قضايا وآراء

مراجعات الداعية الكبير محمد سرور

أمجد خشافة
1300x600
1300x600
بوفاة الداعية الكبير محمد سرور طويت حقبة امتلأت بالإثارة والجدل الخاصة به، لكن أفكار الرجل وما خلفه من تيار عريض وسط الجماعات الاسلامية؛ ستظل في واجهة الحراك الاسلامي والسياسي..

قبل أن يغادر محمد سرور من سوريا في ستينيات القرن الماضي؛ كانت جماعة الاخوان المسلمين منقسمة بين تيارين: تيار حلب، والذي تمسك بطريقة الشيخ حسن البنا، وتيار في دمشق متمسك بأفكار سيد القطب..

اختلف محمد سرور مع تيار حلب وتوافق مع عصام العطار في دمشق قائد الجماعة التي تشربت من فكر سيد قطب وثوريته بشأن "الحاكمية"، لكن المحنة التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في مصر انعكست على سوريا، فهاجر إلى السعودية..

حمل وهو شاب ثلاثيني على كتفه ثورة فكرية، فهاجر وهو ويبحث عن حاضنة تشاطره الغبن الذي أصاب الجماعة والعودة من جديد لرفع ثورة "الحاكمية" التي تسببت بإعدام المفكر الاسلامي سيد قطب.

تمكّن سرور من التنقل عبر العمل الخيري والدعوة بين المناطق في القصيم، وكل يوم يمر يلتف حوله شباب ممتلئين بالعقيدة والتمسك بالمنهج السني.

ورغم أنه حمل فكر جماعة الإخوان التي نشأ فيها وعاش على ثورة "الحاكمية"، إلا أن تأثره بالمنهج السلفي عند اختلاطه بكبار علماء بلاد الحرمين؛ شكل لديه منهجية جديدة. وهذه النقطة كانت محط جدل، فمن أثّر على الآخر؟ هل سرور أثّر على تيار الصحوة الإسلامية في بلاد الحرمين أم التيار أثر على سرور؟..

محمد سرور عمل على تثوير النصوص السلفية كخلفية لثورة "الحاكمية" التي أعدم بسببها سيد قطب، فيما علماء بلاد الحرمين كسفر الحوالي، وغيره، أثّروا على سرور بالمنهج السلفي وتأصيلات ابن تيمية، فخرجت فكرة خلّاقة بين ثورة الحاكمية لسيد قطب وتأصيلات ابن تيمية الحديدية، لتكون تيارا مزيجا بين حركية الإخوان ومنهجية السلفية..

السياسة والالتزام بالنص؛ تيار لا هو مقيد بحركة الإخوان ولا هو محكوم بالسلفية العلمية التقليدية، فبرز تيار دعوي في مطلع التسعينيات على رأسه الشيخ سفر الحوالي ومحمد بن سرور وسلمان العودة وناصر العمر..

سطع نجم هذا التيار الصحوي مع حالة الاضطراب العسكرية في المنطقة، وخطف الأنظار بقوة المنهجية وعنفوان حركيته السياسية. وحين توافق التيار العملي العريض في السعودية مع مسار حرب الخليج الثانية؛ كان التيار الصحوي بزعامة سرور معارضا لها..

انطلق الخلاف من تحريم الاستعانة بأمريكا في استرجاع الكويت كنص شرعي يحرّم إدخال المشركين من جزيرة العرب. كان لعلماء السعودية مجال للاجتهاد وضرورة صد الصائل العراقي على الكويت، لكن بقي تيار سرور متصلباً في تحريم الاستعانة بالمشركين وإدخالهم لجزيرة العرب، حتى خرج الشيخ سفر الحوالي بكتاب "وعد كيسنجر والأطماع الأمريكية في جزيرة العرب"..

قرر محمد سرور مغادرة المملكة وتوجه إلى لندن، فيما دخل بقية رموز هذا التيار في إشكال أمني أدى إلى سجن سفر الحوالي وسلمان العودة..

ولما استقر في لندن، أسس المنتدى الإسلامي، وهو مركز خرجت منه مجلة السنّة ومجلة البيان الإسلامية. كانت ظرف حرب الخليج أول منعطف لهذا التيار الصحوي؛ أدت إلى تصدره إلى الواجهة، ودفعت مجلة "السنة" برؤية سياسية ممتزجة بالنص الشرعي خطفت أنظار شباب المنطقة..

التدفق السياسي والشرعي لمجلة السنة طيلة التسعينيات ساهمت بقوة في بلورة أفكار وتوجهات تيار محمد سرور.. مناهضة التدخل في المنطقة والتحذير من الثورة الخمينية، وهذه الأخيرة كان هو أول من كتب عنها عقب ثورة الخميني في إيران في كتابه "وجاء دور المجوس"..

