يكفي، لو وجد طريقه إلى التنفيذ، لإنهاء الظلم الواقع على مليارات البشر اليوم وصيانة كرامتهم وتحسين شروط حياتهم. لذلك، فإن معركتنا ينبغي أن تكون من داخل المنظومة الدولية وليس من خارجها


إن ما أصَّلته المبادئ العالمية من قيم وحقوق يكفي، لو وجد طريقه إلى التنفيذ، لإنهاء الظلم الواقع على مليارات البشر اليوم وصيانة كرامتهم وتحسين شروط حياتهم. لذلك، فإن معركتنا ينبغي أن تكون من داخل المنظومة الدولية وليس من خارجها. إن هذه المبادئ ليست ملك أمريكا أو روسيا وحسب، بل هي تراثنا جميعاً، ويجب أن نحافظ عليه ونقوّيه. ويجب أن نصوغ خطابنا باتجاه البحث عن آليات التنفيذ التي تخرج هذه المبادئ من جمالها النظري إلى فاعليتها العملية، والتي تعبر عن إرادة المجموع الدولي وليس إرادة الدول المهيمنة.

إن أشد الأطراف معاداةً للمبادئ الدولية هي الدول المتنفذة، مثل أمريكا ودولة الاحتلال وروسيا، وهذه المعاداة منطقيةً لأن أجندة هذه الدول عدوانية، وهي أجندة خاصة بها ولا تعبر عن الاتجاه الإنساني العام، لكنَّ الذي ليس منطقياً هو أن تأتي معاداة هذه المبادئ من أطراف ضعيفة مضطهدة، والتي لم تكن ستحظى ببؤس واقعها لو كانت تلك المبادئ موضع احترام وهيبة.