كتاب عربي 21

الكتابة عن حجاب خديجة بن قنة وجناب الذبابة

أحمد عمر
1300x600
1300x600
احتفلت الجزيرة ببلوغها سن العشرين، وربما آن لها أن تتزوج وتكمل نصف دينها، وللجزيرة محبون، ولها أعداء أنيابهم عصل، كما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته في وصف القحط والسنين وهي أسنان وأنياب.

استضافت الجزيرة هذه المرة أصحاب الدار، كما فعلت قبل أشهر وعملت أربع مقابلات مع أربعة مذيعين؛ هم جمال ريان، وخديجة بن قنة، ومحمد كريشان، وإيمان عياد.. ورأيناهم ضيوفا في بيتهم، وكانت خديجة بن قنة ضيفا مع محمود مراد، وتحدثتْ عن موقف طريف وقع لها سنسميها على عادة الإعلام: "موقعة الذبابة"، ذكرتني بقصة الجاحظ التي رواها في كتاب الحيوان عن قاضي البصرة عبد الله بن سوار، الوقور، المتزمت، وصراعه الصامت مع الذبابة التي هجمت عليه أمام طلابه، ودحرته، وكنّا درسناها في المرحلة الإعدادية مثالا على فنِّ القصة الذي تعزى نشأته إلى الغرب الذي ذهب بالمكارم والعلا.

وختم الجاحظ القصة، بالموعظة التي تخلصت منها القصة المعاصرة، بقوله تعالى "وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ " ثم تحول الحوار إلى محمود مراد فقيل له: أنك محظوظ، فتوقعت أن يقول: لأني نجوت من الذبابة التي أغارت على خديجة بن قنة، أمام ملايين المشاهدين وكادت أن تصرعها. 

ثم ذكرت خديجة قصة حجابها، وهي قصة ملحمية، فهي أول محجبة حسب علمي تظهر على الشاشة العربية، وقد انتصرت فيها على الذبابة، شيء يشبه أثر الفراشة، وكانت المعركة قبل عقود قريبة ولا تزال مستمرة مع ما تسميه الصحافة "التقاليد البالية"، ولا تزال منابر كبرى تحتفي بهدى شعراوي كرائدة تحرر نسائي وباسمها شوارع ومدارس ومؤسسات ولا شيء باسم الفراشة! 

ولا تزال كل المنابر العربية تقريبا، ومن ورائها الغربية تقيس التحرر بالزي وبالجسد عند الإناث ولها معايير أخرى لقياس حرية الذَكَر ليس هنا مجال ذكرها؛ عند منح الجوائز والألقاب، وقد نجت منها توكل كرمان لحسابات كثيرة، ربما يكون أحدها شذوذ القاعدة وهو ضروري لتأكيد القاعدة. 

لباب القول إن قرار بن قنة الذي أقدمت عليه ونجحت فيه كان دراميا، وملحميا أيضا، وقد ذكرتني بقصة أبي طالب في السيرة النبوية، فالمعروف في معظم مصادر السيرة أن أبا طالب لم يسلم، وهي أحد الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة. روى البخاري ومسلم وغيرهما عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وهذا الحديث مثار جدل كبير، ولا يزيد إيمانا أو ينقصه، لكن أغلب المصادر تقول إن أبا طالب مات مشركا، وأنه لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عماه قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة"، فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقرت بها عينك، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك، فأنزل الله عز وجل: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين). 

هذه السطور كثيفة الدراما للمهتمين بها، وهي لحظة شكسبيرية، فأبي طالب كان ملكا أو في مثابته، واللحظة هي لحظة الامتحان والاختيار بين الجنة والنار، وبين عزِّ الدنيا وعزِّ الأخرة، فو الله أن (كاتب السطور) ليكتب إشعارا على صفحته الزرقاء فيتردّد خوفا من عير قريش، وأن تعيره بالصباة، وقد اختارت خديجة بن قنة، خيارا قاسيا في زمن العلمانية العربية العسكرية الطائفية، اصطفت أن تشبه معظم المسلمات والعربيات، وهي لحظة شجاعة منقطعة النظير وأظنُّ أن الجزيرة والبادية العربية التي تعلم المرء الشجاعة وتجعله يبدي صفحته كان لها دور في قرارها الفريد. لعمري إنه قرار شجاع وتاريخي. و: لعَمرِي لقدْ أيقظتِ مَنْ كانَ نَائِما ... وأسمَعتِ من كَانَت لَهُ أذنان، كما قال عمرو بن الشريد. 

