كتاب عربي 21

على مشارف مئوية وعد بلفور.. ماذا بعد؟

1300x600
كانت بعضُ الثعالب تعيش بأمانٍ في غابة الذئاب، استذأب عليها ذئبٌ نادى بتنقية الأعراق، فلا أسوَد بيننا ولا مختلف ولا عليل ولا مُعاق، فبايعته الذئاب على الحرب الحيوانية الشاملة.. انفجرت المأساةُ في وجه الثعالب، التي توزعت بين حريق وخنيق وغريق، وشريد وطريد وفقيد.. ثم هاجم وحشُ الذئاب غابات الجوار، قضى على هذه وقوّض تلك، ولم تعد الدنيا تَسع طموحه ونُباحه، فقرر تطويع كل الغابات التي تأهبت لمعركة الوجود، فخاضت حرباً كسرت فيها أنيابه وقلّمت مخالبه وأخرجته من التاريخ...

دخلت الغابات المنتصرة في محاصصة غنائم النفوذ، وفي حسابات تقييم أضرار الحروب. فوجدت أن الثعالب دفعت ثمناً باهظاً لوحشية كبير الذئاب، وقررت التعويض عليها لكن متى وأين وكَيف؟..

ذات ليلة اجتمعت الأفاعي، ورأت أن ترد جميل الثعالب عليها، وهي التي أقنعت الخنازير بدخول الحرب على الذئاب، فأطلق أُفعوانٌ يُقال له مُثَرثِر وعداً غريباً يقضي بمنح الثعالب أرضاً للغزلان غنِمتها الأفاعي في الحرب الحيوانية الشاملة. وبدل أن يتم ردُ الإعتبار للثعالب في الغابات التي هُجروا منها كانت المكافأة بتهجير شامل، يرتاحون فيه من رائحة الثعالب، ويُذيقون الغزلان شيئاً من مكرها، ليبدأ فصل جديد من الحكاية إسمه الإحتلال..

بعد سنوات قليلة تم تجميع الثعالب من غابات شتى ونُقلت إلى أرض الغزلان، التي اجتمعت وأجمعت.. أرضُنا نملكها نحن وليس الأفاعي، وأرضنا نستحقها نحن وليس الثعالب، وما وعد الأُفعُوان مُثَرثِر إلا وعد من لا يملِك لمن لا يستحِق.

استذكرت الثعالب كل ما فعلته بها الذئاب، فمارسته بالكامل وزادت عليه. هجّرت الغزلان وشرّدتهم، قتلت صغارهم وكبارهم، أحرقت مضاجعهم وأسوارهم، وحولتهم كما فعل بها كبير الذئاب إلى حريق وخنيق وغريق، وشريد وطريد وفقيد. فمن للغزلان اليوم؟ بعيدٌ يتجهَّمهم، أم عدوٌ مُلّك أمرهم؟ فقرروا المواجهة ليبدأ فصل جديد من الحكاية إسمه المقاومة.

رفع الغزلان الشجعان من مهاراتهم في الصيد، وشكلوا قطعاناً لمهاجمة الثعالب في الداخل والخارج، لطردها من الحظيرة.. ونفذت عمليات صيد نوعية أدهشت كل الحيوانات، لكنهم يقاتلون أعداء تدعمُهم جميعُ وحوش الغابات.. ساعدت الغزلانَ غزلانُ الحظائر المجاورة، فيما اختلف كبارهم على حجم الدعمِ وشكله، وكانوا يتبادلون التهم بالخيانة والتبعية للأفاعي والخنازير، ليبدأَ فصل جديد من الحكاية اسمه التخلّي..

خاضت قبائل الغزلان عدة حروب على الثعالب فخسرتها أو لم تربحها، وتوسّع الاحتلال ليشمل بعضَ أطراف غابات هذه القبائل، التي أُقنعَ بعضُ قادتها بالتخلي عن أقرانهم الذين تحتلُهم الثعالب، فصداقة الوحوش أفضل من مقاومتها. عقدوا معها اتفاقات ما سُتر منها أكثر مما أُعلِن، وما خفيَ في بنودِها أوسَع مما أُشيع، ووصلت سكينهم إلى رقاب إخوانهم الغزلان فزادوا تهجيرهم تهجيراً بحجة حماية الصَنف الغزلاني المحتل من قادته الذين اتهموهم بالإفراط والتفريط، وأَنهكوا جماعة المقاومة التي شعرت بالاستفراد فقررت هي الأخرى مفاوضةَ الثعالب على جزء من أرضها ليعُمَ السلام في تسوية لم تلتزم بها الثعالب، التي استَدرجت كبير الغزلان إلى مسرح صيدها ودست السُم في طعامه ومات.. ليبدأ فصل جديد من الحكاية، إسمه مقاومة جديدة.. 

فصيل أصيل من الغزلان قرر مواجهة الموت من أجل الحياة.. أتقن فنون الصيد والمناورة، فأذاق الثعالب شيئاً من مُرِّ أفعالها، واستطاع أن يفرض توازن رعب وإن بمستويات غير متكافئة، فخطف ثعلباً ثم قايضه بأكثر من ألف غزال مختطَف، واصطاد الثعالب ليقول لهم، لا راحة لكم في أرض ليست أرضكم ومع قوم ليسوا مثلكم، فالسارق غير المسروق.. قتالكم من وراء شجر، وقتالنا مواجهة ولَو بحجر.. كَمنت الثعالب لقادة هذا الفصيل واصطادت نفراً منهم، ومنهم من ينتظر. لعبت الثعالب على تضخيم خلافات بين فصائل الغزلان، لكن روح تآخيهم كانت دائماً الأقوى. وفي الأثناء كانت غزلان الغابات الأخرى تثور على ظلم قادتها، فقلّد القادة الثعالب التي قلدت الذئاب، ووزعت أقوامها بين حريق وخنيق وغريق، وشريد وطريد وفقيد.. ليبدأ فصل جديد من الحكاية اسمه، التصفية..

خاف ملوك غابات الغزلان على عروشهم فاستذأبوا على أقوامهم و"تخَورَفوا" على الأعداء الذين اشترطوا لدعمهم تصفية مقاومة الغزلان، كعربون حسن نية، فحاصروها في كلئها ومائها وهوائها ومنعوا عنها الضوء، واتهموها بمقتل عنزةٍ في الصين وانتحار بقرة في الهند، وهددوا بسحقها وإحراق حظيرتها، فصبرت والحجر على بطنها، لكن صغار الغزلان ما عادت تقوى على الجوع، فكان القرار بالإنحناءِ للعاصِفة دون التخلي عن حق الصيد وأدواته، ليبدأ فصل جديد من الحكاية اسمه.. ماذا بعد؟