قضايا وآراء

وإذا كتبتم فاعدلوا!

1300x600

يتفق العقلاء بكافة توجهاتهم وأفكارهم، أنّ دول ثورات الربيع العربي تعرّضت إلى مؤامرة كبيرة، اشتركت فيها العديد من الدول والمنظمات والهيئات، المحلية منها والدولية، وهو ما اصطلح عليه بـ "الثورة المضادة".


وقد اتخذت هذه المؤامرة أشكالا وأنماطا، بعضها عبر انقلاب عسكري ثم يعقبها مسرحية انتخابية هزلية، تُضفي على هذا الانقلاب الشرعية، كما وقع لـ "سيسي مصر"، وبعضها عبر صياغة دستور يتمكن من إجهاض الثورة في مهدها، كما وقع في تونس، أما سوريا واليمن فأخذت المؤامرة شكل العنف والدم والدمار، وأما ليبيا فقد اجتمعت فيها خيوط المؤامرة كلها، وتداخل فيها كل الخبث المذكور سابقا.


ولن يجد المتابع العاقل عناء في إدراك ما تقدم، وإن كان لي من تذكير قبل الولوج في أصل الموضوع، فأذكر "النّخب" لاسيما تلك التي تخاطب الخارج، وتكتب في الصحف العربية أنّ "الإمارات" كانت ولازالت رأس حربة في هذه المؤامرة، وبناء على ما تقدم، يُعد مشكورا محمودا كل من تصدى لمشاريع "الإمارات" الانقلابية في دول ثورات الربيع العربي، وأرجو أن لا نختلف في هذه المُسلّمة.


وإنّ من المُسلّمات أيضا، والتي لستُ بحاجة لإثباتها لـ "النخب" لاسيما تلك التي تخاطب الخارج وتكتب في الصحف العربية، فضلا عن العامة، أن "حزب تحالف القوى الوطنية" هو مشروع إماراتي انقلابي بامتياز من يومه الأول، وهو مشروع متكامل الأركان والأجنحة، عسكريا وماليا وإعلاميا، والغرض من هذا المشروع هو الالتفاف على الثورة وإجهاضها، وهذا كما أسلفتُ كان ظاهرا جليّا.


والآن إلى أصل الموضوع فأقول:


في مقال له بعنوان "وقفة للمراجعة في ذكرى ثورة 17 فبراير" يقول الكاتب السنوسي بسيكري:


"وأنا ممن لا يتردد في تحميل المسؤولية في تفجير الصراع علنيا، وإقحام الرأي العام فيه لرموز التيار الإسلامي وفي مقدمتهم مفتي البلاد الذي أرى أنه تعجل في المزاوجة بين وظيفته وتوجهاته، فالمرحلة الأولى من تأسيس الدولة تحتاج إلى خطابا ومواقفا تصالحية وليس الآراء التي أصبحت فتيلا للصراع القائم والمستمر، وهو ما دفع التيار الثاني لإخراج ما عنده من كره وتربص بالخصم الإسلامي فكانت بداية الانحدار الذي لم يتوقف حتى اليوم". انتهى.


مما هو معلوم للعامة قبل الخاصة أنّ علماء الشريعة قد أوجب الله عليهم النّصح لعامة المسلمين وخاصتهم، وعالم الشريعة إذا رأى غشّا أو ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إجراما سيقع على الناس، وجب عليه وجوبا لا محيد له عنه أن يبلغ الناس ويحذرهم وينذرهم، وإن لم يفعل فقد غش عامة المسلمين وخاصتهم ولم ينصح لهم، وقد بينا أنّ "حزب تحالف القوى الوطنية" هو صنيعة انقلابية، يُراد من خلالها السيطرة على مقاليد الأمور في البلد، ومن رام الدليل، فيراجع صنائع "كتلة التحالف" في "المؤتمر الوطني العام" وكيف أنهم صنعوا الأزمات، واختلقوا العراقيل، فعطلوا المؤتمر، وأربكوا المشهد، وتسلطت ميليشياتهم العسكرية والإعلامية على كل وطني شريف.


فما قام به المفتي- وغيره - من التحذير مبكرا من "تحالف القوى الوطنية" هو ما يوجبه الشرع وتُحتّمه الوطنية والنصح لعامة المسلمين وخاصتهم، ولولا أن قيّض الله المفتي ـ وغيره ـ للتحذير من صنائع الإمارات في ليبيا عبر ذراعها التحالف، لكانت ليبيا اليوم ترزخ في الأغلال والقيود كحال جارتها مصر، وهذا الصنيع من المفتي هو من صميم وظيفته، وإن لم يفعل ـ وحاشاه ـ فقد غش وظيفته.


وهذا الدافع الذي دفع المفتي إلى التحذير من "حزب تحالف القوى الوطنية" هو ذات الدافع الذي جعل المفتي يضع روحه على كفّه ويفتي بالخروج على القذافي وهو في عنفوان قوته وفي عقر داره، فحينما رأى المفتى البغي والظلم الذي أوقعه القذافي على أهل بنغازي لم يتردد في الوقوف في وجهه، وحينما رأى رئيسَ تحالف القوى الوطنية يمارس الغش والالتفاف على البسطاء من المواطنيين قام في وجهه وحذّر منه، فلقي الموقفُ الأول قبولا واستحسانا من عموم الناس وخاصتهم، وصفقت النّخب بكافة توجهاتها لهذا الموقف العظيم، وحينما خالف المفتي هوى ”البعض“، رأت أن الموقف الثاني قد فجّر الصراع! عالم الشريعة موقفه واحد ومنطلقاته واحدة لا تتأثر بالمؤثرات الخارجية، ولا يميل حيث مال "المجتمع الدولي!" كحال بعض الأحزاب التي تنسب نفسها للمرجعية الإسلامية.