بعد أحداث 11 سبتمبر، كانت الهجمة شرسة على الإسلام لذاته وليس ردة فعل ضد الذين هاجموا برجي التجارة والمبنى السداسي في واشنطن، وهو ما انعكس على جميع جماعات العمل الإسلامي السياسي والدعوي..

توقفت مجلة "السنّة" وطُويت حقبة صراع مع ما خلفته حرب الخليج الثانية، ونشر فيها المئات من الدراسات والمقالات والتنظير.. قال عنها محمد سرور حين سئل عن توقف مجلة السنة التي كان يتلهف الدعاة والشباب لشرائها: لقد كانت لها مهمة في ظرف معين وانتهت.. فيما تواصلت مجلة البيان..

كان لمحمد سرور مساران، الأول التحذير من خطر الثورة الخمينية، وهذا خلاف توجه الإخوان حين كان هناك تماه مع الثورة الخمينية "بحسن نية"، ومسار مناهضة التدخل الغربي في الجزيرة العربية. ولما تغيرت الظروف بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وصعود العمائم السوداء على الدبابة الأمريكية، تفهّم محمد سرور حجم انكسار البوابة الشرقية لجزيرة العرب..

بدأت إيران بتغيير ديموغرافي في بغداد، وتصفية العراقيين بالهوية، بينما كانت أمريكا تفرك يدها بلؤم وتبتسم تجسيداً لمقولة بوش الابن "إنها حرب صليبية". وهي لم تكن موجهة إلاّ على أهل السنة وتأسيد إيران على المنطقة..

انتقل محمد سرور من لندن إلى الأردن ثم استقر في قطر، وكأنه ينظر لأحداث المنطقة ويقول لقد جاء، فعلاً، "دور المجوس"، وهو ما يتطلب تحويل الأنظار من نقد حكام المنطقة إلى استنهاضهم للتماسك أمام هذا التغول الشيعي الفارسي..

النظرة الرويّة للظاهرة السياسية والموازنة الشرعية في ذهنية محمد سرور؛ دفعته للاستدارة نحو الخطر الإيراني على المنطقة، وطي خلاف التسعينيات، وهو ما انعكس بشكل عملي على تياره الصحوي المنتشر في دول الخليج واليمن..

جاءت ثورات الربيع العربي، لكن محمد سرور كان في مرحلة متأخرة من عمره. مع ذلك تفاعل معها ودعا السلفية الحركية للتشكل سياسياً، وإنشاء أحزاب سياسية في الدول التي وصلها الربيع العربي..

ما قبل الثورات كان وضع تيار محمد سرور قد تعرض لضربات أمنية في بعض دول المنطقة، وفي اليمن في أحسن حال، والاقتصار على العمل الخيري والفكري، لكن ما بعد الثورات رأى محمد سرور أن المرحلة تتطلب العمل السياسي بلسان العصر، وهي الأحزاب..

خرج محمد سرور ببيان قرأه على قناة الجزيرة يدعو السلفية الحركية إلى تشكيل أحزاب سياسية. فجّرت هذه الدعوة جدلا واسعاً في أوساط السلفية الحركية، إذ أن هذا التيار لم يرتكز إلاّ على "ثورية الحاكمية" التي تتعارض مع فلسفة الديموقراطية الغربية.

وبرغم التباين الذي حصل داخل هذا التيار بشأن التشكل سياسياً، إلاّ أن الغالبية دخلت العمل السياسي في مصر واليمن، فتحول إلى أحزاب سياسية في هذه الدول كنموذج للشكل الأخير لتوجهات محمد سرور قبل وفاته.

بعد رحيل محمد سرور وتوقفه عند شكل ما بعد الثورات العربية والحراك السلمي في تغيير أنظمة الحكم، إلاّ أنه ترك كمية ضخمة من تنظيرات وأفكار حقبة التسعينيات لا زالت عالقة في أذهان الكثيرين، الأمر الذي سيعني استمرار الجدل في منهجية تيار السلفي الصحوي. لكن الفترة التي قضاها بعد الثورات العربية في وقت كان يصارع بها المرض؛ قِيل إنه كان يقف على مراجعات بعض ما كتب ونظّر لها طيلة السنوات السابقة.

حينما كنت في الدوحة مطلع 2014، حاولت أن أجري مع محمد سرور لقاء صحفيا لكي أثير هذه التساؤلات؛ لأنه لم يفصح عنها بشكل علني حتى وفاته، لكن حدث سوء في التنسيق حتى غادرت الدوحة قبل أن ألتقي به. وقال لي أحد اللصيقين به إنه عاد من تركيا ويعكف حالياً على كتابة مراجعات وتعديل بعض ما كتبه.

توفي الداعية الكبير محمد سرور، لكن هل ستتكشف ما كتبه من مراجعات أم ستدفن ويبقى تيار السلفية الحركية في حالة جدل فكري ومنهجي يشرح الانتقال من الحاكمية الثورية ومنهجية ابن تيمية إلى الديموقراطية مَدرج العصر الحديث للوصول للسلطة"؟
التعليقات (0)