يظنُّ صاحبي المصري عمرو الذي كان يشاركني متابعة احتفال الجزيرة على الجزيرة مباشر، وليس على الجزيرة الأم، أنَّ محمود مراد جنى على خديجة بن قنة، بحسن نية. غضب صاحبي عمرو من مراد غضبا شديدا، وكانت خديجة تذكر وهي تروي بعض المشاهد إعجابها الشديد برئيسة سويسرا المتواضعة ميشيل كالمي، وهيبة رجب طيب أردوغان المخيفة، التي يسمونها بالكارزيما، وهي كلمة عربية مشتقة من الكرامة، كما يرى مصطفى حجازي صاحب كتاب "الإنسان المهدور"، وأبدت إعجابها الشديد بلوعة مرسي الوطنية، فتدخل محمود مراد ليبيّن أن زميلته هي الآن في موقع المسافر الضيف، وليس أمام عجلة القيادة، فاحتدَّ صاحبي المصري، وقال: مراد لم يعترض على رأي زميلته في أردوغان والرئيس السوادني ورئيسة سويسرا، واعترض على مرسي السجين! كلهم يستقوون على الضعفاء، وقال لي وكأني بروتوس وقد طعنت يوليوس قيصر: يا أخي! ’فكُّوا الْعَانِي، وَأَجِيبُوا الدَّاعِي، وَعُودُوا الْمَرِيضَ‘، والله ده ظلم. فقلت ليوليوس قيصر: لعلها قواعد وأصول المهنة، ومراد يقصد الأمر كله ولا يعني مرسي وحده، قال: مهنة إيه وكلام فارغ إيه.. وخشيت أن يبكي فحولت الحديث وقلت له: الكوارع على النار.

 فقال كوارع إيه وشوارع إيه.. لم تذكر بنت الحلال (خديجة) شيئا يضرُّ شرعية السيسي، وشخص مرض مراد، وقال: هو مصاب بمتلازمة الثلاجة.. هاتوا لو ميّة.. السح الدح امبو.. الراجل خاف من مصير إياد مدني.. مَدَدْ يا مدني مدد. 

حاولت أن أخفف عن القيصر غضبته المضرية، لكني لم أفلح، تابع وقال وهو ينظر إليّ نظرة رئيس وزراء الهند إلى السيسي في طابور الجمعية: يا أخي اتنين مصريين واقعين ببعض أنت مال اهلك؟
 قلت: الله.. الله.. الله، أتشتمني يا بن العاص؟

 ووجدت نفسي في الموقع الذي وجد فيه مصري سيد العربي نفسه مع عبد المنصف في فيلم "عسل أسود"، فقال: وسع كده. 

ووسعت فقصد الباب، من غير أن يتذوق الكوارع السورية، وخرج مغضبا هاربا من ذبابة عبد الله بن سوار التي أفسدت الزيارة وتركني في ضحضاح من الدهشة يغلي منها دماغي. 
التعليقات (4)
anna من مدينة قسنطينة الجزائر
الأربعاء، 30-11-2016 02:06 م
الله يكون معك ويزيذك تألقا
محمد منير بو?رة
الثلاثاء، 15-11-2016 11:31 م
ذبابة ، فراشة ، سيرة نبوية والصاحب المصري والكوارع والقيصر............... والله والله والله لم أقرء مثل هذا المنشور في حياتي قصص وعبر وتناسق الروايات والأحداث والهزل والسياسة والساسة لقد تهت في هذه الكلمات مثل تلك الذبابة وقصتها مع بنت بلدي خديجة ..
حسن
الثلاثاء، 15-11-2016 11:29 ص
مقال ممتاز من السهل الممتنع .
أحمد النوبي
الثلاثاء، 15-11-2016 11:08 ص
تعليقي يتناول نقطتين : الأولى أن السيدة الفاضلة خديحة بن قنة ليست هي أو محجبة على الشاشة العربية بل السيدة كريمان حمزة وتبعها زميلات أخريات بالتليفزيون المصري بحكم محكمة. الثانية أن شروط الحجاب ألا يصف ولا يشِّف، وأن معظم المحجبات خاصة الاعلاميات منهن يعطين الأولوية الشرط الثاني ويتجاهلن الأول ، وأرجو ألا يكون ذلك عن قصد.