- يقول الكاتب بسيكري:
"فالمرحلة الأولى من تأسيس الدولة تحتاج إلى خطابا ومواقفا تصالحية".


هذا كلام عاطفي براق يسر الناظرين للوهلة الأولى، لكن حين التأمل فيه ستجده لا يمت للواقع بصلة، فالإجماع منعقد بين الليبيين أنّ "حزب تحالف القوى الوطنية" من اليوم الأول، بل وقبل إعلان التحرير المزعوم، قد أعد العدة وتجهز عسكريا وإعلاميا وسياسيا للانقلاب على فبراير، ففي الوقت الذي كان فيه الثوار يجوبون ليبيا لتأمينها وحماية حدودها، كان رئيس التحالف يجوب ليبيا لخداع البسطاء بمشروع "التنمية المستدامة" ولكسب أصواتهم، وكانت في الوقت ذاته تؤسَّس كتائب بمدرعات إماراتية لتُحكم السيطرة على العاصمة، وكانت الكتائب الإعلامية والجيوش الالكترونية قد أعدت العدة لجعل رئيس التحالف الرمز الوحيد والاستراتيجي الذي لا مثيل له، فأين المواقف التصالحية في صنيع هؤلاء الانقلابيين؟

هذا المشهد الانقلابي قد انكشف للمفتي - وغيره - مبكرا، فقام بالتحذير منه نصحا لعامة المسلمين وخاصتهم، فالمجرم هو الذي يُعد العدة لتمكين المشروع الإماراتي الانقلابي، لا الذي قام ناصحا محتسبا محذرا، أليس كذلك؟!


فبأي عقل وبأي منطق وبأي شرع بعد ذلك يقال: كان على المفتي أن يكون خطابه توافقيا؟! هذا لا يقوله عامة الناس فضلا عن ”النّخب"، لاسيما تلك التي تخاطب الخارج، وتكتب في الصحف العربية!


 - يقول الكاتب بسيكري:
"بالقطع لعب خصوم الثورة دورا بارزا في إفشال الغاية التي جاءت من أجلها.." أي فبراير.


غالب خصوم فبراير الذين لعبوا دورا بارزا في إفشال فبراير وجدوا في حزب التحالف الملاذ والدعم والدعاية، فانخرطوا في هذا الحزب ولم يجدوا إلا الأبواب المشرعة، فبينما قامت بعض الأحزاب ـ ذات المرجعيات الإسلامية! ـ بمقاسمة الوزارات مع خصوم فبراير، قام المفتي ـ وغيره ـ بالتحذير والتنبيه من خصوم فبراير، فأي الفريقين أحق باللوم؟ فإذا كان قلم بسيكري يعرف الإنصاف ويهتدي إليه سبيلا لوَجَّه لومه وعتبه إلى الفريق الأول، لكن الحزبية ترفع أقواما وتضع آخرين قبحها الله.


وعلى ذكر الحزبية، والشيء بالشيء يُذكر، تعجبت من كاتب ينسب نفسه لـ "النخب" ويكتب في صحيفة عربية من المفترض أن يقرأها غير المتخصصين في الشأن الليبي، كيف يغفل في حديثه عن فبراير وذكراها السابعة، محطاتٍ كان لها بالغ الأثر على الوطن عموما وعلى فبراير خصوصا.


- من تلكم المحطات "لجنة فبراير" ومخرجاتها، التي كانت كارثة بما تعنيه الكلمة على ليبيا عموما وعلى فبراير خصوصا، وحسبك أن يكون "مجلس نواب طبرق" أحد مخرجات تلك اللجنة! ولو كلف الكاتب بسيكري نفسه بعض الوقت وراجع بعض قرارات "مجلس طبرق" لأدرك حجم الكارثة التي لم يتطرق لها في مقاله، فلا ندري حقيقة ما الذي جعل بسيكري لا يتطرق إلى هذا المنعطف الخطير؟


وللتذكير "لجنة فبراير" باركها "حزب العدالة والبناء!“، فهل يا ترى هذا هو السر الذي جعل بسيكري لا يأتي على ذكر "لجنة فبراير“؟!


- المحطة الأخرى التي أهملها بسيكري في مقاله "حكم المحكمة الدستورية" القاضي ببطلان "مجلس نواب طبرق“، وهذا حدث فيصلي في تاريخ ليبيا عموما وتاريخ فبراير خصوصا، إلا أن بسيكري لم يتطرق له في مقاله، جدير بالذكر أن أطرافا سياسية و "نخب" قامت بالالتفاف على حكم المحكمة استجابة لـ "ليون" مبعوث الأمم المتحدة السابق، من تلكم الجهات التي شاركت في الالتفاف على حكم المحكمة "حزب العدالة والبناء".


هذه محطات فيصلية في تاريخ ليبيا عموما وتاريخ فبراير خصوصا، وكان لها بالغ الأثر على الوطن والمواطن، وما نعيشه اليوم من محن وابتلاء وضيق هو إفراز طبيعي لتلك المحطات الخطيرة.


فكيف يسوغ بحال من الأحوال أن ينبري كاتب للكتابة على فبراير في ذكراها السابعة ثم لا يتطرق إلى مثل هذه المحطات الخطيرة؟! لاسيما وهذا الكاتب يكتب في صحيفة عربية روّادها في الغالب غير مطلعين على تفاصيل الشأن الليبي.


أخيرا، تختلف وجهات النظر في تحليل المواقف والأحداث، وقد يجتهد الكاتب في تقدير موقف فيزل قلمه ذات اليمين وذات الشمال، لكن من غير المقبول إطلاقا أن تُقلب الحقائق وتُغير المفاهيم في حقبة تاريخية نحن عليها شهود ودماءها لم تجف بعد.